يعد د. علي عبد الحليم من الرعيل الأول من الإخوان، تربى على يد الإمام الشهيد حسن البنا، حيث التحق بمجموعته التربوية وهو ابن الثالثة عشرة من عمره، فكان أصغر المتلقين عن الإمام البنا.

 

واشتهر بأنه مربي الأخوات المسلمات، حيث اجتهد في إنتاج المناهج التربوية الملائمة لخصوصيتهن، بما يصنع لهن دورًا دعويًّا، يفهم المتغيرات المعاصرة، ويتعامل معها بالمنهج الإسلامي القويم.

 

وللدكتور عبد الحليم كتاب رائد باسم "المرأة المسلمة وفقه الدعوة إلى الله"، يمثل دراسةً علميةً منهجيةً، توخى فيها الكاتب أسلوب البحث العلمي، كما أنه بمثابة خبرة عملية ميدانية في مجال الدعوة إلى الله، صاغها المؤلف كمنهج لعمل المرأة الراغبة في أن تؤدي واجبها في الدعوة إلى الله. وبهذا يخاطب الكتاب المرأة المسلمة، شارحًا لها أهمية ووجوب الدعوة إلى الله، ومعرفة مجالات عملها وأنشطتها في تلك الدعوة، هذا مع عرض القدوة في صور بعض السابقات المؤمنات ممن عايشن الرسول الله صلى الله عليه وعلي آله وصحبه وسلم.

 

يبدأ الكاتب حديثه عن المرأة، بتناول مكانتها عبر الأزمنة التاريخية المختلفة القديمة والحديثة، فتحدث عن مكانتها في الحضارات والعقائد القديمة، بداية من الحضارة الفرعونية، ومرورًا بحضارة بابل وآشور، حضارة الهند، الصين واليابان، الحضارة الفارسية واليونانية بخلاف الرومان واليهود، والحضارة المسيحية، وأخيرًا المرأة في الجزيرة العربية قبل الإسلام.

 

وأتبع ذلك مقارنة مع مكانة المرأة في المدنية الحديثة، لكل من الدول والقوميات الغربية والشرقية.

 

ثم أفرد الكاتب الفصل التالي للحديث عن مكانة المرأة في الإسلام، ليتضح لنا الفارق بين مكانتها فيه وبعيدًا عنه، وليتضح أيضًا مدى اهتمام الإسلام بالمرأة وتكريمها وتعزيزها ورفع شأنها، ليكون لها الدور العظيم والمكانة الرفيعة، والتي لم تجدها المرأة في أي من الحضارات الأخرى، التي أحطت من شأنها وكرامتها.

 

ويتعرض الكاتب تفصيليًّا لبيان تلك الحقوق، فيشير إلى أن الإسلام قد كفل للإنسان عمومًا، وللمرأة على وجه الخصوص حقين كاملين، حقًّا لكونها إنسانًا، وحقًّا اجتماعيًّا في التعلم والرعاية والعمل، والتأمين ضد العجز، والبطالة والشيخوخة, وكل ذلك من خلال منهج لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، منهج يحقق لها كافة مصالحها في الدنيا والآخرة؛ لذلك فقد وجب على المرأة المسلمة أن تفخر بدينها الإسلامي وتعتز بانتمائها إليه فلولاه لظلت المعاناة قائمة, والحقوق ضائعة، والفساد منتشر، كما عليها أداء ما أمرها الله به خير أداء؛ لأن الإسلام أراد أن يبني مجتمعًا صالحًا ولن يكون هذا المجتمع صالحًا إلا إذا أتقنت المرأة هذه الحقوق والواجبات ولم تهملها، ولم يهملها أيضًا الطرف الآخر من الرجال.

 

الدعوة إلى الله

يوضح المؤلف أن المرأة المسلمة، مثلها مثل الرجل، عليها واجب لا يصح التخلي عنه، فهي مكلفة بالدعوة في أي زمان ومكان، ويساعد في ذلك أن تعرف المرأة المسلمة أهداف ذلك العمل الجليل، من إعانة الناس على طاعة الله، وإحياء سنة التعارف فيما بينهم، وإعانة الناس على تغيير الواقع السيئ، وتربية الفرد المسلم تربية إسلامية صحيحة، وكذلك إعداد البيت المسلم ومن ثم إعداد المجتمع المسلم, ومن أهدافها أيضًا العمل على مقاومة أعداء الأمة الإسلامية وإعادة الوحدة بين المسلمين في العالم كله.

 

ويمكن للمرأة أن تحقق هذه الأهداف من خلال العمل المباشر الفردي كإعانة بعض النساء على عبادة الله أو تطبيق مبدأ التعارف، أو الإسهام في تربية الأبناء وإعداد البيت المسلم، أو من خلال العمل الجماعي المباشر كمساهمتها في إنشاء حكومة إسلامية أو تحرير رقعة من أرض المسلمين، أو العمل مع غيرها من النساء في إيجاد وحدة إسلامية بين دول العالم.

 

ومن أهم وسائل تلك الدعوة، الكلمة الطيبة مثل الخطبة والدرس والكتاب، أو بالقدوة مثل الالتزام في السلوك والخلق وتهذيب الكلام والالتزام في الملبس وتربية الأولاد، أو بالعمل كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة المشروعات النافعة.

 

والمرأة أثناء عملها ذلك، لها أن تعتمد على بعض المصادر الثقافية، أهمها بالطبع القرآن الكريم والسيرة النبوية وتاريخ الصحابة والصحابيات رضوان الله عليهم، وتاريخ السلف الصالح، ومعرفة ظروف العالم الإسلامي المعاصر، وظروف الأقليات المسلمة والتيارات المعادية للإسلام.

 

وتتنوع الثقافات المطلوبة من المرأة الداعية ما بين، الثقافة الإيمانية، وهو ما ينبغي أن يتحلى به الفرد من عناصر الإيمان التي تجعله قادرًا على أن يَعبُر بتلك العقيدة من القلب، إلى السلوك والتصرفات، ويعين في ذلك كثرة التدبر والتأمل في معاني القرآن الكريم, والتعمق في فهم مرامي السنة النبوية، واختيار بعض الأحاديث لحفظها، والتركيز على المواقف في السيرة النبوية التي تجلت فيها مظاهر الإيمان؛ من تضحية وطاعة وجهاد. ثم الثقافة العلمية وهي التي تمد الداعية بالعلوم والمعارف المؤهلة للعمل، والتي قد تكون إسلامية أو غيرها، فالحكمة ضالة المؤمن. وأخيرًا الثقافة العملية الميدانية، المرتبطة بخبرة الاحتكاك بالواقع ومفرداته، من أعباء تنظيمية وإدارية، إلى المعاني التربوية التي يحتاجها الداعي إلى الله من فهم وإخلاص وجهاد وتضحية وثبات وتجرد وأخوة.

 

أنشطة متعددة

للداعية أنشطة عدة بحسب الجو العام الذي ستمارس منه الدعوة، فربة المنزل لها أدوار متعلقة بتنشئة الأبناء تنشئة إسلامية صحيحة, وتعلقهم بالمساجد للصلاة وحفظ القرآن, وضبط أوقاتهم حتى لا تضر أبدانهم وأخلاقهم، ثم لها دور مع قريباتها وصديقاتها؛ كأن تقيم معهم علاقات طيبة تقوم على المودة والتلطف واختيار الموضوعات والقضايا التي تصلح لأن تكون موضوع حوار ومناقشة، والابتعاد عن الموضوعات الخلافية, والتذكير بواجباتهن نحو الله سبحانه وتعالى، لها أيضًا دور في المسجد؛ كالقيام بالأنشطة التي تقوي روابط الأخوة بين المسلمات، وتنظيم دروس أحكام التلاوة وشرح معاني القرآن، والأنشطة التي تقوي في المسلمات الرغبة في العمل بعد العلم، كأشغال الإبرة والتطريز والحياكة وتنسيق الزهور.

 

وبالنسبة لأنشطة الداعية وهي تمارس عملاً في المجتمع، فتتنوع أيضًا ما بين الدعوة إلى الخير وتكوين صداقات مع الزميلات وتوظيفها لصالح الإسلام، أو اختيار إحدى الزميلات لتفقيهها في الدين.

 

وبالنسبة لأنشطة الداعية المسلمة وهي طالبة في مجال العلم، فالحرص دائمًا على التفوق الدراسي، وتكوين علاقات طيبة بالزميلات، وعمل حلقات تفقه في الدين لمجموعة من الزميلات، والانخراط في ممارسة الأنشطة الطلابية، وهناك الأنشطة العامة؛ كاتحاد الطلاب والمعارض والرحلات والعمل المسجدي والحفلات، وعقد الصلات الطيبة بعضوات هيئة التدريس والمشاركة في المسابقات.

 

ولذا كان على المرأة الداعية أن تختار من الوسائل ما يلائم ظروف الوقت والمكان والمدعوات، بغير أدنى حرج.

 

قضايا معاصرة

يخوض الكاتب بعد ذلك في قضايا المرأة المعاصرة، بحيث يوضح موقف الإسلام منها, مشيرًا إلى أن القضايا المعاصرة ولدت في ظروف سيئة تنتاب العالم الإسلامي، وفي ظل مكائد أعداء الإسلام الذين يحاولون صرف المرأة المسلمة عن الإسلام، وعن دورها وعملها الجليل في تربية الأسرة.

 

وبشيء من التفصيل يتعرض الكاتب إلى "تعليم المرأة"، فيؤكد على أنه حق أساسي كفله لها الإسلام وطالب به، بل وألزم به وليها, فكما يجب على الرجل أن يتعلم ليدعو إلى الله ويُعلم غيره، يجب على المرأة نفس العمل؛ أن تتعلم وتُعلم غيرها من النساء، خاصة أن الإسلام يمزج بين الدعوة إلى الله وتعليم الآخرين، فكل مدعو يمارس معه الداعي نوعًا من التعليم.

 

القضية الثانية التي يتعرض لها الكاتب هي "عمل المرأة"، فيرى أنها أيضًا من حقوقها الكثيرة التي كفلها الإسلام، حيث سمح الإسلام للمرأة بالعمل مع وضع شروط وآداب تلتزم بها وهناك آيات كثيرة تكفل للمرأة هذا الحق، وتبنى عليه الجزاء ولا فرق بين الرجل والمرأة في ذلك.

 

وفيما يتعلق بالشأن الأسري أشار الكاتب إلى أن مؤسسة الزواج في الفهم الإسلامي, تجعل أداء الحقوق والقيام بالواجبات قربة إلى الله تعالى وإرضاء له، لأنه الآمر بذلك كله، والمُشرع لكل هذه التفاصيل والدقائق، على أن أداء الحقوق والقيام بالواجبات في محيط البيت المسلم إنما هو دعم حقيقي لبناء المجتمع المسلم، وللأمة المسلمة، حيث ييسر ذلك تطبيق منهج الله في الحياة، لذلك فالمرأة الداعية إلى الله أولى النساء بالالتزام الدقيق بكل ما يوجبه نظام الإسلام في الزواج. خاصة أن نظم الزواج الأخرى- في الغرب مثلا- لها تاريخها الحافل بالأخطاء، لما فيه مخالفة وتحرر مطلق لا يرضاه الإسلام. أما إنهاء تلك العلاقة المقدسة، فكما أعطى الإسلام الرجل الحق في الطلاق في ظل الظروف الموجبة له، أعطى المرأة كذلك حقًّا مساويًا في الانفصال عن طريق الخلع, إذا كانت عشرة الزوج غير محتملة، ولم تنفع معه المحاولات ولا تَدخُل الأطراف الذين يبغون الخير, وكما وصف الإسلام الطلاق بأنه أبغض الحلال إلى الله، فإنه وصف الخلع ومن طلبته من النساء دون سبب مقبول، بأسوأ ما يوصف به إنسان، وهو استحقاق لعنة الله سبحانه والملائكة والناس أجمعين.

 

أما عن تعدد الزوجات، وهي القضية المثارة في كل وقت, فالإسلام لم يوجب تعدد الزوجات بل لم يستحسنه ولم يندب إليه، وإنما تركه مباحًا لمن كانت لديه أسباب التعدد، أو عندما تدعو ظروف المجتمع إلى التعدد، وجعل الإسلام تعدد الزوجات مفضلاً على تعطيل الإنجاب، ومفضلاً على العزوبة وما ينجم عنها من مساوئ، بل جعله حلاًّ للعزوبة التي تُفرض على بعض النساء عند اختلال النسبة العددية بين الذكور والإناث لأي سبب كان.

 

ويختم الكاتب الحديث بالتأكيد على ضرورة سد منافذ الفتن والفجور في المجتمعات، بالتركيز على مبادئ بسيطة حثنا عليها ديننا الحنيف، كارتداء المرأة للحجاب، فأشار إلى أن دعوة الغرب إلى السفور والتبرج واستجابة المرأة لذلك يؤدي إلى هدم نفسها ومجتمعها وتحطيم القيم الإسلامية فيه، وسريعًا ما تقع المرأة في أسر الخوف من الذئاب البشرية، ومن ثم تفقد الإحساس بالأمن في حياتها سواء أكانت متزوجة أم لا.

 

لذلك فقد جاءت النصوص القرآنية، تأمر بصيانة المسلمة بالحجاب, وتطالب الرجل والمرأة كليهما بغض البصر والالتزام بعدم التبرج، وغض الصوت ومنع الحديث عما يكون بين الرجل وزوجته لأحد، وترك المرأة للتطيب عند مغادرة المنزل، ومنع الخلوة واللمس، ووضع آداب عظيمة لكل ما يصدر عن المرأة والرجل من أعمال.