لا شك أن محرقة غزة قد ألهبت مشاعر المجتمع الدولي؛ حيث تقدمت عشرات المنظمات الدولية بشكاوى إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، لكي يبدأ تحقيقًا يدفعه إلى الاعتقاد بأن "إسرائيل" قد ارتكبت في غزة كل أنواع الجرائم التي تختص بنظرها المحكمة الجنائية الدولية طبقًا للمادة الخامسة من نظامها الأساسي.

 

وكان لويس أوكامبو المدعي العام للمحكمة قد رسم لنفسه صورةً سلبيةً للغاية في الإعلام العربي، على أنه ينفذ مخططًا سياسيًّا ضد الرئيس البشير، كما أنه عزف عن كل الشكاوى التي وصلت إلى المئات للتحقيق في الجرائم الأمريكية في العراق، وكان رده دائمًا لا يستند إلى نظام المحكمة؛ حيث تذرع بأن "إسرائيل" وأمريكا ليسا طرفين في نظام المحكمة، رغم أن السودان أيضًا ليس طرفًا في نظام المحكمة، ولكن أوكامبو ركَّز على أن تحريك الدعوى ضد أمريكا في العراق وضد "إسرائيل" في غزة يتطلَّب قرارًا من مجلس الأمن، كما حدث عندما أحال المجلس الحالة في دارفور بقرار رقم 1593 في 31 مارس 2005م.

 

وقد تلقَّى أوكامبو طلب السلطة الوطنية الفلسطينية المؤرخ في 23 يناير 2009 بشأن قولها اختصاص المحكمة بالنظر في الجرائم التي ارتكبت على الأراضي الفلسطينية كلها، منذ الأول من يوليو عام 2002م؛ أي منذ بداية عمل المحكمة وسريان نظامها الأساسي.

 

وعلَّق أوكامبو على طلب السلطة بأنه يدرس ما إذا كان للسلطة وضع الدولة وفق القانون الدولي، ثم أكد أوكامبو أنه ليس للمحكمة اختصاص على الجرائم محل الدعوى، ولكنه أشار يوم 2/2/2009م، إلى أن المحكمة رغم كل ذلك تجري بحثًا أوليًّا للموقف.

 

على الجانب الآخر شعرت "إسرائيل" بخطورة موقفها أمام القضاء الأجنبي بسبب محرقة غزة، فعيَّن أولمرت يوم 29 يناير 2009م دانيال فريدمن وزير العدل رئيسًا للجنة الوزارية لمواجهة القضايا ضد "إسرائيل"، فأكد وزير الدفاع باراك عزم الحكومة على الدفاع عن المشاركين في عملية الرصاص المصبوب؛ لأنهم ينفِّذون تعليمات الحكومة "الإسرائيلية".

 

وقد لوحظ أن أوكامبو قد أكد أيضًا رغم تصريحاته السابقة أن المحكمة لا تتمتع بالاختصاص في التحقيق في جرائم الحرب "الإسرائيلية"؛ أي الجرائم التي ارتُكبت خلال ما عُرف بالحرب "الإسرائيلية" على غزة، ويلاحظ أن موقف أوكامبو أنه قد انحاز لـ"إسرائيل" وتنكَّر لنظام المحكمة، وتذرَّع بأن "إسرائيل" ليست طرفًا في نظام روما، كما تذرَّع بأن السلطة الفلسطينية ليست دولةً حتى يمكن أن تحرك الدعوى في المحكمة، رغم أنه أكد أيضًا أن المحكمة تجري بحثًا أوليًّا حول هذا الموضوع.

 

والحق أن الجرائم المنسوبة للإسرائيليين هي نفسها الجرائم التي تقع موضوعيًّا في اختصاص المحكمة، أما اختصاص المحكمة على المتهمين "الإسرائيليين" فإنه ينعقد بالطرق الثلاث أو بأحدها مما نصت عليه المادة 13 من نظام روما، وهي مجلس الأمن أو إحدى الدول الأطراف في النظام، أو المدعي العام، ويجب أن نفرق بين التحقيقات التي يجريها المدعي العام بناءً على طلب دولة طرف في النظام أو بناءً على تحريك مجلس الأمن للدعوى، وبين التحقيقات التي يجريها بناءً على شكاوى، ويعتبر المدعي العام في هذه الحالة جهة أصلية لتحريك الدعوى proprio motu، وقد وصلته شكاوى عديدة ولكنه نكص على أداء مهمته ولذا يجب تقديم شكوى في حقه إلى رئيس المحكمة.

 

أما تحريك الدعوى من جانب السلطة الفلسطينية وهي سابقة فريدة من حيث إن الدول وليس هذا النوع من الشخصيات القانونية غير الدولة هي المختصة بتحريك الدعوى، إلا أن السلطة يجب أن تتمتع بهذا الحق لسبب بسيط؛ هو أن نظام روما قد منح هذا الحق للدولة التي تقع الجريمة على أرضها.

 

ولما كانت غزة والأراضي الفلسطينية أراضي محتلةً فلا يسوَّغ القول بأن الطرف المحتل المعتدي هو صاحب الحق في تحريك الدعوى أمام المحكمة ضد نفسه، وهذا الاحتلال الطويل للأراضي الفلسطينية دون تصور نهاية له أو نهاية لجرائمه يجعل هذه الأراضي في رعاية المجتمع الدولي، ومن ثم يصبح طلب السلطة الفلسطينية محلَّ اعتبار، ولا يجوز التنصل من المهمة بحجة أن السلطة ليست دولةً، وليس مطلوبًا من السلطة أن تكون دولةً؛ لأن لها طابعًا إداريًّا في الداخل ولكنها تعبر عن الشعب الفلسطيني، وهي وكيل الدم عن الشعب الفلسطيني، وتملك بهذه المثابة الأهليةَ القانونيةَ لملاحقة المجرمين "الإسرائيليين"، وهي بذلك تتمتَّع بأساس قانوني تفتقر إليه "إسرائيل" عندما تتعقب الضالعين في محرقة اليهود في ألمانيا.