- الوزير: تمويل البحث العلمي أكبر من قدرتنا الاستيعابية وأبحاثنا تفتقر إلى "الجودة"!!
- د. ماجد عثمان: المراكز لعبت دورًا مهمًّا في صياغة سيناريوهات المستقبل
- د. حمدي عبد العظيم: التقليل من قيمة أبحاثنا يعرِّض مصالحنا الاقتصادية للخطر
- د. السيد عليوة: مراكزنا تتطلب بناء قدرات خاصة بداخلها وتصفيتها شيء محال
تحقيق- صالح الدمرداش:
لم يكن هجوم الدكتور هاني هلال وزير التعليم العالي والدولة للبحث العلمي على المراكز البحثية المختلفة في مصر خلال المؤتمر الأخير بأكاديمية البحث العلمي إلا بدايةً للإعلان عن خطة حكومية لتصفية تلك المراكز والقضاء على الرمق الأخير لها، وفتح الباب على مصراعيه أمام المراكز البحثية الأجنبية؛ بحجة عدم قدرة الحكومة على توفير المبالغ المالية اللازمة لتشغيل المراكز البحثية التابعة لها.
وقال الوزير في هجومه: إن الأبحاث التي يتقدم بها الباحثون تفتقر إلى معياري الجودة والتنافسية، قائلاً: "النهارده في مصر عندنا تمويل أكثر من قدرتنا الاستيعابية على استخدامه"، رافضًا منح أي باحث مبالغ مالية إلا في حال توافر هذين المعيارين.
وهو ما أثار ردود أفعال غاضبة في أوساط الباحثين المصريين؛ الذين اعتبروا أن ذلك الهجوم إهانة كبرى للحكومة المصرية قبل الباحثين، وقالوا باستخفاف: "يا ريت حد ياخد الأستاذ هلال من إيده ويبعته على أي دولة غربية يشوف أد إيه أهم حاجة عند الناس دي البحث العلمي وإن أهم حاجة في بناء وتنظيم الدولة".
(إخوان أون لاين) يفتح في سطور التحقيق التالي ملف البحث العلمي في مصر وخطة الحكومة في تصفيته والقضاء عليه، مقابل الاستعانة بالمراكز البحثية الأجنبية:
من ناحيته نفى الدكتور هاني هلال وزير الدولة للتعليم العالي والبحث العلمي ما تردَّد مؤخرًا عن إلغاء المراكز البحثية أو تصفيتها، مؤكدًا أنه سوف يتم إنشاء مراكز تميُّز علمي داخل الجامعات والمراكز البحثية القائمة.
![]() |
|
د. هاني هلال |
وأوضح هلال أن الوزارة رصدت دعمًا ماليًّا لخطتها الطموحة في إنشاء تلك المراكز، من خلال مصادر إضافية تمويلية يمنحها صندوق العلوم والتنمية؛ طبقًا للأولويات التي يقرها المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا، وأن مراكز التميُّز العلمي تهدف إلى دعم قدرات المراكز البحثية وجعلها قادرةً على الدخول في المنافسة عالميًّا؛ حيث إن المراكز البحثية العالمية شهدت طفرةً كبيرةً؛ لذا فإن مراكز البحوث المصرية مضطرة لتطوير أساليب الأداء لتكون مراكزَ للتميز البحثي والعلمي من أجل كفالة تمويل البحث العلمي ودعم القدرات العلمية والابتكارية التي تتبع كل الوزارات في مجال العلوم والتكنولوجيا؛ بما ينعكس إيجابيًّا على تطوير منظومة البحث العلمي في مصر.
جاسوسية
وحول رأيه فيما أعلنته وزارة التعليم العالي والبحث العلمي مؤخرًا عن فتح الباب أمام مراكز الأبحاث الأجنبية لبحث مشكلات الصناعة الوطنية وتطويرها؛ يقول الدكتور حمدي عبد العظيم الخبير الاقتصادي ورئيس أكاديمية السادات للعلوم الإدارية السابق: إن في مصر مراكز بحثية على درجة عالية من الكفاءة في مجالات تحديث الصناعة؛ اكتسبت خبرةً كبيرةً طوال فترة التعاون مع الاتحاد الأوروبي في برنامجي ميدا "1" و"2" برأسمال مشترك يدفع الجانب الأوروبي فيه 250 مليون يورو والجانب المصري 450 مليون جنيه بهدف تحديث الصناعة المصرية.
وأكد أن فتح الباب أمام المراكز البحثية الأجنبية يُتيح للأجانب الاطِّلاع على بيانات تفصيلية عن الاقتصاد المصري وأسرار قوته وضعفه وقطاع الصناعة بصفة خاصة، قائلاً: "نحن الآن في عصر الجاسوسية الاقتصادية التي فرضتها المنافسة الشرسة بين جميع الدول في مجال التصنيع والتصدير".
![]() |
|
د. حمدي عبد العظيم |
ويقول د.عبد العظيم: للأسف لا توجد ضمانات تمنع تسرُّب هذه المعلومات التي تتوافر للمراكز البحثية الأجنبية عن الصناعة المصرية إلى دول أو شركات معادية أو حتى منافسة، ولذلك يجب الاعتماد على المصريين في عملية التطوير، ولا مانع من الاستعانة بخبير أجنبي واحد على الأكثر أثناء عملية الدراسة أو البحث بحيث يكون تحت الرقابة.
وأشار إلى إهمال وتراخي وعدم فاعلية الإجراءات الإدارية لتشجيع مراكز الأبحاث المصرية بعكس المراكز الأجنبية التي تفتح أمامها الأبواب دون قيود أو تحفُّظات، بالإضافة إلى أزمة البحث العلمي في مصر بنقص الاعتمادات المالية اللازمة لشراء المواد والمعامل والأجهزة الخاصة بالبحوث والتعقيدات الإدارية، وتعطيل الإجراءات البحثية، وعدم وجود حوافز مجزية للباحثين تشجِّع على البحث والابتكار.
قدرات خاصة
ويرى الدكتور السيد عليوة أستاذ العلوم السياسية بجامعة حلوان أن المراكز البحثية اليوم تتطلب بناء قدرات خاصة بداخلها، وتصفيتها شيء محال؛ لأنها تخدم جميع شرائح المجتمع؛ فمثلاً دولة كأمريكا يوجد بها 70 ألف مركز بحثي متنوِّع بين معاهد سياسية واقتصادية لنشر الوعي في مختلف المجالات وتقديم المشاورات العسكرية؛ لذا فإن المراكز البحثية تعدُّ من أهم الدعائم الخاصة بالسياسات الدولية، فهي تحدِّد أهداف المستقبل وتوضِّح آلية التنسيق بين الجهات في إدارة الأزمات، وتقوم تلك المراكز بتحليل السياسات العامة لمعرفة ما لها وما عليها، مؤكدًا أن تطويرها مطلب قومي.
ويؤكد الدكتور ماجد عثمان رئيس مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء أن الخبرة داخل مراكز البحوث تلعب دورًا فعَّالاً، ولا شك أن الساسة ومتخذي القرار يحصلون على الخبرة البحثية، أما إذا كانت هناك فجوة بينهم فستؤدي إلى عملية غير فعالة داخل تلك المراكز؛ لذا لا بد من صدور قرارات مبنية على أسس علمية سليمة؛ بل إن تعقيد المشكلات السياسية يحدُّ من القرار.
![]() |
|
د. ماجد عثمان |
ويضيف عثمان: "نحن بحاجة إلى دور أكبر وأكثر فاعليةً لمراكز البحوث في التصدي للمشكلات التي تهدد العالم ولا يقتصر ذلك فقط على النزاعات العسكرية، ولكن أيضًا التصدي لتحديات الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وقد لعبت مراكز الأبحاث دورًا مهمًّا في رسم السياسات وصياغة سيناريوهات المستقبل".
وأوضح أن غياب أو ندرة مراكز الأبحاث في الدول النامية أدى إلى عدم المشاركة في صياغة مستقبلها، قائلاً: "نحن على يقين بأن الاستفادة من مراكز الأبحاث لا تقتصر على صنَّاع القرار فقط، وإنما يجب أن تمتد لتشمل المواطنين، وأن لدينا أول مركز لاستطلاع الرأي في المنطقة باستخدام الهواتف، ويُسهم هذا المركز في قياس نبض المواطنين تجاه السياسات العامة وتوفير تغذية راجعة للمؤسسات الحكومية تفيد في إعادة صياغة البرامج وإعادة ترتيب الأولويات".
أمر صعب
ويقول الدكتور نادر رياض رئيس لجنة البحوث والتطوير باتحاد الصناعات المصرية: إن قضية مراكز البحوث بشأن تصفيتها أمرٌ صعبٌ جدًّا؛ لأنها تمثل شريانًا حيويًّا لقلب كثير من الصناعات التي تعتمد على البحث العلمي بشكل مباشر، ولكنَّ هناك سؤالاً كثيرًا ما نتلقاه في المحافل الدولية؛ هو: ما ميزانية البحوث والتطوير بالمؤسسات المصرية؟!
موضحًا أن ميزانية البحوث والتطوير هي في الواقع أداة الإتيان بالتغيير داخل المؤسسات في مصر، ولا شك أن توافر رصيد جيد من الأفكار المستحدثة والابتكارات الحديثة القابلة للتنفيذ داخل المؤسسات يعمل على مواجهة جميع التحديات التي تواجهها؛ فالجودة والتطوير هدف لا يأتي من فراغ؛ بل ببحوث قوية وفاعلة؛ لأن التطوير ضرورة للهروب من الفشل داخل المؤسسات، ونحن في مصر لا نحتاج لاختراع العجلة، ولكننا يجب أن نطبق استخداماتها.
وأضاف رياض أن الفكر البحثي في مصر يحتاج إلى تطبيق الهندسة العكسية التي أصبحت ضرورةً ملحَّة لعملية التطوير داخل مراكز البحوث في مصر، وهو ما تبنَّته اليابان في بداية نهضتها بتطبيقها لمبدأ الهندسة العكسية وتبعتها كوريا، وهو تقليد المنتجات ذات التفوق الفني كحل منخفض التكاليف، إلا أن الصين لم تتوقف حتى يومنا هذا عن استخدام الأبحاث الهندسية العكسية في التطوير بمراكز البحوث.
ويؤكد أنه بات من الضروري تقوية الروابط ومد الجسور بين مؤسسات ومراكز البحث العلمي في مصر والتطوير والعمل علي الارتقاء بفنيات وأدوات الصناعة لرفع قدراتها التنافسية، وأن مراكز التميز العلمي مطلوبة لتحقيق أكبر تطوير ممكن.
وتقول الدكتورة هناء خير الدين رئيس مركز الدراسات الاقتصادية: نحن نصرف على أبحاثنا عن طريق مجموعة الأعضاء في جميع المجالات، وذلك منذ عام 1992م ونعتمد أيضًا على المِنَح التمويلية من الوكالة الدولية للتنمية بنسبة 75% و25% من باقي الأعضاء؛ لذا فلا نلجأ إلى الحكومة ولم أسمع بتصفية المراكز البحثية أو إلغائها، فنحن ننشر أفكارًا تنمويةً وفقًا للسوق العالمية، ولدينا اتصالات مكثَّفة مع خبرات الدول الأجنبية كالمعهد الدولي للاقتصاد وصندوق النقد الدولي، ولكن الناس عامة لا يشعرون بثمار نموِّ المراكز البحثية؛ لأن توزيع ثروات النمو لا توزع بشكل متساوٍ؛ لذا فإننا من خلال المركز البحثي نحاول أن نزيد من قدرات الفقراء بدلاً من العمالة بالأجر الضعيف، حيث إن مساعدة الفقراء من أهم أهداف الأنشطة التي يعمل بها المركز البحثي.


