سري سمور

 

اخترت خلال الفترة السابقة دور "المراقب الصامت" ومنذ بدء العدوان الهمجي على قطاع غزة وحتى اللحظة لم أكتب شيئًا إلا في اليوم الرابع للمحرقة (30/12/2008م) تحت عنوان "وترجون من الله ما لا يرجون"؛ فقد رأيت أن أجلس لمراقبة المشهد الميداني والسياسي والإعلامي دون أي تعليق، والآن وانسجامًا مع فكرة هذا المقال التي تقوم على ضرورة اشتراك كل فلسطيني في أي بقعة من بقاع الأرض في صياغة آلية عمل مستقبلية للتحرك لإنقاذ القضية أقدم هذه المشاركة وأتمنى من جميع المعنيين دراستها ودراسة أي فكرة أو اقتراح حتى نحافظ على انتصار شعبنا ومقاومتنا في قطاع غزة، هذا مع علمي أن هناك مَن يتبنى رأيًّا مضادًّا يقول بأن ما جرى هزيمة منكرة لنا!.

 

ولا أخفي أن أحد أسباب تشجعي لترك دور المراقب ما طالعتنا به مؤخرًا مصادر إعلامية في باريس عن وجود مخطط صهيوني لاغتيال السيد محمود عباس ليتم اتهام حركة حماس بالأمر، وجرّ الشعب وفصيليه الرئيسيين نحو فتنة واقتتال جديدين- لا قدر الله- فيجب علينا جميعًا السعي الحثيث نحو صياغة خطط عمل وآليات تحرك للمرحلة المقبلة، ولا يفوتنا أن دماء شهداء غزة لم تجف، وأن مئات الجرحى يتوقع أن ننعاهم شهداء في أي لحظة، وأن المسجد الأقصى وبفعل الحفريات أسفله وفي محيطه مهدد بالانهيار، واليمين الصهيوني المتطرف قادم إلينا ومعه مشروع يستهدف أهلنا في الجليل والمثلث والنقب، وما نحن فيه يحتاج إلى توحد وخطط عمل؛ لأن الأخطار تتهددنا جميعًا، سواء مَن يؤمن بالمقاومة، ومَن يكرهها ويعتبرها وبالاً وشرًّا مستطيرًا، ومن هو بين بين!.

 

منظمة التحرير.. جدل قديم جديد

فجرت تصريحات السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس الأخيرة الجدل من جديد حول منظمة التحرير الفلسطينية؛ هذه المنظمة التي طالما عبر العديد ممن هم في إطارها ومن العاملين في مؤسساتها عن حزنهم وغضبهم لحالها؛ وذلك قبل الأزمة بين فتح وحماس والتي بدأت منذ نحو ثلاث سنوات؛ فلطالما قالوا بأن "البنت التهمت أمها"، في إشارةٍ إلى تآكل المنظمة ومؤسساتها لصالح السلطة التي يفترض أنها منبثقة عن المنظمة، وأن الأخيرة هي مرجعية الأولى، ولا شك بأن تصريحات السيد مشعل قد حرَّكت المياه الراكدة لهذا الملف، وبصراحة لم يعد كافيًا لطم الخدود وشق الجيوب على ما آلت إليه المنظمة من جمود وترهل وغياب بل تغييب متعمد.

 

وفي نفس الوقت توجه المدافع الكلامية والرشاشات الاتهامية نحو أي نقاش أو طرح يتعلق بالمنظمة، حتى يبدو أن المنظمة هي "تابو" مقدس، ومَن ينتقد المنظمة وفي نفس الوقت لا يريد من الآخرين إلا السمع والطاعة وعدم فتح هذا الملف، هو أشبه بمَن يدعوك إلى بيت جدرانه متصدعة وسقفه آيل للسقوط، ويشير إلى هذا الوضع ويتحدث عنه بالتفصيل، ثم يطلب منك البقاء في هذا البيت أو أن تكيل المديح والإطراء لهذا البيت، لمجرد أنه بيت!.

 

هذه حالة آن أن تنتهي، وكفلسطيني يحق لي السؤال: هل ياسر عبد ربه له شرعية تمثيل الشعب الفلسطيني بأكثر مما لدى حماس والجهاد الإسلامي وغيرهما من شرعية؟ علمًا بأنه لا ينتمي لأي تنظيمٍ حاليًا وقبل ثلاث سنوات حُسب أو انضوى تحت راية "الطريق الثالث" الممسك حاليًّا بزمام الأمن والمال في الضفة الغربية، وكمواطن فلسطيني أدعو للتمعن في المعادلات القائمة، أرى بأن حزب فدا المجهري والجبهة الديمقراطية وحزب الشعب (الشيوعي سابقًا) قد حصلوا على مقعدين فقط من مقاعد المجلس التشريعي في انتخابات مطلع عام 2006م، فيما حصلت المبادرة الوطنية الفلسطينية بزعامة د. مصطفى البرغوثي على مقعدين أيضًا رغم أن المبادرة حزب جديد على الساحة الفلسطينية، فهل من المنطقي أن يقال بأن "صالح رأفت" له صفة التمثيل الشرعي أكثر من مصطفى البرغوثي، لمجرد أنه وجد له مقعدًا في اللجنة التنفيذية للمنظمة؟ ناهيك عمَّا تُمثله حركة حماس من وزنٍ وشعبيةٍ واسعة يقر بها حتى الخصوم.

 

هناك مَن له صوت مرتفع وتفتح له شاشات الفضائيات وهو في الحقيقة لا يُمثِّل إلا أفرادًا معدودين، وهناك تعبير خادع اسمه "فصائل المنظمة" التي تصرح وتعبر عن كذا وكذا في صوت موحد، وكلنا يعرف أن حركة فتح هي الفصيل الأكبر والأهم داخل المنظمة، وأن الفصيل الثاني وهو الجبهة الشعبية التي حكم الاحتلال على أمينها العام أحمد سعدات بالسجن 30 عامًا، لا تتفق مع فتح في نقاط، مثلما لا تتفق مع حماس في نقاط أخرى، أما بقية الفصائل فهي تأكل من خبز السلطة وفتح وتضرب بسيفها، ونعلم أن هذه الفصائل أو قادتها ليسوا معنيين في اتفاق بين فتح وحماس خشية تلاشيهم وذوبانهم، ولكن يجب احترام كل فصيل كبر أو صغر وكل تنظيم وكل شخص مهما كان حجمه وامتداده الجماهيري، فيما يتوجب على الفصائل الصغيرة ألا تصوّر عبر الإعلام والبيانات والمزايدات أنها تقود الشارع، وهي التي تُمثِّل الشعب دون سواها!.

 

معاناة حماس حاليًا ومعاناة فتح تاريخيًّا

لنتذكر بأن حركة فتح قد عانت وكافحت وناضلت حتى دخلت جسم منظمة التحرير وأصبحت صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة فيها، بحكم قوتها وكاريزما زعيمها الراحل ياسر عرفات وانخراطها المباشر في الكفاح المسلح، ويبدو أن حركة حماس ستمر بنفس الظروف بل ربما أشد قبل أن تنخرط في المنظمة بشكلٍ رسمي، بعدما أصبحت حماس رقمًا مهمًّا وقوةً لا يمكن تجاهلها في المعادلة الفلسطينية.

 

ولكن هناك سؤالاً في غاية الأهمية يطرح نفسه: إن المنظمة تعترف رسميًّا بالعدو الصهيوني، بدليل الرسائل المتبادلة بين عرفات ورابين، واتفاق إعلان المبادئ الذي تلاها، والمنظمة لها خط سياسي يعتمد على التفاوض مع الاحتلال، ونبذ الوسائل الأخرى، لا سيما بعد رحيل عرفات، فما سبب الإصرار القوي من قِبل حماس والجهاد الإسلامي على الانخراط فيها؟.

 

والإجابة عن هذا السؤال هي في تحكيم إرادة شعبنا في سلوك المنظمة ووضعها وتوجهاتها، كما سأبين لاحقًا، طبعًا لا يفوتني أن أبا مازن قد اشترط على مَن يريد الدخول في المنظمة أن يلتزم ببرنامجها (الحالي طبعًا) وبالتزاماتها واتفاقاتها، بل قصر الأمر على حركتي حماس والجهاد الإسلامي، ولم يأت على ذكر المبادرة الوطنية ولا لجان المقاومة الشعبية

 

المستقلين الوطنيين والإسلاميين وغيرهم.

على كل هذا أمر سيكون محل نقاش وأخذ ورد، ولكنه يقودنا إلى تساؤل آخر وهو أن المنظمة تحظى باعتراف دولي وتمثيل في مختلف المحافل الرسمية الدولية والعربية، وهذا تحقق بناء على التزام المنظمة "بنهج السلام" فلو أعادت المنظمة إلى ميثاقها البنود التي ألغيت أو عدلت وانتهجت نهجًا مختلفًا أو حتى شبه مختلف عن نهجها طوال السنوات الماضية، فإنها ستدمغ بـ"الإرهاب" وستسحب العديد من القوى الدولية اعترافها بالمنظمة، وهذا سيسهم بضرر كبير للإنجازات التي تحققت و.....!.

 

والرد على هذا التساؤل بأن رمز المنظمة وزعيمها ياسر عرفات رغم حصوله على جائزة نوبل ودخوله إلى البيت الأبيض مرات عديدة، قد اتهم بدعم "الإرهاب" وحوصر وعُزل وحيكت ضده المؤامرات، إلى أن تم تسميمه، كما تؤكد شواهد قوية، فمتهمون نحن بالإرهاب، حسب تعبير الشاعر الكبير الراحل نزار قباني، وهي تهمة يتم التلويح بها وندمغ بها كلما رفضنا الرضوخ لجميع الاشتراطات بلا نقاش، فليس مقبولاً منا أقل من الخروج من وطننا، لننضم إلى الملايين الذين شردوا قبلنا وتقديم اعتذار للمحتل على أننا أقمنا فيها قرونًا طويلةً، بل ربما يطلبون منا تفسيرًا جديدًا لآيات سورة الإسراء؛ نظرًا لأنه يستحيل تحريف القرآن الكريم، وهنا أنا لا أبالغ أو أثير العواطف بل أطرح حقائق يدركها من يفاوض ومن يؤمن بالتفاوض أكثر ممن هو ضده، فقد يصبح "الشريك" "لا" شريك بين عشية وضحاها!

 

ثم هل التزم الاحتلال بما وقعه من اتفاقات مع المنظمة؟ طبعًا لا، علمًا بأن كل الاتفاقيات والتفاهمات مجحفة بحقنا في عمومياتها وتفصيلاتها الدقيقة، فلماذا نتقاتل ونختلف لنلزم بعضنا بما لا يلتزم به المحتل؟ والواجب هنا أن تعاد القضية للنقطة الأولى، لا سيما بعد الحرب الأخيرة على غزة، وأن يكون الخطاب موحدًا، وأن تكون المنظمة بعد إعادة بنائها معبرة عن اسمها فهي منظمة التحرير الفلسطينية، وليست منظمة إدارة وضع الاحتلال من خلال السلطة، مثلما يريد الاحتلال ومن خلفه أمريكا وأوروبا وغيرهما.

 

فالخطاب الصادر عن المنظمة الموجه للأمة العربية والإسلامية على المستوى الرسمي والشعبي، وأيضًا لكل شعوب وحكومات العالم، يجب أن يركز على لب القضية وجوهرها وهذا يعني بمنتهى التبسيط والاختصار بأن هناك أرضًا اسمها فلسطين وهي مقدسة للمسلمين والمسيحيين كان يقطنها شعب أصيل عريق هو الشعب الفلسطيني، قامت العصابات الصهيونية مدعومة من القوى الاستعمارية بقتل وتشريد أبنائه وأقامت على أنقاضه دولتها وكيانها الاستيطاني العنصري، وأن من حق شعب فلسطين أن يسعى بكل الوسائل وعلى رأسها المقاومة بكل أشكالها بما فيها الكفاح المسلح لاستعادة حقوقه.

 

وأنا على ثقةٍ بأن منظمةً تنضوي تحتها مختلف الفصائل تتبنى هذا الخطاب تستطيع انتزاع ولو الحد الأدنى من الحقوق، وقد علمنا وتيقنا بأن الحقوق تُؤخذ ولا تُعطى، وهناك وثائق وتفاهمات بين مختلف الفصائل على أرضيات ونقاط التقاء؛ كوثيقةِ الوفاق الوطني واتفاق مكة وما يمكن أن يتم التلاقي عليه لاحقًا، وعلى قيادة المنظمة الحالية أن تُعيد النظر في نهجها السابق ولو من باب حسابات الربح والخسارة، ولو حتى ردًّا على اتجاه المجتمع الصهيوني نحو التطرف، وما يقوم به الاحتلال على الأرض من إجراءاتٍ تستهدف القدس وتبتلع معظم أراضي الضفة الغربية وتمزقها بالحواجز والكتل الاستيطانية، وطبعًا العدوان والحصار على قطاع غزة الصامد.

 

لوم حماس على ما طُلب منها مرارًا!

لطالما قيل بأن حركة حماس منغلقة، ولا تبدي انفتاحًا على الآخر، ولا تتقبل من يخالفها أيديولوجيًّا، ولطالما خاطب العديد من أهل الفكر والرأي ومن حمل راية النصح لحماس بأن هناك أناسًا كثرًا ممن يحبون حماس ويعجبون بمقاومتها ويحترمونها ويجلّون قادتها وعناصرها؛ ولكن لأسباب شخصية أو نفسية أو فكرية لا يمكن أن ينضموا لصفوفها وإطارها التنظيمي؛ لأن نمط حياتهم مختلف، بل لأن بعضهم من المسيحيين، والبعض من القوميين أو اليساريين، بل حتى إسلاميين لا يقتنعون عمومًا بطرح حركة الإخوان المسلمين، وعليه فإنه مطلوب من حركة حماس أن توسع قاعدة تعاطيها مع هؤلاء، وهم كثيرون، في إطار النقاط المشتركة، وأن تثبت أنها حركة وطنية وليست أممية، وقد لاموا حماس لأنها لم تنخرط في القيادة الوطنية الموحدة في الانتفاضة الأولى، والتي كانت تضم أربعة فصائل (فتح والشعبية والديمقراطية وحزب الشعب) ولم يكن الجهاد الإسلامي أيضًا منضويًا تحت لواء القيادة الموحدة، وهذا أمر يطول النقاش حوله ويتشعب، ولكن عندما استجابت حماس ومعها الجهاد للناصحين والمنتقدين وغيرهم وأبدت رغبةً جديةً في الانضواء تحت لواء منظمة التحرير، وهو ما عبر عنه اتفاق القاهرة عام 2005م، بدأت تظهر مطالب تستهدف في جوهرها تحويل حماس إلى صدى لبرنامج الفصيل المنافس وهو حركة فتح، وقلت وقال غيري مرارًا وتكرارًا بأنه ليس مطلوبًا من فتح أن تتبنى برنامج حماس، وليس العكس مطلوبًا بطبيعة الحال، وإنما المطلوب هو البرنامج المشترك نحو انتزاع الحقوق والحفاظ على الثوابت، ومع الأسف بقيت أبواب المنظمة موصدة؛ وهذا يعود لأسباب عدة نعرف بعضها وقد يخفى علينا البعض الآخر؛ ومنها وجود ضغوط و"فيتوهات" إقليمية ودولية، ووجود شخصيات ترى بأن امتيازاتها المالية والإدارية ومواقعها الحالية ستسحب منها فيما لو أعيد بناء منظمة التحرير لتضم حركتي حماس والجهاد الإسلامي، وشعورًا عامًّا بأن المنظمة ستحاصر كما حوصرت السلطة فيما لو انخرطت بها حركة مثل حماس.. إلخ.

 

وحين طرحت حماس على لسان رئيس مكتبها السياسي مؤخرًا فكرة المرجعية الخاصة بالمقاومة، ثارت ثائرة السلطة والمنظمة، وشُغِّلت أسطوانة محور طهران- دمشق- الدوحة (وربما أنقرة!)، وها هي حماس تلام ويشهر بها على أمر لطالما طولبت به وكان يعطي القائلين به مساحات في المنابر الإعلامية، وكما قلت فإن هذه التصريحات قد حركت المياه الراكدة، ودفعت شخصيات قيادية مثل أحمد قريع ونبيل شعث وغيرهما للحديث عن ضرورة إعادة بناء المنظمة وإشراك الجميع في مؤسساتها، وهذا أمر جيد، وأتمنى ألا يكون مجرد ردة فعل احتوائية أو زوبعة في فنجان.

 

ومن حق حماس أن يكون لها ائتلاف، ولا أريد استخدام كلمة مرجعية لأنها تُثير حساسية البعض وغضبهم، يجمعها مع من تلتقي معهم، ولكن بما أن هذا الأمر، قد تفاعل وبات الجدل حوله مطروحًا بقوة في الشارع الفلسطيني في الوطن والمنافي، فلنستغل الفرصة لبناء منظمة التحرير بناء على انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني.

 

انتخابات.. كيف؟!

تضمن الانتخابات لجموع شعبنا في الوطن والشتات إحياء قضيتهم التي جرى ويجري التآمر عليها، وتضمن لهم ممثلين يختارونهم بأنفسهم يقررون برنامج عمل إستراتيجي ومرحلي للتحرك نحو تحرير الأرض وتقرير المصير، وتشعر كل فرد خاصة ممن هم في الشتات بأنه شريك في القرار، وتلقائيًّا تنهي الجمود والتكلس الذي أصاب المنظمة بإقرار الجميع.

 

المجلس الوطني الفلسطيني لا نعرف بالضبط كم عدد أعضائه ونقرأ عن 400-800 عضو، وهناك من نكتشف أنهم أعضاء في هذا المجلس عندما نقرأ نعيهم في الصحف، وهنا يجب تحديد عدد الأعضاء بعدد معقول، وتحديد مواصفاتهم وفق أسس ديمقراطية ومهنية ووطنية عبر طاقم أو لجنة متخصصة، هذا أولاً.

 

وثانيًا يجب الفصل التام بين منصب رئاسة السلطة وقيادة المنظمة بنص صريح، لمنع التداخل، كما يجب على المجلس الوطني المنتخب تحديد علاقته بالسلطة الفلسطينية بشكلٍ لا لبسَ فيه، ويجب دراسة فكرة حل السلطة بجدية أو أن تكون خيارًا مطروحًا على الطاولة؛ لأننا يجب ألا نبقي رقابنا تحت سيف قطع الرواتب، التي يهددون بقطعها، وقد فعلوا ذلك، إلا إذا تنازلنا عن حقوقنا وثوابتنا.

 

أما بخصوص أعضاء المجلس التشريعي المنتخبين، فهم أعضاء أيضًا في المجلس الوطني الفلسطيني، وهذا أمر يجب الحفاظ عليه، ولكن حصة الضفة والقطاع في المجلس الوطني الفلسطيني يجب ألا تقتصر على هؤلاء، وهنا يجب إجراء انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني في الضفة والقطاع، وأعلم بأن الاحتلال قد يحول دون ذلك لا سيما في مدينة القدس، ولا ننسى فلسطينيي 48؛ حيث سترفض سلطات الاحتلال بشكل مطلق إجراء الانتخابات عندهم، وبالنسبة للفلسطينيين في الأردن، فلهم وضع خاص وحساس، ويجب التفاهم مع الحكومة الأردنية حول هذه المسألة، ويمكن تجنب الحرج في هذه النقطة، بإيجاد "كوتات مؤقتة" للمناطق التي يتعذر إجراء الانتخابات فيها.

 

المهم ألا يكون هناك تراجع عن فكرة الانتخابات، بل إصرار عليها والبدء منذ اللحظة في التحضير لها، أما في سوريا ولبنان ودول الخليج ودول المغرب وأوروبا والأمريكيتين وبقية أماكن تواجد أبناء شعبنا فلن يكون هناك مشكلة في إجراء الانتخابات بمشيئة الله، أما عن نظام الانتخابات هل هو نسبي أم مختلط أم مباشر للمرشحين، فهذا أمر يمكن الاتفاق بسرعة عليه، المهم أن تجرى الانتخابات بأسرع وقت؛ لأن الاستحقاقات كثيرة والمخاطر كبيرة، وبعد الانتخابات يقرر من انتخبهم شعبنا المسيرة والتوجه، هذا هو الحل الوحيد للخروج من الأزمة الحالية، وإقفال الجدل الدائر، وهذا يضمن لنا الخروج بقرار يشارك فيه الجميع، وبناء مؤسسة تحترم نفسها وتجبر الآخرين على احترامها، وليتهمنا مَن يشاء بالإرهاب!.

 

وليس آخرًا..

وأخيرًا فإن هناك مَن يتهم حركة حماس بأنها تختزل تاريخ النضال بتاريخها، وحقيقةً لم أسمع من أي قائد في حماس، ولم أقرأ في أي من أدبياتها وإصدارتها ما يشير إلى ذلك، ولكن رأيت البعض يختزل، ولو بحسن نية، تاريخ نضال شعبنا بتاريخ المنظمة أو حركة فتح، وعلى الجميع أن يعتبر نفسه امتدادًا لتاريخ طويل من النضال ضد المشروع الصهيوني، وهو نضال وكفاح يجمع المؤرخون وما نقله لنا الآباء والأجداد، أنه بدأ فور بدء محاولات الاستيطان في فلسطين من قبل اليهود، قبل نحو 112 عامًا، حين تصدى المزارعون لهؤلاء اللصوص، واستمرت حلقات النضال والصراع، ولا أحد ينكر ما شابها من أخطاء وتخبطات، ولكنها وحتى الآن تحمل الفكر المضاد للطرح الصهيوني الاستيطاني، بأن هناك شعبًا حيًّا وهذه أرضه، وهو قاتل بكل ما استطاع امتلاكه لإقرار هذا الحق بالفأس والبندقية والحجر والصاروخ المصنع محليًّا.

 

وهي مسيرة سنوات كفاح طويلة ومريرة، جيل يسلم جيلاً، شهداء ومناضلون أفنوا أعمارهم وجهدهم في العمل للقضية، فمحمد جمجوم وفؤاد حجازي وعطا الزير وعز الدين القسام وفرحان السعدي والحاج أمين الحسيني وعبد القادر الحسيني وأحمد الشقيري ويحيى حمودة وأبو يوسف النجار والكمالين وسعد صايل وخليل الوزير وفتحي الشقاقي وأبو علي مصطفى وأحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي والجمالين وياسر عرفات، وليس انتهاءً بنزار ريان وسعيد صيام، وكثيرون نحن لا نعلمهم ولكن حسبهم أن الله يعلمهم.

 

فالمنظمة وحركات المقاومة وسيلة وليست غاية، ولطالما سمعنا عن أجدادنا كيف أنهم وبشكل عفوي حملوا الفؤوس لصد العدوان، وابتاع العديد منهم سلاحًا ناريًّا متواضعًا بعد بيع مصاغ زوجته أو ماشيته أو حقلاً من حقوله، ولا ينبغي لأحد أن يسعى لإلغاء الآخر، أو أن يحيله صورة باهتة عنه، فالذي يجب أن يلغى وينتهي ويصبح أثرًا بعد عين هو الاحتلال وعملاء الاحتلال!.

 

وفي كتاب "مكان تحت الشمس" لبنيامين نتنياهو الذي قد يتولى رئاسة وزراء الاحتلال بعد أيام، يتحدث عن فتاة صهيونية في فلسطين تعاونت مع الإنجليز، وعذبها الأتراك- حسب زعمه- الذين كانوا يحكمون فلسطين، وفي نفس الكتاب هو يهاجم المفتي الحاج أمين الحسيني ويتهم المنظمة بأنها امتداد له، بل تصل به الأحقاد إلى مهاجمة المسلمين جميعًا، ويتحدث عن الوجود الإسلامي في الأندلس بشكلٍ تحريضي، وينسى أن أبناء جلدته هناك كانوا منعمين، وفضلوا الخروج مع المسلمين لاحقًا.. ما دام هذا تفكيرهم، وهم يربطون ماضيًا مزيفًا بحاضر عنصري إجرامي، فلمَ أو عَلام الخلف بيننا، وهذا السعي من البعض خشية أن تصيبه دائرة؟!

----------

* قرية أم الشوف المدمرة قضاء مدينة حيفا المحتلة- حاليًّا: جنين- فلسطين المحتلةsari_sammour@yahoo.com
s_sammour@hotmail.com
sari_sammour@maktoob.com