- ثلاث فتيات فقط كنَّ محجبات في تجارة القاهرة منتصف السبعينيات - الإيجابية والذاتية والربانية.. معالم نجاح الأخت الداعية - الأسرة المسلمة وخاصةً المصرية تعيش أنماط مختلفة من الفقدان - الفتاة لها دور كبير في تراجع الدور التربوي للأسرة لتغير متطلباتها - الأسرة والأبناء الخلية الأولى لإصلاح المجتمع وعلى الداعية ألا تهملهم حوار- جهاد عز الدين: تلعب المرأة الداعية أو ما اصطلح عليه لقب "الأخت الداعية" دورًا كبيرًا في حياة أسرتها ومجتمعها، فهي إلى جانب دورها التربوي والإصلاحي داخل أسرتها ومجتمعها المحيط بها، تقوم بدور رائد في تنقية المجتمع من الشوائب التي تُصيب أهم عناصره وهي بنات حواء سواء كنَّ سيدات متزوجات أو فتيات على مشارف تكوين بيت الزوجية، أو حتى بنات في سن التكوين والنضوج. وفي هذا الحوار نطرح أهم المشاكل التربوية التي تُصيب الأسرة، وفي القلب منها المرأة بكافة مراحلها العمرية، وما الطرق الناجعة لعلاجها من منظور إسلامي؛ حيث تضع الداعية فاطمة فضل يدها على مشاكل عديدة تُصيب الأسرة المسلمة المعاصرة وتُقدِّم لها حلولاً بشكلٍ عصري لا يُخالف تعاليم الإسلام، فإلى نص الحوار: * تعيش الأسرة المسلمة حياةً تربويةً متخبطة في ظل تصارع التطور التكنولوجي والمعلوماتي وخطط التغريب، فكيف تقرأين هذه الأمور؟ ** الأسرة المسلمة وخاصةً الأسرة المصرية تعيش حاليًّا نمطًا من الفقدان بأنواع عدة، فقد غاب الأب وانشغل في التدابير المالية الصعبة، كما غابت الأم وأخذتها الحياة الصاخبة بالخارج فاهتمَّت بأدوار عملية، على حسابِ اهتماماتها الأسرية. وفي الإطار الجمعي انشغل كافة أفراد الأسرة بالثورة الاتصالية الحديثة، فأصبح لكل فردٍ مفضلة خاصة لمواقع الإنترنت وقنوات التلفاز، حتى اختفى التجمع الذي كان يُثري استقرار الأسرة وترابطها، وأصبح كل فردٍ يحيا بمفرده، بلا مائدة طعام واحدة، أو جلسة للنقاش العام؛ ولذا فلا نبالغ حين نقول إن تربية الأبناء حاليًّا تتم عن طريق العوامل الخارجية وليست الداخلية. * ما أبرز المشكلات التي تُعرض عليكنَّ كداعيات؟ ** أولاً زادت المشكلات بين الأزواج، ثم كثُرت الشكوى من أوضاع الأبناء، وبأنهم ليسوا كما كان الآباء يرجون من التزامٍ وأخلاقٍ، وهي أمور مرتبطة بمجموعةٍ من العوامل يدخل فيها الأم والأب ثم المجتمع من حولهم، ولكن على الأم يقع العبء الأكبر؛ فعليها الأخذ بجميع الأسباب الممكنة لتتعهد الأبناء بالتربية والنصيحة، ثم تُحصنهم ضد المتغيرات المجتمعية التي سيقبلون عليها، هذا مع التركيز على غرسِ روح التعاون والحب والألفة في البيت ككل؛ مما يجعل الأبناء في حالةٍ سوية. الداعية وأسرتها * إذا أسقطنا الأحوال المجتمعية المعاصرة على حالة الأخت الداعية وأسرتها فماذا نلاحظ؟ ** الأخت الداعية ليست بعيدةً عن مؤثرات المجتمع، وأولادها يختلطون بغيرهم، وهو ما يحتاج من الداعية إلى مجهودٍ أكبر ليصبح بيتها قدوةً لغيره، فتهتم بالعناية والنصيحة والمصاحبة للأبناء؛ مما يُساهم في اجتيازهم للمراحل الصعبة وينخرطون في المجتمع وهم في حالةٍ جيدة. * هل يمكن القول بأننا نُعاني خطوةً إلى الوراء في الدور الأسري للمرأة، تبعها تراجعٌ في الأداء التربوي؟ ** التراجع حدث بشكلٍ كبير، ولكنه ليس من المجتمع فقط، وإنما من الفتاة نفسها؛ حيث أصبح هَمُّ الفتاة الأول هو البحث عن عملٍ ووظيفة، قبل الاهتمام بالأسرة والأبناء. واختلاف الأولويات هذا يعني فقدان قيمة الأهمية التربوية للأم، وبالتالي اختلال أوضاع مؤسسة المحضن الرئيسي في المجتمع، فحتى إذا أرادت المرأة أن تعمل، لا يجب أن ينسيها ذلك دورها الأول كزوجةٍ وكأم، فهو الدور الذي لن يُؤديه غيرها، وإهمالها فيه لن يعوضه أحد؛ ولذا وجب أن يكون هو "الهم" الأول الذي تشحذ فيه طاقتها وإبداعها، وإذا تعارض مع الأدوار الخارجية فلا مفرَّ من أن تكون له الأولوية ولو بالتفرغ التام، ولكن إذا نجحت في التوازن فقد جمعت بين خيري العطاء للأسرة والمجتمع. * هل تختلف المدخلات التربوية للداعية اليوم عن الماضي؟ ** بالطبع، كنا منذ 30 عامًا نعتمد بجانب طلب العلم، على معاني الربانية والصبر والرضا والتوكل، فكوَّن ذلك منا جيلاً صابرًا صامدًا به الكثير من معاني القوة، وكان العلم يزيدنا إيمانًا وعملاً، فكنا نقرأ ونفهم، ونُطبِّق ما تعلمناه، فالإيمان يزيد بالطاعات، والطاعات تزيد بالعلم.. أما الدنيا بمادياتها الحالية فلم تكن تؤثر فينا، أما المحن والابتلاءات فهي موجودة على مرِّ الأيام، و معها لا بد من إيمان قوي يواجه العقبات ويتصدي لها. وبالمقارنة مع الواقع الحالي، فالحركة والعمل في ذلك الجيل أكثر، ولكن العلم والإحساس العام أقل بكثير، فبالرغم من أن المناهج التربوية للدعاة أكثر نظامًا ومنهجيةً عن ذي قبل، إلا أن تفعيل ذلك العلم هو الذي كان يثمر في الأجيال السابقة، وقد يكون ذلك بتأثيرٍ من تفشي روح الحياة المادية وانسحابها على كافة المجالات؛ مما جعل السلوك في كثيرٍ من الأحيان- حتى الدعوي منه- حركي عملي بلا روح، فعلى الجيل الحالي أن يوازن بين المتغيرات وعوامل السرعة والحركة، وبين ضرورة تحصيله للعلم الشرعي والقراءة التي تزيد وعيه وفهمه، وما تزال به حتى يصبح في مصاف ليس فقط الدعاة بل العلماء. بين جيلين * البعض يرى أن الحماس هو المتغير الأكبر في الاختلاف بين الجيلين؟ ** نعم بالفعل؛ فالصحوة الإسلامية الحديثة حين بدأت، لم يكن عندها بجانب تراث السلف شيء أكبر من الحماس والرغبة في العمل ومجابهة التحديات؛ ولذا فقد أخذنا أمرنا بقوة. أما الجيل الحالي فقد بدأ والحياة رحبة مستعدة والالتزام واقع وملموس، وفيما يخص عملنا نحن الداعيات، ففي بداية السبعينيات كان الحديث عن الحجاب حديثًا شاذًّا غريبًا على أذن المجتمع، وكانت النساء المحجبات تُحصى على أصابع اليد الواحد في كل محفل ومكان، بعكس الوضع الحالي، فالحجاب موجود ومنتشر بل هو الأساس، وهو ما يدل على أننا بدأنا دعوتنا من الصفر؛ ولأن الأمر كان عسيرًا، ولذا فقد مثَّل تحديًا، والتحدي دائمًا يصنع الإنسان، ويصنع معه العمل والقوة، بل ويزيد الإيمان. * فيما يتعلق بالعمل الدعوي هل أصبحت مهمته توظيف الأفراد في إطار الدعوة من خلال المجتمع المحيط، أم هو وليد المبادرة الفردية؟ ** هو في الحقيقية حاصل الجمع بين الاثنين، فهو بداية نابع من الذات وبدافعٍ فردي؛ لأن الأساس كان تربية الفرد المسلم وصناعة الإحساس الذاتي داخله، فإذا توافرت كافة الإمكانيات في المجتمع المحيط للداعية، وغاب عنه ذلك البعد الفردي، فلا ينتظر منه أن يؤدي دورًا. وبعد ذلك في الأهمية تأتي الجماعة المحيطة، خاصةً من الأسرة المسلمة، ثم الأسرة التربوية التي تنمي المهارات والقدرات ثم توجه نحو الوظيفة الدعوية الملائمة، وهو الأمر الذي وإن لم تجده الأخت الداعية فعليها أن تقوم هي به؛ بأن تبحث لنفسها عن الدور الملائم، فالدعوة وظيفة عند الله وليست مرتبطة بظرفٍ أو وقتٍ أو أشخاصٍ بعينهم، والمرأة المسلمة حولها الكثير؛ ولذا فعليها دعوة تجاه أبويها- إخوتها- الجيران- الأقارب- مع الأصدقاء- في أماكن الدراسة أو العمل. فالدور دائمًا موجود، ولكنه فقط يحتاج إلى مَن يلتفت إليه ويؤديه، وهذه هي الإيجابية التي تختلف من شخصٍ لآخر. * كيف كانت ملامح تلك الإيجابية في جيل الدعوة في السبعينيات؟ ** لم يأتِ إلينا أحدٌ ليقول لنا قوموا فاعملوا لدين الله، ولكن بدوافعنا الذاتية وإدراكنا الفطري، امتلكنا قاعدة تقول إني طالما أحبُّ الله فلا بد أن أنشر دينه، فبدأنا بذلك نتعلم ولو القليل ثم لا نلبث أن ننقله للناس، فطالما أعرف كيف أصلي فعليَّ واجب تعليم ولو امرأة واحدة، وهكذا بدأنا. * لو تحدثنا بشكلٍ عملي هل ممكن أن تنقلي لنا تجربتك ليستفيد منها الأجيال الحالية؟ ** لقد ارتديت الحجاب في الصف الثاني الثانوي، ولم يكن الحجاب منتشر حينذاك، ففي مدرسة "الجيزة الثانوية للبنات"، وعلى الرغم من أنها مدرسة كبيرة جدًّا، إلا أنها لم يكن بها سوى ثلاث فتيات يرتدين الحجاب، اثنتين منهن من بنات الإخوان، وكنتُ أنا الثالثة بالرغم من أبي لم يكن من الإخوان، وكان ذلك بدافعي الذاتي، فقد كان حبي لله كبيرًا، ولم أكن أعلم أن ارتداء الحجاب فرضٌ من الله تعالى، فلم يكن هناك وعي أو فهم لهذا الأمر، اللهم إلا في الأسر الملتزمة والتي كانت قليلة للغاية. كان ذلك حتى أخبرنا مدرس الدين في إحدى الحصص أن الحجاب فريضة ويحرم على الفتاة إن لم ترتديه، قال ذلك على أنها معلومة عابرة دون أن يحثَّ الطالبات عليه، ولكن المعلومةَ رسخت في ذهني، بل هزَّتني بشدة، فكيف لي أن أفعل الحرامَ في حقِّ الله الذي أحبه.. فبدأت حالة من التفكير والقلق المستمر، فخطوة الحجاب كانت تُمثِّل مشكلة لغرابتها واختلافها وجدتها، وحين أخذتُ القرارَ وارتديت الحجاب، وذهبتُ به إلى المدرسة تعجَّب الجميعُ حتى مدرس اللغة العربية والدين نفسه، أدهشه الموقف وظنني مريضة. وحين الانتقال إلى الجامعة في بداية السبعينيات، كان مجموع مَن ترتدي الحجاب لا يزيد عن ثلاث فتيات في الكلية بأكملها- تجارة القاهرة-، ولكننا تكاتفنا، وجمعنا عددًا أكبر حولنا فزاد عددنا إلى خمسة ثم ستة، وهكذا. * كيف تحوَّل الالتزام الشخصي إلى مسئولية عامة؟ ** اتجَّه تفكيري مع الزميلات إلى تلاوة القرآن وتعلمه تعلمًا صحيحًا، فهو المدخل الطبيعي لتعلم ديننا، فوجدنا طالبًا ملتزمًا يعرض علينا أن يقوم بتدريس التجويد لنا، فرفضتُ ذلك بالفطرة خوفًا من أمراض القلوب وآفات الاختلاط.. وهنا أحسستُ بالمسئولية وتحملتُ أمر أن أتعلم التجويد والتلاوة الصحيحة حتى أنقل ذلك لزميلاتي، وبالفعل بحثتُ فوجدت طالبةً تعرف علم التجويد، ولكنها لا تجيد نقله لمَن حولها، فتعلمته منها، وصرت أنقل كل ما أتعلمه درسًا بدرس، ووقتها أحسستُ معنى قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللهُ﴾ (البقرة: من 282)، "فمَن أراد الله واتقاه سيعلمه الله، فقد وجدتُ نفسي أُجيد التدريس كأني مارسته من قبل مرارًا وتكرارًا، حتى ألهمني الله بطريقةٍ سهلةٍ ميسرة فحببتُ العلمَ إليهنَّ وساعدتُ في نقله. وهنا انتعشت لديَّ الرغبة في التعلم، فكنتُ أذهب أقرأ وأتعلم ثم أنقل ما أتعلمه حتى صرتُ أُعطي دروسًا في الجامعة بأكملها، فأخذت أحثُّ زميلاتي على إعطاءِ الدروس مثلي حتى نكثر من أنفسنا، وهكذا بدأنا ننتشر، وعلى المستوى الذاتي حصلنا العلم الكثير، وفتح الله علينا في مهارات الإلقاء والخطابة وغيرها، كما فتح الله لنا القلوب، حتى أصبح المسجد الذي كان يضم في بداية العام خمس أو ست طالبات، مع نهاية العام أصبح يتردد عليه ما بين الثلاثين والأربعين طالبة، وعام وراء آخر يزيد العدد، وتزيد معه خبرتنا وعلمنا. * هل كان هذا الحماس والعمل بتوجيهٍ من جماعة الإخوان؟ ** كان ذلك كله قبل أن أعرف الجماعة أو العمل التنظيمي، فلم أعرف الجماعة إلا بعد زواجي، فقط كنت أريدُ الآخرة بشدة، حتى في اختيار زوجي لم يكن عندي شرطًا أهم من الالتزام وحب الله والعمل في سبيله، وهكذا تزوجتُ ممن أشاد به من حوله، مؤكدين دينه وخلقه وحبه للعمل في سبيل الله، حتى إنني والدكتور عصام العريان أسسنا بيتنا على حبِّ الله وبلا أي بحثٍ عن مادة أو أمر من أمور الدنيا، فكانت زيجة بسيطة سهلة بلا تعقيدات. بعد الزواج والأزمات الفكرية * تختلف أدوار الداعيات بعد الزواج للانشغالات الشخصية.. فكيف واجهتِ ذلك المنعطف؟ ** عقب زواجي مباشرةً بحثتُ عن مسجدٍ لأُعطي فيه درسًا عامًّا، ولكني لم أجد، فأبدلنا الله بأخت أعلنت إسلامها حديثًا وفتحت بيتها للدعوة، فصرنا نتجمع في بيتها، حتى انتقلت إلى منزل جديد به مسجد أٍسفل منه، بدأتُ أعطي فيه درسًا عامًّا.. كل ذلك بالاجتهاد الذاتي، وبلا توجيه ولا حتى من زوجي، فقد كانت مشغولاته كثيرة، كما أنه- وحتى ذلك الوقت- لم يكن هناك تصور لعمل الأخوات أو تنظيم للأدوار المطلوبة من الأخت المسلمة. ومع الدرس العام اتجهنا للعمل الاجتماعي من كفالة يتيم ورعاية مساكين، والتجمع على الإفطارات العامة، وحين انشغلت بالأطفال لم أترك المسجد، كما فتحتُ بيتي للناس كافة لحل المشكلات، ورعاية الجمهور العام الذي ندعوه، فبالرغم من أن زواجي كان في بيت عائلة إلا أن منزلي كان يموج بالحركةِ والعمل. * بخلاف الأزمات الشخصية، أليس للداعية أزمات فكرية؟ ** مررتُ بالفعل بفترات توترٍ وقلقٍ فكري، خاصةً عندما كنتُ بالجامعة ولم يكن حولي من يحتويني فكريًّا، وحينها حاول البعض من الجماعاتِ الأخرى تكفير استمالتي للبعد عن الناس والانعزال عن المجتمع، ولكني لم أكن سهلةً إلى هذا الحد، فقد كنتُ أُفكر في كل ما يُعرض عليَّ، إلى جانب اللجوء إلى الله والبكاء بين يديه ليدلني ويهديني إلى الطريق المستقيم، وكانت تلك من أهم فترات القلق في حياتي، فلم تكن حياة الدعوة طريقًا ممهدًا بلا أشواك، ولكنه مليء بالمحن والابتلاءات، خاصةً التي تُعرض على العقل من أمثال تلك الدعاوي والأفكار التي تُثبط الهمة وتبلبل الخاطر، ولكن يبقي دائمًا الملاذ في التذلل والقرب من الله، وبعدها أجد نفسي أسير على نفسِ الطريق ويزيد اندماجي وعملي في المجتمع. داخل بيتي * بعد أن تصبح للمرأة الداعية أسرة وبيت، هل على أسرة الداعية دور خاص ككائن جديد؟ ** إذا فعَّلنا كل فردٍ من أفراد الأسرة وصنعنا له عملاً عامًّا، حينها ستصبح الأسرة بأكملها أسرة دعوة، ولجميع مَن فيها أدوار، كل في مجاله- في الجامعة- في المدرسة- مع الجيران- وهكذا.. فيحدث التفاعل بين كافةِ البؤر الحياتية، كما تتجمع الأسرة نفسها على همٍّ مشترك، فإذا كنا قد تعلمنا أن الفرد قد يكون بمفرده أمة، فما بالنا بأسرةٍ بأكملها، وهذا دور مهم يقع عاتقه الأكبر على الأم في التوجيه الملائم. آفات القلوب * تعرفنا على المشكلات الفكرية، فماذا عن آفات القلوب التي تُعرض على الفرد صباح مساء؟ ** أهمها حب الدنيا وحب الذات، وهو ما لم يكن في مجتمعنا الدعوي في بداية الصحوة، فلم يكن لنا هم سوى الآخرة والسعي لها، فلا يستطيع الفرد الجمع بين الحبين حب الدنيا والآخرة، وكما قال- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: "تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم"، فالانفتاح الشهواني وسهولة وصوله للناس كافةً حتى في عقرِ دارهم بالوسائل الحديثة كل ذلك مما يُضعف الإيمان حتى عند الدعاة. وأما ما يزيد الإيمان من صلاة الليل وصلاة الفجر وقراءة وتدبر القرآن، والخشوع في الصلاة، ومن أهم ما يزيد الربانية الدعاء بخشوع ويقين، حتى تذوب أمراض القلوب كافة، فتختفي الذاتية والسعي للزعامة والظهور. * كيف أثَّرت النكبات والابتلاءات التي تعرضت لها أسرتكم- مع كثرتها- على الوضع الأسري ثم الدعوي؟ ** تلك التحديات قوتنا جدًّا، واستشعرتُ يقينًا أنها تُقوي الإيمان لملازمتها لمعيةِ الله، وهي المعية التي لا يستشعرها الإنسان إلا في وقت تلك الأزمات، ومن ذلك مثلاً سجن زوجي إبَّان المحاكمات العسكرية في 95، كان الجميع يرى أن الأمر عظيم ومفزع والأحكام قد تصل إلى 20 عامًا.. ولأن من عادتي صلتي بالله، وحبه بشدة، ولذا فقد أحببتُ أي شيء يُقدِّره لي، فمن رضي فله الرضا، فنحن وإن كنا لا نطلب البلاء إلا أننا نرضى بقضاء الله، فالحكم حكم الله وليس حكم بشر ولا اعتراض، وكانت تلك هي بوابة الراحة في حياتي. ولذا حينما جاء الحكم بخمس سنوات فرحتُ بلطفِ الله فينا، واستقبلتُ الأمر بمنتهى الرضا والهدوء والسكينة، وعلى الرغم من أن الناس رأوها كارثة، فقد رأيتها منحةً لما يغلفها من رضا وصبر، وكانت تلك أصعب المحن والابتلاءات في حياتي، سبقها فقط محنة مماثلة في بداية الثمانينيات، فقد سُجن زوجي وأنا حامل في طفلنا الثاني، وأراد الله وفاة الطفل وزوجي في السجن. وقد انطبع هذا الإحساس عند الأبناء، فقد تعلموا أن أوقات المحن هي أوقات تتنزل علينا فيها رحمات من الله وبركات وأجر عظيم طيلة الوقت طالما صبرنا ولم نجزع؛ ولذا فقد كان الأبناء مستقرين حتى من الناحية النفسية، كانوا يذهبون لزيارة أبيهم وكأنهم في رحلة أسبوعية، يجلسون معه ثلاثة ساعات كل أسبوع كانت مهماته في الأوقات العادية لا تسمح لهم بمثلها، وهو بالضبط المعنى الذي عايشناه من"مَن رضي فله الرضا"، وقد كان الأبناء بقليلٍ من المجهود والرعاية في تفوقٍ وتوفيق، بخلاف ما نجده عند عائلات كثيرة تبذل المزيد وتحصد القليل، فقد كنتُ على يقينٍ أن الله تعالى قد حجز عنا ربَّ البيت وتولى هو تربيتنا تربيةً خاصة، ومعية الله تلك كانت هي فوزنا الحقيقي، بالطبع لا أقول إن كافةَ المشكلات والمحن تمرُّ بلا مشقة، ولكن المعاناة بالله سهلة، لاستشعار الأجر، والثواب فالأمر كله بالتفكير والتأمل. * أخيرًا وبعد كل تلك التجارب ما أفضل نصيحة على الأخت الداعية أن تلتفت إليها؟ ** أولاً وقبل كل شيء لا بد من الاهتمام بالأسرة والأبناء، فهم الخلية الأولى، وبصلاحهم سينصلح المجتمع بأسره، كما أنه لا ينفع مع انفلاتهم إصلاح أوضاع الغير إذا كانت أسرة المرأة الداعية واهية في الأساس، ومع كثرة المتغيرات المحيطة كان على الزوجة بالتعاون مع زوجها، إشاعة جو التفاهم والحوار؛ تمهيدًا لاحتضان الأبناء وتحصينهم ضد أية سلبيات تعرض لهم.