الصورة غير متاحة

 د. أماني أبو الفضل

العيد هو مناسبة انتظار "العيال" للهدايا (ولفظة عيال مشتقة من فعل يعول كقوله عليه الصلاة والسلام "الخلق عيال الله"؛ أي مسئوليته في الرزق و أمور المعيشة..)، وبما أن النساء هن عيال الحكومة فإنهن ينتظرن هدايا عيدهن اليوم 8 مارس.

 

وأجمل الهدايا وأنفع العطايا هي ما يؤخذ فيه رأي المُهدَى إليه، أما ما يأتي به المُهدِي على ذوقه وتصوره الخاص فإن بلواه تكون ليس فقط في افتقاد المُهدَى إليه للمنفعة ولا لأنه قد حُمِّل الجميل وتحمَّل المن بلا طائل, ولكن أيضًا لأن عليه أن يجد لهذه الهدية مكانًا يضعها فيه دون فتحها ليتحسَّر عليها كلما اصطدمت بها عيناه! والأنكى من هذا وذاك هو عندما يتكرر العيد كل عام وتتكرر معه نفس الهدية لتتكدس مع ما سبق.

 

ففي كل عيد للمرأة تظهر نفس "الهوانم" على الشاشات في أبهى صورهن وقد ضربن شعورهن بكل ألوان الأصباغ وارتدين كل ما أفرزته بيوت الأزياء العالمية ليتحدثن بابتسامات- تخرج من فرط وسعها خارج كادر شاشة تلفزيون 60 بوصة- عن عطايا وهبات الدولة للمرأة المصرية، وكيف أنهن أدخلن نسبة كذا امرأة في مراكز اتخاذ القرار, وأن حصصهن النسبية في قطاع كذا وكذا قد ارتفعت بنسبة كذا، وأن جميع المناصب الحكومية أصبحت في متناول أيدي النساء إلا منصب المحافظ، ثم لا يلبثن أن يطمئن المشاهدات بأنهن "وراه لحد ما ناخده"، ثم يبدأن في سرد الهدايا التشريعية في مجال القوانين الأسرية، وهكذا.

 

ولم تحاول الهوانم في أي عام أن يستطلعن آراء المهدَى إليهن في الهدايا، وهل استفدن منها أم لا، وكيف غيرت من حياتهن، مستخدماتٍ في هذا مناهج قياس الرأي العام التي أصبحت في متناول يدِ أي صاحب قرار جادٍّ في قياس الرأي العام، وليس مستفيدًا من التعمية عليه، حتى يتسنَّى له الاستمرار في إلقاء نفس الهدايا "العجيبة" في وجوه الناس.

 

لا أدري من أين أتت الهوانم بهذا الضمير المرتاح واليقين الذي لا أساس له من أن نساء مصر ينتظرن هداياهن بلهفة ويقبلن عليها وأنها قد وضعتهن رأسا برأس مع نساء العالم المتحضر.

 

إن أبسط استطلاع للرأي سينبئ عن أن قانونًا لتنظيم العمل في القطاع غير الرسمي الذي تضطر ملايين من نساء مصر للجوء إليه كبديل للجوع أو اللقمة الحرام قد يكون هدية أنفع من هدية تعيين "محافظة" واحدة أو اثنتين أو عشرة.

 

إن هذا القطاع غير الرسمي- من خادمات وعاملات مصانع أهلية ومحلات تجارية- هو الرق بمفهومه التاريخي بمعنى الكلمة، فلا حد أقصى لعدد ساعات العمل ولا حد أدنى للمرتبات ولا تأمينات ولا معاشات.

 

أما إذا ما اطلعت الهوانم على تقرير الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2008م والذي يحمل عنوان "العقد الاجتماعي في مصر.. دور المجتمع المدني" فسيجدن أن هناك ألف قرية مصرية يعيش بها 5 ملايين مواطن تحت "خط الفقر"؛ أي ما يعادل نحو 37% من إجمالي عدد فقراء مصر البالغ مجموعهم 13.6 مليون شخص.

 

أما المؤتمر السنوي العاشر للمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في مصر؛ الذي انعقد في يونيو الماضي فقد كشف عن أن حوالي 19,7% من السكان (أي خُمس الشعب) يعيشون تحت خط الفقر (أي أقل من دولار في اليوم)، وأن 6 ملايين مواطن لا تصلهم المياه النقية، و4.4 ملايين يعيشون دون صرف صحي، وأن حجم الأمية يصل إلى 21 مليون شخص (أي حوالي 28,6% من جملة السكان).

 

فأي الهدايا أولى في نظر الهوانم؛ أن تشرب ملايين النساء وأسرهن من الصنبور وتقضي حاجتها في مرحاض آدمي أم أن تتبوَّأ واحدة أو اثنتان منصب قاضي القضاة ورئيس بلدية؟!

 

هل أُخِذ رأي عوانس ومطلقات مصر في الهدايا التشريعية الخاصة بقوانين الأسرة التي تستحدثها الهوانم في كل وقت وآخر من بنات عقولهن (أعلن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء عن ارتفاع نسبة العنوسة في مصر؛ حيث وصلت إلى 9 ملايين شاب وفتاة، تجاوزوا سن الخامسة والثلاثين من دون زواج، في حين بلغت عدد وثائق الطلاق التي صدرت في العام الماضي فقط 75 ألف وثيقة طلاق) هذا غير مئات الآلآف من حالات الزواج العرفي.

 

إن كل هذه الإحصاءات المخيفة هي نتيجة حتمية لهذه البنود المبالغ في تعسفها إلى حدِّ "مرمطة" الرجال داخل هذه القوانين الجديدة، والتي جعلتهم يفرون من الزواج التقليدي فرارَهم من الأسد إلى حلول أكثر أمنًا لهم؛ أي الزيجات غير الرسمية (عرفي- مسيار- مصياف- وناسة... وغيرها) أو إلى التنقل السهل بلا صداع بين العلاقات المحرمة إذا كان الشاب أقلَّ التزامًا بالدين، فأي هدية تلك بالله عليكن يا هوانم؟!

 

إن الخوض في مجال المرأة يحتاج إلى عمل مخلص يجمع نساء جادات خرجن من عباءة المجتمع يرتدين ما ترتديه النساء ويأكلن ما تأكله النساء ويتنقلن فيما تركبه النساء من مركبات.. نساء يمثلن النظام الحاكم ومنظمات المجتمع المدني الحر- ليس التي صنعها النظام تمويهًا- وتؤخذ فيه استطلاعات رأي صاحبات الشأن؛ فإن أي حديث عن عدم أهلية المرأة المصرية ريفًا وحضرًا في تقرير مصيرها هو ليس فقط خيانةً لها بل خيانة للوطن والشعب أيضًا.