- السبب الرئيسي من الاعتقال كان الحد من إغاثة غزة
- وضعنا خطة سفر الأطباء إلى غزة منذ عام 2006م
- فوجعتُ باتهامي بتدريب بؤرة إرهابية لم أرَها في حياتي
- لجنة الإغاثة مبعوثة مصر لكل دول العالم وموقف حكومتنا مخزٍ
- "إخوان أون لاين" تابع الحرب بشكلٍ متميز أكسبه قُرَّاءً كُثر
حوار- أحمد عبد الفتاح:
د. جمال عبد السلام واحدٌ من أبرز الشخصيات المصرية العاملة في مجال الإغاثة الإنسانية، شهرته تجاوزت شخصيات سياسية مصرية وعربية بارزة منهم وزراء بل وأمراء، يعمل في مجال الإغاثة بقناعةٍ كاملةٍ أنه يخدم مصر من خلال ربط المساعدات التي يقدمها باسم مصر، حتى ولو كانت من اتحاد الأطباء العرب الذي يتخذ من القاهرة مقرًّا له.
ومع زيادةِ الحصار على قطاع غزة والتمهيد للحرب الصهيونية على القطاع، كان للحكومة المصرية موقف مغاير لشعبها؛ حيث تم اعتقال د. جمال عبد السلام الذي كان يتولى ملف المساعدات التي يُقدمها اتحاد الأطباء العرب إلى أشقائنا في فلسطين من خلال لجنة الإغاثة والطوارئ التي يتولى عبد السلام رئاستها، ولم تكد تمضي ساعات قليلة على الإفراج عنه إلا وكان حاضرًا في مكتبه باتحاد الأطباء العرب يُباشر عمله، ويُنظم العملَ في خليةِ نحل لم يهدأ العمل فيها منذ بداية الحرب على غزة ولو لثانية واحدة، فمن اجتماعات متابعة العمل الإغاثي في غزة إلى حفل استقبال أقامه له العاملون في اتحاد الأطباء العرب تهنئةً بعودته سالمًا بعد رحلة اعتقال دامت نحو الشهر ونصف الشهر واتصالات هاتفية لا تنقطع من بلدان عربية وإسلامية عدة تُهنئه على العودة سالمًا، وتستفسر منه عن خططه القادمة في العمل الإغاثي.
(إخوان أون لاين) حاور الدكتور جمال عبد السلام للوقوف على أسباب اعتقاله وخططه في الفترة القادمة، وكيف يمكن دعم الأشقاء الفلسطينيين في غزة.
* بدايةً ما ملابسات اعتقال د. جمال عبد السلام؟
** فوجئتُ يوم 16 ديسمبر الماضي قبل الفجر بضابطٍ من أمن الدولة ومعه مجموعةٌ من المخبرين والقوات الخاصة جاءوا لاعتقالي وتفتيش منزلي، ورفضوا إطلاعي على إذن النيابة بالتفتيش والقبض، وكان التفتيش خارج عن حدود اللياقة والأدب والأخلاق العامة، وسبَّب لي هذا الأمر مشكلةً نفسيةً كبيرة، فحتى في مثل هذه الحالات هناك قواعد معروفة يمشي الجميع عليها، وخاصةً في موضوع التفتيش والقبض، ولكني وجدتُ ولأول مرة أنهم ضربوا بعرض الحائط كل هذه الأعراف والقوانين وحتى الآداب العامة، وكان التفتيش غير لائق ومتجاوز، وتم اقتيادي بعدها لتفتيش سياراتي في "الجراج" ثم ذهبنا إلى عيادتي الخاصة، وانتهى الأمر إلى اصطحابي إلى قسم مدينة نصر حتى يتم عرضي على نيابة أمن الدولة ظهر الثلاثاء 16 ديسمبر.
* وما التهم التي وجهتها لكم النيابة؟
** وجهت لي النيابة عدةَ تهم منها قيادة جماعة محظورة أحد أساليبها الإرهاب وتكدير الأمن العام في البلد والنيل من الوحدة الوطنية، أما التهمة الأخيرة والعجيبة فهي تشكيل بؤرة إرهابية تابعة لحركة حماس الفلسطينية الغرض منها تدريب الشباب على الأعمال العسكرية لإثارةِ القلاقل داخل مصر.
* فيما يتعلق بدوركم الإغاثي ألم يأتِ ذكره في التحقيقات؟
** بالطبع تطرق الحديث في النيابة عن نشاطي الإغاثي والخدمات الإغاثية التي قدمتها، والحقيقة وأنني أعمل في مجال الإغاثة منذ وقتٍ طويلٍ، وتحديدًا منذ 10 نوفمبر سنة 1985م، أي أنني اقتربتُ من ربع قرن في العمل الإغاثي، والحقيقة أنه تمت مناقشتي في الأعمال الإغاثية الخاصة بفلسطين أكثر من أي شيء.
الإغاثة والإرهاب
القافلة الأولى لكسر الحصار قبل انطلاقها أمام نقابة الأطباء في العاشر من رمضان

* هل تعتقد أن نشاطك الإغاثي كان أحد أسباب اعتقالك؟
** أعتقد أن السبب الرئيسي في اعتقالي هو توجيه ضربة للعمل الإغاثي وخاصة أنهم كانوا يشعرون ان هناك تعاطف كبير جدا في الشارع المصري مع مبني دار الحكمة وبصفة خاصة مع لجنتي الإغاثة والطوارئ والإغاثة الإنسانية الموجودتان به.
* هل معني ذلك أن اعتقالك كان الهدف منه الحد من العمل الإغاثي الخاص بغزة؟
** حتى وإن كان هذا هو الغرض من الاعتقال إلا أنه لم يتم بحمد الله تعالي بالشكل المرجو منه، وبلا شك فإن العمل الإغاثي بالنسبة لغزة تم في صورة رائعة جدًّا، لكني اعتقد أن الجهد بالنسبة لغزة يحتاج لتكاتف جميع الجهود خاصةً إن كان هذا الجهد الذي سيضاف للعمل في اللجنة جهد شخص زار غزة مرتين ويعلم كل صغيرة وكبيرة عن مستشفيات قطاع غزة مثل النواقص والترتيبات والأشياء التي يحتاجونها، بالإضافةِ إلى اتصالي شبه اليومي بالدكتور باسم نعيم وزير الصحة الفلسطيني ومدير مكتبنا في غزة الدكتور منير البورش، خاصةً أننا الهيئة العربية الوحيدة التي لها مكتب في غزة ومدير إدارة الطوارئ في وزارة الصحة الدكتور مدحت عباس، فكل هذه الاتصالات كانت تُطلعني أولاً بأول على الأحوال الصحية في فلسطين بصفةٍ عامة، وغزة بصفة خاصة، وأعتقد أنني لو كنتُ موجودًا فإن جهدي كان سيُضيف بعض الشيء إلى جهد إخواني الذين قاموا بهذه الأعمال العظيمة في الفترة التي كنتُ معتقلاً فيها.
* فيما يتعلق باتهامك بزعامة يؤرة إرهابية تابعة لحركة حماس، كان هناك كلام عن اتهامك بتدريب شابين هما محمد عادل (19 عامًا) وعبد العزيز مجاهد (26 عامًا).. كيف كان ردك؟ وهل قابلت هذين الشابين وتحدثت معهما في السجن؟
** أنا لم أقابلهما أبدًا، وقد تعمدت الأجهزة الأمنية وضعنا نحن الثلاثة في ثلاثة سجون متفرقة فتم وضعي في المحكوم، ووضع محمد عادل في الزراعة، ووضع عبد العزيز مجاهد في وادي النطرون حتى لا نلتقي أو نتحدث، ولكني عرفتُ من المحامين أن الشابين في جميع التحقيقات نفوا أية معرفةٍ بيننا، وهذه هي الحقيقة فأنا لم أعرفهما ولم يسبق لي الاتصال بهما، ولم أرَهما في حياتي كلها، وأنا قلتُ لوكيل النيابة عند التحقيق معي "أنت معك هاتفي المحمول فابحث فيه عن رقم الشابين أو عن أي اتصالٍ جري بيني وبينهما، فلن تجد أي شيءٍ من هذا القبيل"، مع تقديري الشديد لهذين الشابين الذي اسأل الله أن يُفرِّج عنهما كربهما.
أما بالنسبة لواقع هذه التهمة عليَّ فأنا فوجئتُ بها وأصابتني بحالةٍ من الشدِّ العصبي؛ لأنها غريبة جدًّا، خاصةً أن الأجهزة الأمنية تعرف أنني أحد الناس الذين يحملون اسم مصر في العالم كله، فبصفتي مدير للجنة الإغاثة والطوارئ سافرتُ دولاً عديدة لأُقدم الإغاثة والمعونة للمنكوبين، ولا أحمل سوى لافتة واحدة هي "هدية من الشعب المصري إلى الشعب الصومالي أو السوداني أو حتى الإيراني الشقيق أو أي شعبٍ آخر.."، فكيف لي أن يتم اتهامي بمثل هذه التهمة النكراء وأنا أقوم بمثل هذه الأعمال الإنسانية باسم الشعب المصري كله؟!، فنحن نحب بلادنا وأهلونا علمونا أن حبَّ الأوطان من الإيمان، وجميع التبرعات التي نعمل بها هي تبرعات مصرية ومن المصرين الفقراء البسطاء، فكيف لهم أن يتهمونا في نهايةِ المطاف بمثل هذه التهم العجيبة؟!!.
خطة 2006م
مسعف فلسطيني يستصرخ الأطباء لنجدة طفل جريح بغزة

* داخل اتحاد الأطباء العرب قالوا إن خطةَ سفر الأطباء العرب والمصريين إلى القطاع للمساعدة على علاج الجرحى الفلسطينيين في قطاع غزة وضعها د. جمال عبد السلام عام 2006م إلا أنها لم تُنفذ إلا في عام 2009م وأنت معتقل.. فما تفاصيل هذه الخطة؟
** الحقيقة أن هذه الخطة تعود إلى ديسمبر من العام 2006م عندما اجتاحت القوات الصهيونية بيت حانون وأُصيب وقتها ابن القيادي الشهيد نزار ريان برصاصةٍ في عينه وتمت مخاطبتي من قِبل وزارة الصحة الفلسطينية لتسفير الشاب إلى مصر لتلقي العلاج ففكرتُ وقتها في أن نُرسل مجموعةً من الأطباء المصريين في بعضِ التخصصات التي يحتاجها القطاع بصفةٍ عاجلة، وفي نفس الوقت يقدموا خبرةً تدريبيةً لأشقائهم الفلسطينيين، وبالفعل خاطبنا وزارة الخارجية المصرية وتمت الموافقة المبدئية وأخبرونا بموافقة السلطات الصهيونية لأننا وقتها كنا سندخل من معبر كرم أبو سالم الخاضع للسيادة الصهيونية، وبالفعل جهزنا وفدًا على أرفع مستوى واستعد الوفد للسفر إلا أن السلطات المصرية رفضت السفر في آخر لحظة، ولكن كانت سعادتي غامرة عندما عرفتُ أن هذا الوفد هو نفسه الوفد الأول الذي عبر الحدود المصرية الفلسطينية إلى غزة أثناء الحرب الأخيرة، وكان على رأسهم الأستاذ الدكتور أحمد عبد العزيز أحد كبار جراحي العظام في مصر والدكتور مدحت عاصم أستاذ ورئيس قسم الجراحة بطب القاهرة والدكتور محمد عثمان ود. ناصر فاضل والمتخصصان في التخدير، والدكتور مصطفى زين العابدين ود. مصطفى قطب أخصائي المخ والأعصاب، والدكتور عمر عبد الباقي جراحة الأوعية الدموية.
وكنتُ قد اخترت هذا الوفد بناءً على معرفتي السابقة بعدم وجود استشاريين في بعض التخصصات مثل جراحة المخ والأعصاب والأوعية الدموية وجراحة الأطفال والتخدير وجراحات الرقبة والصدر، فمن خلال زيارتي المتكررة كنتُ أعرف أن الأطباء الفلسطينيين لديهم خبرة متميزة جدًّا في أعمال الحوادث والطوارئ والاستقبال، ولكن ينقصهم بعض التخصصات التي أسلفتُ ذكرها.
* بالعودة إلى أيام الاعتقال كيف كنت تتابع الأحداث التي تجري على الأرض في غزة؟ وهل كنت تتابع أعمال اللجنة من داخل محبسك؟
** الحمد لله، فاللجنة ليست قائمةً على فردٍ، بل هي عمل مؤسسي متكامل وبها مجموعة من الكفاءات المتميزة على رأسهم الدكتور إبراهيم الزعفراني الأمين العالم للجنة، فالعمل لدينا في اللجنة لم يتوقف على فردٍ واحد، وأؤكد أن جهدي المتواضع كان سيضاف إلى جهد إخواني في اللجنة التي كنت أتابع أخبارها عن طريق زيارات الأهل وممثلو النقابة.
أما على صعيد متابعة الأحداث في غزة فكنا حريصين في السجن على سماع نشرات الأخبار، وخاصةً عبر الإذاعات الدولية مثل (بي بي سي) و(مونت كارلو)، بالإضافةِ إلى متابعة الصحف التي كانت تصلنا في السجن.
مخدرات بالإكراه
* بالرغم من صعوبة أيام السجن فإنه لا يخلو من بعض المواقف الطريفة.. فهل تحكي لنا إحدها؟
** أطرف ما في السجن أنني كنتُ مسجونًا في سجن المحكوم، وهو سجن مخصص لحبس الجنائيين أثناء التحقيق معهم، وكان كل مَن في السجن متهمون إما بالقتل أو السرقة أو الدعارة أو الاتجار أو تعاطي المخدرات، وكان مجموع هؤلاء يتجاوز أربعة آلاف شخص، ولم يكن في السجن من المعتقلين السياسيين سوى 10 أفراد، وأعتقد أننا استنشقنا كمياتٍ من المخدرات التي كان يُدخنها السجناء تكفينا لأعوام قادمة، ولكنَّ الله قدَّرنا واستطعنا التعامل معهم والتواصل معهم، وكان عددٌ كبيرٌ منهم يجيئون إلينا ويحكون لنا مشاكلهم الشخصية وبعضهم التزم معنا بالصلاة والدعاء والعبادة.
كما كان هناك موقف آخر طريف حدث لنا في السجن؛ حيث دعونا الله خلال تهجدنا أحد الأيام بدعاء "اللهم زدنا ولا تنقصنا"، وفوجئنا في الصباح بقدوم مجموعة كبيرة من إحدى المحافظات قد اعتُقلت على خلفية مظاهرات غزة، فمزح أحد الإخوة قائلاً: "لا ندعو بهذا الدعاء مرةً أخرى؛ لأن ما حدث كان استجابةً من الله للدعاء".
* ما تقييمك للتغطية الإعلامية خلال حرب غزة؟
** بالتأكيد حرب غزة فضحت ما يُعرَف بالطابور الخامس الذي وقف في خندق الاحتلال ضد المقاومة، كما كانت هناك تغطيات محترمة نقلت الحدث بشكلٍ مميز، ومنها (إخوان أون لاين) فهو فعلاً موقع متميز جدًّا يعاصر ويعايش مشاكل مصر الحقيقية، وكان تناوله لمختلف القضايا تناولاً رائعًا ومهنيًّا أدَّى إلى اكتساب قاعدة كبيرة من القُرَّاء والمهتمين.