لم يعد خافيًا عن الأنظار هذه الطفرة الكبيرة- كمًّا وكيفًا- الحاصلة على صعيد الحركة النسوية العربية منذ تسعينيات القرن العشرين المنصرم، هذه الحركة التي اتخذت من منظمة المجتمع المدني ومن مؤسسة الدولة الرسمية- اللذين لا يجتمعان عادةً- وأيضًا من الشارع، اتخذت من الجميع ساحات لإدارة صراع إثبات وجودها وتحقيق أهدافها في مجال الفكر النسوي.

 

تراث المواجهة.. وواقع العولمة

وإلى هنا فالأمر لا بأسَ به، فكل مجالات الحياة تحتاج إلى تحديث دوري حتى لا تقف عند معطيات الزمن السابق، وقضية المرأة عانت عقودًا من الركود منذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي. ولكن ما رأيناه في تراث حركة الستينيات هو أنها حركة لم تذب في البعد العالمي، على الرغم من انبثاقها من الحركة النسوية العالمية، بل أخذت منه الإطار العام، واحتفظت لنفسها بأولوية الزمان والمكان العربيين، اللذين كانا يدوران في فلك معارك الاستقلال في معظم البلدان العربية في ذاك الوقت، وما تلا ذلك من معارك تنموية للبلدان التي استقلت لتوها، فكانت الحركة النسائية العربية شديدة الارتباط بهذا الواقع التحرري التنموي (بمفهومه الجمعي لا الفردي)، بل وتعمل في منظومته، مما أكسبها مقبولية وديناميكية داخل مجتمعاتها.

 

ثم خمدت تلك الحركة في السبعينيات والثمانينيات، إبَّان عقود طفرة النفط، وما تلاها من فتور تجاه قضايا الأمة الجادة، وأيضًا بسبب هيمنة بعض أنماط الفكر الإسلامي القادم من بلاد النفط والذي لم يعترف بالمرأة ابتداءً حتى يعترف بقضاياها.

 

ثم تم إحياء الحركة النسوية في بدايات التسعينيات، كصدى لبداية عصر العولمة الذي اعتبر حقوق المرأة أحد أكبر أولوياته، وعلى العكس من الحركة النسوية الستينية، كان الاقتباس العربي في التسعينيات مختلفًا، في أنه لم يقم بإعادة صياغة الطرح العالمي وضبطه على "قد" الواقع العربي ذي الأولوية الفلسطينية، بل استنسخه بلا أدنى حس بعدم الملاءمة.

 

الفلسطينية.. امرأة بلا ضوء

نحن هنا لسنا بصدد نقد الفكر النسوي العربي الحديث في مجال القيم (رغم أنه لا يزال يلقي بظلال التفسخ الأخلاقي علينا لما يربو على الخمسة عشر عامًا) فذلك حديث يطول، وله وقته اللاحق، ولكننا هنا بصدد التركيز على ذلك البعد الخاص، بالمرأة الفلسطينية كتدليل على مدى انفصام هذه الحركة عن الواقع العربي، ودورانها العبثي في فضاءات لا تمت لشعوبه بأدنى الصلات.

 

فإذا ما تفحصنا واقع المرأة الفلسطينية اليوم، نجده محصورًا في كلمات معدودة: احتلال-  حصار- جدار فاصل- مقاومة- عمليات استشهادية- فقر- مرض- أَسر- تهجير- هدم منازل- انعدام خدمات- ترمل وثكل.

 

أي كل البلاءات في آن واحد، وهي موزعة بالعدل ما بين فلسطينيات القطاع والضفة، وأراضي 48، فقد تتمتع فلسطينية أراضي 48 ببعض المزايا الخدمية الراقية، كونها في زمام منطقة العيش المشترك، ولكن هذا يجعلها أقرب من قريناتها في الضفة والقطاع، إلى تحرشات المستعمرين، والاضطرار إلى حمل الهوية البغيضة، وقد تتمتع الغزاوية بالكرامة والعزة كونها في منطقة محررة وذات سيادة نسبية ولكنها تعاني ويلات الحصار و....... هكذا.

 

فما دور الحركة النسوية العربية المعاصرة في هذه المعاناة؟ لا شيء!

وما الرؤية الموحدة التي تمتلكها النسويات العرب تجاه القضية عمومًا (مثل التي يمتلكنها تجاه مفردات قضايا النوع الاجتماعي)؟ أيضًا لا شيء!.

 

فعلى مدار حوالي خمسة عشر عامًا، هي تقريبًا عمر الموجة النسوية الحالية، راقبنا فيها أداءها في الوطن العربي عن كثب، لم تتفوه إحدى منظماتها أو جمعياتها أو المؤسسات الرسمية، بكلمة إدانة لما يحدث، فضلاً عن التحرك الإغاثي.

 

ولكن ظل هذا الواجب- كعهده دائمًا- مسئولية لجان المرأة والمناضلات- في الكيانات الدينية والأحزاب الوطنية القومية واليسارية الشريفة- اللاتي نأين بأنفسهن عن الحركة النسوية.

 

هرم الأولويات.. قراءة من أسفل

ولبيان مدى انفصام هذه الحركة (حتى داخل فلسطين) عن الواقع الفلسطيني، نسوق أحد المواقف الطريفة التي مرت بنا، أثناء زيارة لإحدى دور رعاية الأيتام من أطفال الحرب السودانية وقد ضمّ الوفد الزائر إحدى الناشطات النسويات الفلسطينيات.

 

وتقدم أحد الأطفال يتلو ما تعلم في مناهج قديمة (من التي نجت من مقص الرقيب النسوي على كل مناهج وزارات التعليم العربية) فقال: "أبي يعمل وأمي تطبخ"، فصرخت الناشطة هلعًا محتجة على ما سمعت، متناسيةً أن البلوى ليست في توزيع الأدوار بين من يعمل ومن يطبخ، ولكن في انعدامها ابتداءً تحت وطأة الحروب؛ فلا الطفل عنده "أبي وأمي" وإن وجدا، فلا "أبي" يجد وظيفة ليعمل ولا "أمي" تجد الطعام لتطبخه! فهذا هو الحال ليس في فلسطين وحدها، بل وفي السودان أيضًا، وكان هذا بالطبع هو الأولى باحتجاجها.

 

أتذكر أيضًا إجابة إحدى أقطاب الحركة النسوية في فلسطين، على سائل يسأل على قناة فضائية عن غياب الحق الفلسطيني في الخطاب النسوي، المشغول بقضايا المساواة والتمكين الوظيفي للمرأة وحرياتها الجسدية، فأجابت إجابة هي الأغرب فيما سمعت، قالت: إن انشغال المرأة بقضايا تحرير الوطن من هيمنة المستعمر، منذ الخمسينيات، قد صرفها عن قضايا تحريرها الخاصة من الهيمنة الذكورية، فضاعت حقوقها، وأن الرجل مستفيد من انخراطها في الباع الوطني لتنسى حقوقها المهضومة معه وأنه قد آن الأوان لتصحيح الأوضاع.

 

إن مثل هذا الكلام يقوي الأدلة بمدى ارتباط هذه الحركة النسوية المتعولمة، بالأجندة الإمبريالية والصهيونية، ولا ننكر أن هناك ممارسات قبلية ضاغطة على النساء الفلسطينيات، وخاصة الأرامل (وهن كثر بسبب العمليات العسكرية) بالتضييق على فرص زواجهن مرةً أخرى وحقهن في حضانة أطفالهن، إلا أن هذا لا يعني قلب هرم الأولويات وتهميش الأهم لصالح المهم.

 

وفي النهاية، نحمد الله أنه لا يزال داخل الأراضي الفلسطينية وفي الأقطار العربية حركات نسائية (وليست نسوية) تسهم في القضية في صمت وبلا ضجيج، بتخفيف المعاناة وتحسين واقع المرأة الفلسطينية، على كافة الأصعدة (مجتمعي- سياسي نفسي............. الخ) وترفع القضية في المحافل الدولية، وتتظاهر لفك الحصار، وهدم الجدار والأهم من كل هذا.. تورثها للأبناء حتى لا تموت القضية.