إننا جميعًا نعرف قصة زرقاء اليمامة التي أنذرت قومها بوقوع الخطر وحذَّرتهم من غزو الأعداء، وحثتهم على الاستعداد للحرب فلم يلتفتوا إليها واتهموها بالجنون؛ حتى وقع ما قالت وتحققوا من صدق ما حذرتهم إيَّاه، وإذا كانت زرقاء اليمامة- كما تقول الروايات- قد قُتلت في أثناء الحرب، فإن تحقق ما قالت كان انتصارًا لها حتى بعد أن قُتلت.

 

 

ولا أرى الموقف في أثناء العدوان الصهيوني الغاشم على غزة في الأسابيع الماضية بين المنادين بالتخاذل والرضوخ لمطالب العدوان والداعين إلى الجهاد والمقاومة يختلف كثيرًا- مع اختلاف الأزمنة والظروف- عن هذا الموقف؛ ففي أعقاب اندلاع العدوان الصهيوني على غزة في محاولة فاشلة منه للقضاء على حركة المقاومة الفلسطينية شهدت الساحة العربية صراعًا بين خطابين، فبينما خرجت معظم الأنظمة العربية بخطاب مفاده تحميل حماس المسئولية عن اندلاع هذا العدوان، وأنه لا طائل من المقاومة أمام جيش بإمكانات وأسلحة الكيان الصهيوني، وأن الأمة العربية في مرحلة لا تسمح لها بخوض حرب مع الصهاينة؛ كانت جماعة الإخوان- في المقابل- ترى ضرورة الصمود في وجه الصهاينة وجهادهم؛ حتى يتمكَّن المسلمون من استعادة كرامتهم وعزتهم التي فقدت بسبب تهاون الأنظمة في حق الإسلام والشعوب، بل إن الجماعة طالبت بفتح باب الجهاد.

 

ففي أول رسالة للمرشد العام للجماعة بعد اندلاع هذا العدوان والتي أتت بعنوان "ولكن جهاد ونية" ونُشِرت بتاريخ الأول من يناير عام 2009م؛ كانت الدعوة إلى الجهاد بمعناه العام.. يقول فضيلة المرشد موجِّهًا كلامه إلى عامة المسلمين: "يجب أن نعيش كدول ومجتمعات وشعوب وأفراد معنى الجهاد بكل معانيه؛ بدءًا من الجهاد قتالاً عن طريق الجيوش بما لديها من إمكانات وقدرات، وفرق المقاومة الشعبية مهما صغرت إمكاناتها، وانتهاءً بالجهاد بالتبرُّع بالدم والمال والكلمة، بل وبالمقاطعة الاقتصادية بكل أشكالها وصورها".

 

ثم إنه ربط بين دروس الهجرة النبوية وعِبَرها وما يجب على المسلمين كافةً في ظل هذا العدوان.. "وإذا كانت من أهم دروس الهجرة- بل ومن أهم عوامل نجاحها- نصرة الأنصار للمهاجرين وتعاون الجميع على نصرة الله بكل معانيها؛ فإن هذا ما نريده اليوم؛ هجرة لنصرة المسلم لأخيه المسلم؛ فعندما تتحوَّل دماء الأبرار من أهل غزة مدادًا لمكاسب صهيونية وتواطؤ عربي وخيانة بني الجلدة وصمت دولي مخزٍ؛ فهنا يصبح واجبًا علينا أن نُحيي المرابطة سلوكًا وفعلاً وتطبيقًا، ولتَهُبَّ الأمة كلها في حالة رباط ومناصرة لإخواننا المجاهدين في غزة".

 

ثم إنه توجه إلى مجاهدي غزة بقوله: "فاصبروا واعلموا أنكم على الحق وأن الله معكم وناصركم ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ (محمد: من الآية 35)، وإننا خلفكم؛ ندعمكم بكل ما أوتينا من قوة وبكل الوسائل المتاحة؛ فاصبروا كما صبر أولو العزم من الرسل والصادقون من المجاهدين، واعلموا أن النصر صبر ساعة، وأن الله ناصر من ينصره".

 

فإذا كان خطاب الأنظمة دعا إلى الرضوخ لمطالب الكيان الصهيوني، وإفقاد المقاومة الفلسطينية في غزة شرعيتها متكئًا على أسباب واهية ترى أنه لا طائل من حرب غير متكافئة بين الطرفين، فإن خطاب المرشد العام للإخوان وقف في مقابل ذلك معوِّلاً على أبطال غزة؛ الذين يثق في قدرتهم على النصر، وفي مقابل ذلك يدعو الأمة إلى الجهاد بمعناه العام من مقاطعة ومساندة ومؤازرة، ويبدو أنَّ المقاومة أبت أن ترضخ لخطاب الأنظمة، واختارت أن تكون مجاهدةً صابرةً كما يدعو إلى ذلك خطاب المرشد، ولكن تُرى هل ينتصر المجاهدون وينتصر معهم خطاب المرشد؟!

 

في الأسبوع التالي ومع اشتداد العدوان وبلوغه درجةً من "الوقاحة" أباحت له ضرب المدنيين والمنشآت المدنية، وفي ظل صمت الأنظمة وتماديها في خطابها الموالي للكيان الصهيوني؛ كانت رسالة المرشد الثانية التي جاءت بعنوان "لبيك فلسطين" بتاريخ 8/1/2009م، وكان من الطبيعي أن ينتقد فضيلة المرشد فيها بشدة موقف الأنظمة المتخاذل، وأن يشدّد على قيمة الجهاد، فلا أمل بعد الله تعالى- في ظل هذا الوضع- إلا بالجهاد والمقاومة، "وإذًا فلا أمل بعد الله تعالى في إزالة الغمة التي أصابت الأمة، وفي كشف الكربة إلا بالجهاد والمقاومة بكل أشكالها؛ مهما تكن القوة غير متكافئة مع العدو، طالما.. ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ (البقرة: من الآية 249)".

 

 الصورة غير متاحة

 الصهاينة يذوقون ألم ومرارة الموت جراء صواريخ المقاومة

ومن ثم يدعو المقاومين في غزة إلى السير في طريق الجهاد ويؤكد لهم أن الإخوان- وفي مقدمتهم المرشد- من ورائهم، وهو ما قاله في رسالته الأولى "فامضوا في طريق العزة والجهاد ونحن من ورائكم"، بل يزيد الأمر تأكيدًا بما يوحي بفاعلية تتجاوز المؤازرة والمساندة إذا لزم الأمر؛ فيقول في نهاية الرسالة "لبيك فلسطين.. لبيك غزة.. نحن على عهدنا مع المجاهدين، وصبرًا وثباتًا أيها المجاهدون الأبطال؛ فإنما النصر صبر ساعة".

 

في الأسبوع الثالث من العدوان كانت تباشير النصر تلوح للمقاومين، وفي المقابل كان الصهاينة يبحثون عن مخرج من هذه الهزيمة التي بدأت تدبُّ في أواصرهم، وفي هذه الحال لا يحتاج الأمر إلى الركون إلى ما تحقق، وإنما يحتاج إلى شدِّ العزم على النصر التام، فاقتضت الحكمة أن تكون الرسالة الثالثة لفضيلة المرشد بعنوان "حَيَّ عَلَى الْجِهَادِ"، ونُشرت بتاريخ 15/1/2009م، وإذا كانت الدعوة إلى الجهاد في الرسالتين الأولى والثانية عوَّلت على الصامدين الصابرين في غزة مع مساندة الأمة ومؤازرتها لهم في تحقيقٍ للجهاد بمعناه العام؛ فإن الرسالة الثالثة كانت أكثر صراحةً وأشد لهجةً في الدعوة إلى الجهاد بمعناه الخاص "حمل السلاح"؛ ففي هذه الرسالة نقرأ قول المرشد "لقد أثبت التاريخ والواقع أنه لن يُجدي مع الصهاينة بطبعهم الخبيث ومكرهم ولؤمهم سلامٌ ولا اتفاقاتٌ ولا مبادراتٌ ولا اجتماعاتٌ ولا عهودٌ ولا شرعيةٌ دوليةٌ ولا هيئةُ أمم.. ولكنَّ أنجع دواء هو ما وصفه القرآن لنا.. ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ (الأنفال: من الآية 60).. إنه الجهاد في أوضح معانيه.. حَيَّ عَلَى الْجِهَادِ.. جهادًا شاملاً بكل أنواعه ومعانيه؛ يبدأ من جهاد النفس والشيطان وينتهي بمشاركة الدول العربية والإسلامية بجهاد الساعد والسلاح".

 

لقد أدرك فضيلة المرشد أن النصر آتٍ بإذن الله، ولا بد من صيحة مدوية "حي على الجهاد" تُرعب عدوَّ الله، وتشد من عزم المقاومين لإنهاء المعركة بأكبر قدر من المكاسب، كما أدرك أن هزيمة "الصابرين الصامدين في غزة" تعني هزيمة الدعوة إلى الجهاد بكل معانيها، وانتصار دعاوى الأنظمة المتخاذلة، بل إنه كان على وعي تامٍّ بأن العدو الصهيوني إذا انتصر في هذه المعركة فإن فكرة الجهاد ستُهدم وستحتاج الأمة لسنين طويلة لإحيائها مرة أخرى، وأن الأصوات التي نادت بالرضوخ والتخاذل ستعلو مناديةً بالقضاء على هؤلاء الذين أوردوا البلاد المهالك وأذاقوا الأبرياء في غزة ويلات العذاب، فكان لا بد من الدعوة الصريحة إلى الجهاد بمعناه الخاص "حمل السلاح"؛ حتى تخرج غزة منتصرةً انتصارًا حاسمًا؛ لأن في انتصارها انتصارًا للتوجه نحو إحياء فكرة الجهاد نفسها، ومدى فاعليتها في تحرير الأرض واسترداد الكرامة المهزومة والأرض المسلوبة.

 

وبعد إعلان وقف إطلاق النار من جانب الكيان الصهيوني وخروج المقاومة الباسلة منتصرةً ثبت أن الجهاد الذي دعا إليه فضيلة المرشد منذ اندلاع الحرب هو أنجع الحلول مع الصهاينة؛ بطبعهم الخبيث ومكرهم ولؤمهم"، فكان من الطبيعي أن يحيِّي فضيلته صمود غزة الذي أثبت للجميع صدق ما دعا إليه، فجاءت الرسالة الرابعة "تحية لصمود غزة" بتاريخ 22/1/2009م.

 

 الصورة غير متاحة

صواريخ المقاومة الفلسطينية ما زالت تمثل الرعب للكيان الصهيوني

لقد انتصر المقاومون وحقَّق معهم خطاب الجهاد انتصارًا على خطاب التخاذل والرضوخ، فتبيَّن صدق ما قيل عن الجهاد كحلٍّ أنجع مع الصهاينة، وإذا كان هناك عدد من الشهداء- قل أو كثر- فإنه كما يقول المرشد "لم يذهب سدى"، بل حقَّقت هذه الدماء الكثير من المكاسب المادية والمعنوية، ومن مكاسبها كما تقول الرسالة:

1- "سرت في شرايين الأمة فأحيتها وأنارت لها الطريق؛ فعرفت العدو من الصديق والمُعتدِي من المُعتدَى عليه".

2- "بعثت الروحَ في جسد الأمة، وأنعشت فيها روح الجهاد، فتنادت بصيحات "هُبِّي يا ريح الجنة" ويا "خيل الله اركبي".

3- "حرَّكت الشعوبَ والجماهيرَ في شتى أركان المعمورة لتعيد قضية فلسطين إلى الواجهة والصدارة بعد أن كاد يلفها النسيان".

4- "أعادت الثقةَ إلى الشعوب بنفسها وبقدرتها على مقاومة الظلم والطغيان.

 

 


أما أهم المكاسب التي تحققت من خلال هذه الدماء أنها "أعطت دروسًا للأمة في أن نهج المقاومة هو الوحيد القادر على وقف العدوان واسترداد الحقوق"، ومن ثم حقَّ لفضيلة المرشد أن يطالب في صراحة واضحة- بناءً على ما تحقق بعد أن أثبت صمود غزة انتصار خطاب الجهاد- "الأنظمة والحكومات العربية بأن تعيد قراءةَ الأحداث، وأن تُراجع إستراتيجيتها من جديدٍ، وأن تراهن على المقاومة والصمود؛ حيث إنها هي وحدها القادرة على حسم المعارك ضد الطغيان والاستكبار"؛ بل هو على يقين من الانتصار؛ لأن "الجيل القادم من أبناء القطاع الذي سيتكون من أطفال شاهدوا مجازر آبائهم وأمهاتهم وأشقائهم وشقيقاتهم؛ سيكون الأشرس والأكثر شجاعةً وإقدامًا واستيعابًا لطبيعة المرحلة، والأقدر على التعامل مع عدوٍّ لا يفهم سوى لغة القوة".

 

إن ما يمكن قوله أخيرًا أن المتأمل في رسائل المرشد الأربعة التي واكبت العدوان الصهيوني الأخير على غزة يدرك إلى أي مدى كان الحرص على التمسك بالدعوة إلى الجهاد، وأن هذه الدعوة واكبت الظروف من حولها، بدايةً من الدعوة إلى الجهاد بالمساندة والمؤازرة، ومرورًا بشد العزم والتأكيد على المساندة، ثم الدعوة الصريحة إلى الجهاد بمعناه الخاص لتحقيق نصر حاسم، وأخيرًا البرهنة على صحة ما قيل.