- 25 ألف مبنى تحتاج إلى مليارَيْ دولار لإعادة البناء

- اقتراحات لمبانٍ جديدة تقلل من مخاطر أي عدوان قادم

- سعد الحسيني: الإدارة المصرية تتحمَّل مسئولية إنجاز الإعمار

 

تحقيق- هند محسن:

بدأت "معركة إعمار غزة"؛ لتصبح بعد هدم نحو 25 ألف مبنى خلال الحرب الأخيرة على غزة هي واجب الوقت والمكان.

 

خطوات الإعمار تبدأ بخطتين: الأولى عاجلة وسريعة خلال 100 يوم؛ حيث إن هناك 5000 أسرة في العراء يجب تسكينها في شقق أو مساكن سريعة من "الكرفانات" (بيوت إنشائية خشبية) وبيوت من حقائب رملية، وكذلك المساكن الصغيرة ذات مساحة الـ21 مترًا، والتي تبلغ تكلفة الوحدة منها 8 آلاف دولار.

 

وهناك بالفعل مشروع عاجل تقوم به لجنة إعمار غزة باتحاد الأطباء العرب لإيواء وإعاشة 2000 أسرة من خلال تأجير مقر سكني للأسرة الواحدة لمد 6 أشهر؛ ويبدأ ذلك الإيجار من 200 دولار، وكذلك رصد مبلغ لشراء المستلزمات الضرورية للسكن والمساهمة في الإعاشة بمقدار 1000 دولار للأسرة الواحدة، وسيستغرق هذا المشروع 3 أسابيع، وستكون القيمة الإجمالية للمشروع 3 ملايين دولار.

 

وتأتي الخطة طويلة المدى بتكوين فريق متكامل ولجنة عليا ميدانية تعمل على مجموعة من الأمور الفنية التقنية؛ أولها عمليات إزالة الأنقاض وإزاحتها لانتشال الجثث، كما يجب تشكيل فرق ميدانية من مختلف الاختصاصات لتقوم بتقييم وضع كل موقع سكني من ناحية صلاحية البنى التحتية وصلاحية الأبنية والمنازل، وكذلك المرافق الأساسية له.

 

كما سيتم رصد حالة المنازل المتضررة؛ فإما أن يتم هدم ما تبقى منها ليعاد بناؤه، أو يتم إصلاح الأجزاء المهدَّمة منه، والتي لا تتعلق بالعناصر الإنشائية الرئيسة، كالأعمدة والعقدات والأساسات، ثم يتم رصد الأضرار إذا كانت في العناصر التكميلية، كالزجاج والألمنيوم والأبواب وما شابهه لإصلاحها، أما إذا استهدفت الأضرار عناصر البناء الإنشائية فيجب إعادة البناء من جديد.

 

ثم تأتي دراسة طبوغرافيا المنطقة- أي تفاصيل الظواهر الطبيِعية والاصطناعية لمنطقَةٍ ما بأشكال ورسوماتَ مميزة ميدانيًّا تسمى عمليِة الرفع أو إسقاط وتمثيل المشاريع على الميدان بالخرائط- ومناسيبها عند قيام المهندسين بتشييد البنى التحتية؛ لتفادي تجمُّع مياه الأمطار وارتفاعها إلى مناسيب كبيرة جدًّا تدخل المنازل كما حدث في الأعوام الماضية، وكما حدث عند انهيار سد مياه صرف صحي فأغرق جزءًا من القطاع بالمجاري.

 

وعند تشييد المنازل يجب أن يكون ارتفاع أرضياتها لا يقل عن 120 سم عن منسوب الشارع؛ لعدم دخول المياه فيها، كما يجب تصميم المباني والمنازل لتناسب ذوي الاحتياجات الخاصة الذين كثر عددهم بعد العدوان الصهيوني الغاشم، ويتوجب تصميم ملجأ في كل مبنى جديد أو منزل، وأن يكون تسليحه وفقًا لأصول تسليح الملاجئ، كما يجب إنشاء بئر ماء في كل منزل.

 

ويمكن استغلال ركام ما تم تدميره من المنازل في إنشاء الميناء والسواتر الخرسانية الحاجزة لمياه البحر، خاصةً عند ارتفاع الأمواج.

 

(إخوان أون لاين) يرصد خطة إعادة إعمار غزة هندسيًّا، ويجيب عن بعض التساؤلات في كيفية تنفيذ هذه الخطة على أرض الواقع، وكيف سيتم التعامل مع ما دمرته الآلة العسكرية الصهيونية من بنى تحتية ومرافق أساسية ومبانٍ عديدة، وكيف يتم مساعدة أهل غزة في تجنب أكبر قدر من دمار العدوان المستقبلي على القطاع، وهل هناك تنسيق مع شركات المقاولة لإعادة الإعمار السريع لغزة؟!

 

فك ارتباط

يقول الدكتور شريف أبو المجد الأستاذ بكلية الهندسة جامعة القاهرة ورئيس لجنة إسكان وإعمار غزة باتحاد الأطباء العرب إن هناك خطتين لإعادة إعمار غزة: الأولى عاجلة وسريعة، وهي خطة الـ"100 يوم" لإعمار غزة، والتي تتضمن أيضًا حفر 40 بئر مياه حفرًا آمنًا لحاجة القطاع الماسة للمياه العذبة، ولحمايتهم من التعرُّض للقصف الصهيوني مستقبلاً، وسينتهي رفع المياه خلال شهرين كأقصى حدٍّ، مشيرًا إلى أنه يمكن استغلال البحر في تحلية مياهه.

 

ويؤكد د. أبو المجد أهمية سرعة إصلاح وإنشاء شبكات البنية التحتية في غزة من كهرباء ومياه وطاقة وصرف صحي، والتي قام بتدميرها العدو الصهيوني خلال عدوانه الأخير على القطاع، مشددًا على ضرورة فك ارتباط قطاع غزة بالكيان الصهيوني من خلال الطاقة في صورها، كالكهرباء والغاز، عن طريق مدّ غزة بالمولدات العديدة الضخمة، وبتوليد الغاز من المُخلَّفات.

 

وقال أبو المجد: يجب ألا ننسى إعادة بناء المدارس والجامعات المُهدَّمة بالكامل، وتأهيل المدارس الباقية والمُدمَّرة جزئيًّا، والتي تتكلَّف 8.5 ملايين دولار، كما يجب تطوير جامعات القطاع وتوأمتها مع الجامعات المصرية للنهوض بها على المستوى التعليمي، موضحًا أن هناك خطةً كاملةً لمعاينة غزة هندسيًّا ورفع واقعها، كما أنهم سيقومون بتدريب بعض الفلسطينيين على كيفية إصلاح المنشآت المُدمَّرة.

 

تخطيط جديد

 الصورة غير متاحة

غزة تحتاج جهودًا كبيرة لإعادة إعمار ما دمره العدوان الغاشم

وحول الخطة الطويلة المدى لإعادة تخطيط قطاع غزة بالكامل؛ قال: "علينا أن ننظر للعدوان الصهيوني الأخير على قطاع غزة بنظرة ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (النور: من الآية 11)"، موضحًا إعادة التخطيط والبناء بخرسانات خاصة وبدرومات عميقة ومتصلة ببعضها البعض؛ حتى إذا تم قصف منطقة ما تحرك الأهالي عبر هذه البدرومات.

 

وقال إنه لكي تكون البنية التحتية آمنةً تمامًا من القصف الصهيوني يجب أن تكون مدفونةً تحت الأرض بأعماق كبيرة، كأسلاك الكهرباء ومواسير المياه والصرف الصحي والطاقة، مشيرًا إلى أنه كما أن هناك اقتصاد حرب، فهناك أيضًا بناء حرب على أحدث الأسس العلمية، على حد تعبيره.

 

وأضاف أنهم كي يبدءوا بتنفيذ خطة الإعمار يحتاجون أولاً إلى معلومات دقيقة على أرض الواقع يتم رفعها، ثانيًا إنشاء ما يُسمَّى بـ(Data Bank)؛ يتم من خلاله جمع كل المعلومات وتنظيمها، وكذلك جمع الأفكار والابتكارات؛ حيث إن هناك العديد من المهندسين تقدموا بأفكار إبداعية من تخطيط وتصميم لإعادة إعمار غزة كي يُعيدوا القطاع أفضل مما كان عليه سابقًا.

 

وقال: "نقوم حاليًّا برفع الخسائر المعمارية، والتي يساعدهم فيها نقيب المهندسين بغزة، والذي قام بجهدٍ جبارٍ حتى الآن مع المهندسين الفلسطينيين"، وأكد أن تكلفة الإعمار حتى الآن بلغت مليارَي دولار، تم جمع 200 مليون دولار حتى الآن من الدول العربية فقط، ويبقى المجتمع الدولي وهيئة الأمم المتحدة وغيرها من الجمعيات على مستوى العالم.

 

لكن أبو المجد أعرب عن المشكلة الحقيقية في تأخرهم في رفع الواقع بأرض غزة والبدء بإعادة إعمارها، وهي عدم فتح معبر رفح المصري لعبور المهندسين، ومن ثَم عبور المعدات والإسمنت والحديد وغيرها من أساسيات الإنشاء، مستنكرًا القرار المصري مع عدم وجود مبرر واضح أو منطقي ليبقوا عالقين على المعبر، وناشد كل وسائل الإعلام تبنيَ قضية إعمار غزة هندسيًّا، كما تبنَّوا نجدة غزة طبيًّا؛ لضرورة وسرعة إنقاذ غزة بإعمارها.

 

وأكد د. أبو المجد أن هناك لجنةً على المستويين العربي والعالمي؛ تضم كل التخصصات الهندسية لإعمار غزة تحت اسم "اللجنة العربية لإعادة إعمار غزة"؛ تقوم بالدراسات الهندسية من خلال مجموعة مهندسين واستشاريين، كما تعمل للضغط على الأنظمة العربية لتبني إعمار غزة والسماح لهم بالعبور إليها؛ فهي الأَوْلى بإعمار غزة من غيرها، وعلى الوزارات العربية والنقابات أن تقوم بهذا الجهد، لا أن تنتظر الجمعيات والهيئات الغربية لتقوم عنها بواجبها.

 

وطرح أبو المجد فكرة عن أفضل طرق للمقاولة في إعادة إعمار غزة؛ منها البنك الإسلامي للتنمية، وجمعيات تركية وقطرية تتبنَّى مشاريع محددة بعينها، وكل مشروع له ميزانيته الخاصة، وهذه الشركة أو الجمعية تُقدم عطاءاتها، وأفضل عَطاء يتم اختياره من أجل تنفيذ مشروعٍ ما متفق عليه؛ حتى لا ندخل في متاهات مَن يأخذ أموال الإعمار ليبدأ التنفيذ.

 

3 خطوات

 الصورة غير متاحة

أطلال منازل.. هذا ما تركه الاحتلال في غزة

ويوضح الدكتور التهامي أبو زيد أستاذ الهندسة الإنشائية بكلية هندسة جامعة الزقازيق؛ أنه مطلوبٌ لإعمار غزة 3 خطوات أساسية:

أولاً: رفع واقع الأوضاع بغزة.. عن طريق مهندسين من تخصصات مختلفة، كالتخطيط المدني وتقييم وإعادة تقدير المنشآت، ودعم القطاع بالكهرباء والمياه والصرف الصحي والطاقة، وإدارة عمليات الإعمار.

 

ثانيًا: يتبع ذلك مؤتمرٌ علميٌّ لعملية الحصر الدقيق ورفع الواقع بالخرائط الهندسية وتعداد السكان وحاجاتهم المعيشية؛ لتقديم الحلول العلمية وطرق تنفيذها.

 

ثالثًا: يجب وجود جهة تتبنَّى أمر الإعمار وعطاءات المقاولين.

 

وأضاف أن هناك طرقًا بديلةً لقيام الفلسطينيين ذاتهم بأعمال الحفر ورفع الأنقاض، ومن ثَم يعرضون على الدول المانحة أو البنوك أو الجمعيات المتبرعة أن يقوموا بمشروعات متعددة؛ بحيث إن كل دولة أو هيئة تأخذ مشروعًا بعينه وتتبنَّاه حتى يتم تنفيذه؛ فمثلاً السعودية تقوم بمشروع تأهيل المنشآت المُدمَّرة، وقطر تقوم بمشروع تعبيد الطرق، ثم تأتي المنظمات الدولية وهيئة الأمم المتحدة لتقدم المزيد من تبنِّي المشروعات.

 

وأشار أبو زيد إلى امتلاك الفلسطينيين عددًا هائلاً من الأيدي العاملة ستكون دعمًا كبيرًا حال تنفيذ مخطط إعمار غزة، لكن يجب في أساس الأمر أن تكون خطط الإعمار واضحةً ودقيقةً.

 

وأكد سهولة تنفيذ خطط الإعمار مع وجود خطة إعلامية ودعائية قوية لإعمار غزة، ووجود الإرادة القوية وقيادات تفتح المجال لشعوبها كي تتحرك بحرية، فضلاً عن الجهود الشعبية لجمع الإعانات كي تبلغ مليارَي دولار، تكلفة الإعمار، ويبقى فتح المعابر للدخول للتنفيذ على أرض الواقع.

 

مبانٍ آمنة

وحول إمكانية وجود مبانٍ تقلل من مخاطر العدوان الصهيوني المستقبلي؛ أكد أبو زيد أن هذه المبانيَ ممكنة بخرسانات قوية تحتاج لكمٍّ ضخمٍ من التفجير والقصف، إلا أن هذه المباني في ذات الوقت تحتاج إلى تكاليف أعلى، بالإضافة إلى تصميم أماكن آمنة في كل مبنى تحت الأرض أو في أماكن من المبنى ذاته؛ تكون مستترةً عن العدو بإحاطتها بحوائط خرسانية تُقلِّل من مخاطر القصف.

 

ويرى أنه فيما يختص بالبنى التحتية لإمكانية فاعلية تصميمها يتم دفنها في أعماق بعيدة تحت الأرض، بعيدًا عن مُتناول القصف الصهيوني، مؤكدًا أنه في شاطئ غزة تكمن كميات كبيرة من الغاز؛ حال دون استخراجها عدم توفر معدات كبيرة وبنية قوية وتجهيزات ضخمة، كما أن أعمال الحفر والاستخراج ستكون مكشوفةً للعدو لسحقها، ولكن يجب أهل غزة مساعدتهم في استخراجها بمدِّهم بالمعدات والتجهيزات.

 

ويشكِّك أبو زيد في وجود مكاتب هندسية متطوعة للعمل في إعمار غزة؛ حيث إن عدد المتطوعين قليل جدًّا؛ فيجب أن يكون قرارٌ سياسيٌّ بتشجيع المكاتب الاستشارية الهندسية لعمل كل الجهود لإعمار القطاع، وفي أقصى سرعة ممكنة؛ بإعطائها تمويلاً من ميزانية الدولة، مؤكدًا أن الأمر في غاية السهولة، ولكن يجب توافق وتلاحم إرادة الحكومات مع إرادة الشعوب.

 

نظرة شاملة

ويرى النائب المهندس سعد الحسيني رئيس مجلس إدارة شركة المدائن الهندسية وعضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب أنه يجب النظر إلى المباني والبنى التحتية والمرافق الأساسية نظرةً كليةً شاملةً، ثم طرح تساؤلاً: هل ترميم المباني المهدمة مُجدٍ؟! أم أن إزالتها أفضل؟!

 

 الصورة غير متاحة

 م. سعد الحسيني

وقال: "إن هناك مبانيَ يستحيل بقاؤها، وهناك مبانٍ مضارَّة يمكن ترميمها، كمبنى المجلس التشريعي الذي يُمثِّل تراثًا معماريًّا، والمناطق التي تمت إزالتها بالكامل على يد الاحتلال الصهيوني يمكن إعادة تخطيطها من جديد، بالإضافة إلى المناطق العشوائية التي سيتم ترميمها، والمناطق النائية التي سيتم إعادة بنائها بمخطط جيد يناسب بُعدها ويناسب أيضًا سكانها أثناء عدوانٍ آخر".

 

وأضاف الحسيني: "يجب أن يشمل المخطط وحداتٍ سكنيةً جديدةً، وإنشاء محطات كهرباء، ولا ننسى أن أول عمل في الإعمار القيام بإزالة ونقل الهدم؛ عن طريق إرسال حفَّارات وبلدوزرات ومواد بناء وآليات رفع وغيرها الكثير"، مشيرًا أن حوالي 14% نسبة ما تضرر في غزة؛ أي ما يقرب من 25 ألف مبنى.

 

ونفى وجود مبانٍ تتحمَّل العدوان والقصف المستقبلي؛ حيث إن وجود مبانٍ كهذه نادرٌ جدًّا، ويكون لمخابرات دولةٍ ما أو مبنى نووي، وتكون التصميمات باهظة التكاليف، ولا يستخدمها أناسٌ عاديون.

 

وعن تفعيل جميع المؤسسات في الدول من أجل إعمار غزة السريع قال الحسيني: "إن الإرادة السياسية المصرية هي المسئولة عن إعمار القطاع مشاركةً مع وزارة الإسكان والتخطيط العمراني"، مُبيِّنًا أنه طالب في مجلس الشعب منذ 3 أسابيع بالسماح لهم كلجنة إعمار بالبرلمان بدخول غزة ورؤية الواقع ومعاينته ورفعه، إلا أن الحكومة لم تسمح بذلك حتى هذه اللحظة!.