- عبد الله الخطيب: عودة الميت "إكلينيكيًّا" للحياة ممكنة جدًا
- د. أكرم الشاعر: الفتوى سياسية لتمرير قانون زراعة الأعضاء
- النائب علي لبن: توقيت مريب ويتجاهل العديد من القضايا
- عبد الحليم قنديل: رواج لتجارة بئر السلم والسوق السوداء
تحقيق- إسلام توفيق وخالد عفيفي:
"الموت الإكلينيكي" مصطلح تفاوتت المرجعيات الطبية والدينية في تفسير: كونه موتًا حقيقيًّا كاملاً أم لا، إلى أن حسم مجمع البحوث الإسلامية الأمر في ختام مؤتمره السنوي بعد إعلانه صراحة أن موت جذع المخ أو موت الدماغ أو ما يسمى بالموت الإكلينيكي موتًا حقيقيًّا، مع إباحة الحصول على أعضاء جسده ونقلها لإنسان مريض بشرط موافقته قبل وفاته أو والديه أو أحدهما، أو وليه الشرعي.
المشاركون في الاجتماع أكدوا جواز تبرع الإنسان البالغ العاقل غير المكره بجزء من أجزاء جسده، بلا فرق في ذلك بين التبرع للأقارب أو غيرهم؛ شريطة أن يكون على سبيل الهبة دون أي مقابل مادي، وألا يكون العضو المنقول عضوًا أساسيًّا للحياة، أو يعطل وظيفة أساسية في حياته، وألا يكون العضو حاملاً للصفات الوراثية، ولا من العورات المغلظة، وألا يعود بهذا التبرع أي ضرر على المتبرع، وأن يغلب على الظن منفعة المنقول إليه العضو، وألا توجد وسيلة أخرى تغني عن نقل الأعضاء.
الفتوى أثارت العديد من التساؤلات: هل سيعمل التشريع على وضع ضوابط معينة لضمان عدم مخالفة الفتوى؟ أم ستؤدي الفتوى إلى مزيد من المخالفات ورواج لتجارة الأعضاء التي تتم بصورة مختفية، وخاصة في ظل العوز المادي الذي يعاني منه غالبية الشعب المصري؟
وما هي أسباب صدور هذه الفتوى في هذا التوقيت بالذات وقبل تمرير قانون نقل الأعضاء بمجلس الشعب؟
(إخوان أون لاين) طرح هذه التساؤلات على جميع أطراف القضية من علماء ونواب باللجنة الدينية بمجلس الشعب وأطباء ومراقبين في هذا التحقيق..
قرار متعجل
الشيخ عبد الله الخطيب

في البداية يصف الشيخ عبد الله الخطيب عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين قرار مجمع البحوث الإسلامية بأنه متعجل، مشيرًا إلى أن هذة القضية شائكة وبها آراء وأقوال متعددة، ولا بد من النظر فيها من كل الاتجاهات، على أن تُنظَر في النهاية من لجنة عالمية للبت في الأمر تضم علماء دين وأطباء.
وقال إن الله- عز وجل- كرَّم الإنسان في حياته ومماته، واعتبار الميت إكلينيكيًّا ميتًا حقيقيًّا فهذا موت ناقص الأركان، واستشهد ببعض الحالات التي قد تصيبها أزمات قلبية تصل إلى حد الوفاة، ثم يعود للحياة مرة أخرى بإجراء العمليات الجراحية.
وأكد أن أحدًا لا يمكنه الجزم بأن شخصًا ما توفي وفاة نهائية إلا بعد موت المخ والقلب معًا، وهذا لا يحدث في الموت الإكلينيكي، مضيفًا: "ومن يدري لعل الله يحدث أمرًا ويعود إلى الحياة مرة أخرى".
وشدد الشيخ الخطيب على أن الإنسان غال وليس بهذه البساطة يمكن التفريط في حياته، متسائلاً: "كيف يمكن أن أنسى أحدًا قد يرد إليه حياته في مقابل مريض.. مالك الموت والحياة هو الله ولا أحد غيره"، مستنكرًا اختلاف الحال بين فتوى مجمع البحوث الإسلامية باعتبار الموت إكلينيكيًّا موتًا حقيقيًّا، وبين الكيان الصهيوني الذي يحافظ على حياة السفاح شارون على الرغم من وفاته إكلينيكيًّا منذ سنوات، ولا يريد التفريط في حياته!!.
وقال إن فتوى مثل هذه تم إعدادها خصيصًا لتمرير قانون نقل الأعضاء تحتاج إلى وقفات عديدة ونظرات في الطب للحفاظ على حياة المريض الميت إكلينيكيًّا؛ للاستقرار عمَّا إذا كان المخ قد مات وبدأ في التحلل أم لا.
وشدد على أن نقل الأعضاء يجب أن يكون بشروط صارمة، ليست فقط بوصية المتبرع بعد مماته، ولكن بمشورة أهله وذويه حتى يحتفظ كل ذي حق بحقه.
نقطة خلافية
د. عبد الرحمن البر

ويؤكد الدكتور عبد الرحمن البر أستاذ علم الحديث بجامعة الأزهر أن الموت الإكلينيكي نقطة خلافية كثر فيها الكلام، واختلف فيها العلماء والفقهاء.
وقال إنه لا يجب أن يُبَت في أمر الميت إكلينيكيًّا واعتباره ميتًا حقيقيًّا إلا بعد أن تُقر لجنة طبية من ذوي الثقات بموته، بعد ثبوت موت الخلايا الجزعية تمامًا، على أن يكون النقل بناءً على وصية أو بموافقة الورثة.
وأضاف أن القضية ستبقى محلاً للخلاف بين الفقهاء والعلماء ما لم يثبت العلم والطب فيها جديدًا؛ حيث لا يمكن الجزم حاليًّا لأحد من طرفي الخلاف بأن وجهة نظره صحيحة مائة في المائة، مشيرًا إلى أنه يجب أن تتشكل لجنة طبية شرعية تضم أطباء على قدر عال من الإلمام بالنواحي الطبية، بالإضافة إلى مجموعة من كبار العلماء في العالم للوصول لرأي غالب وقاطع يطبق على الجميع.
وشدد على أنه يجب أن يتدخل التشريع لمنع التلاعب سواء من اللجنة الطبية أو من أهالي الميت إكلينيكيًّا، على أن تكون هذه الضوابط صارمة.
وقال إنه يجب أن تعقد هذه اللجنة الشرعية الفقهية قبل عرض مشروع القانون على مجلس الشعب، حتى يتسنى له إقرار القانون تبعًا للرؤى الواضحة.
فتوى مرنة
ويرى الدكتور أحمد طه الريان أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر أن قضية الموت الإكلينكي اتسمت بخلاف كبير بين العلماء على مدار السنوات السابقة، ولا يمكن الجزم فيها واتخاذ رأي قاطع يحدد الموت الإكلينيكي، وقال: لا بد أن يترك الأمر تبعًا للحالة دون التقيد بفتوى معينة.
وأشار إلى أن هناك بعض المرضى يبقون في حالة من الغيبوبة لمدة يوم أو اثنين أو ثلاثة، ثم يستعيدون وعيهم مرة أخرى؛ وهو الأمر الذي لا يتفق مع الفتوى الصادرة من مجمع البحوث، وقال إن الموت الحقيقي هو موت المخ والقلب معًا، واليقين بموت خلايا القلب والمخ وخروج الروح هو الفيصل في قضية الموت الحقيقي.
وقال: إنه في حالة إصدار فتوى مثل هذه يجب عمل لجنة مشكَّلة من أهل الثقات في الطب والشرع والفقه تناقش القضية من كافة جوانبها، وإصدار فتوى مرنة لا تقيد الأطباء، واعتبار الحالة المرضية هي الفيصل في نزع الأجهزة أم تركها.
كما استنكر تسييس فتوى بهذا الحجم قبل مناقشة القانون بمجلس الشعب، واعتبرها خطأ لا يجب أن يمر على كيان كبير مثل المجمع.
رفض
فيما رفض الدكتور مصطفى الشكعة عضو مجمع البحوث الإسلامية التعليق على الفتوى الصادرة من المجمع، وقال إنه لا يمكنه التعليق على ما أقره المجمع بغالبية الأعضاء، مشيرًا إلى أنه قبل إصدار الفتوى تمت مناقشة الأمر بعمق واستفاضة، كما رفض أن يعلن عن رأيه الشخصي في هذه الاشكالية.
وأشار إلى أن الشورى هي ما حكمت في النهاية اختلاف العلماء في المجمع، وأضاف: إن هناك العديد من العلماء الذين اختلفوا مع رأي المجمع من خارجه.
فتوى مسيَّسة
د. أكرم الشاعر

ويوضح النائب الدكتور أكرم الشاعر عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين وعضو لجنة الصحة بمجلس الشعب أن فتوى المجمع مسيَّسة لتمرير قانون زراعة الأعضاء، مشيرًا إلى أن الموت الحقيقي هو توقف القلب والمخ معًا، وهو المتعارف عليه منذ ميلاد سيدنا آدم.
وقال إن الموت قضية محسومة لا تتبدل ولا تتغير إلى يوم القيامة، ولا يمكن تغييرها بهدف تمرير قانون أو إصدار آخر، مشيرًا إلى أن العلم سيتقدم ويثبت بعد ذلك أن كل من قُتل وتم اعتباره ميتًا حقيقيًّا كونه ميتًا إكلينيكيًّا فذنبه في رقبة من أصدر هذه الفتوى.
وأشار إلى أن الله كرَّم الإنسان، ولكن هذه الفتوى اعتبرت الإنسان كالثلاجة أو العربة، وتناسى أنها روح ونفس يجب أن يتحروا الدقة وكافة السبل قبل الحكم عليها.
وأضاف: يبدو أن الحكومة ضاغطة على المجمع، وتقول إن الدول العربية كلها أجازت مثل هذه الفتوى حتى تستطيع تمرير القانون المزمع بشأن نقل الأعضاء، مشيرًا إلى المجمع تناسى الفتوى التي أفتى بها المفتي السابق نصر فريد واصل وشيخ الأزهر الأسبق جاد الحق علي جاد الحق والتي تقضي بأن الميت إكلينيكيًّا ليس بميت.
وأوضح أنه لا يجوز نقل الكبد أو الكُلى من ميت للحي، واعتبر أن المحتضر هو الوحيد الذي يمكن النقل منه، وهو الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة، وهو ما لم يقره المجمع في دورته الأخيرة.
واختتم كلامه قائلاً: اعتبار الميت إكلينيكيًّا ميتًا حقيقيًّا، كأنها تسبق ملك الموت في إنهاء حياة هذا المريض والميت إكلينيكيًّا، وهذا لا يجوز شرعًا وطبيًا.
فتوى سرية
علي لبن

ويستنكر علي لبن عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين وعضو اللجنة الدينية الإجراءات القانونية التي أدت إلى هذه الفتوى المزورة التي نُسبت إلى مجمع البحوث الإسلامية في دورته الثالثة عشرة، وقال إن الفتوى تمت سرًا وفي الكتمان، ومن دون الإعلان عن عدد الحضور ونسبتهم، وعن توافر شروط المادة 22 من القانون 103 لسنة 1961م والمتعلقة بعدد الحضور.
وقال إن الفتوى ظهرت للجميع دون أي مقدمات، ودون النظر في ملخص آراء أعضاء المجمع ومناقشاتهم، وغير ذلك من الإجراءات القانونية، متسائلاً عن سبب انعقاد الدورة الثالثة عشرة في هذا التوقيت بالذات بعد 7 سنوات من الانقطاع؛ مما أدى إلى فوضى الفتاوى والتي أدت إلى تعطل المادة 15 من القانون، والتي تشير إلى أن المجمع هو الجهة العليا لبيان الرأي فيما يستجد من مشكلات مذهبية واجتماعية ذات صلة بالعقيدة.
وقال إنه سيتقدم ببيان عاجل لرئيس مجلس الوزراء بصفته وزير شئون الأزهر؛ ليستفسر منه عن اجتماع المجمع وإصدار مثل هذه الفتوى المختلف عليها في هذا التوقيت بالذات، وعدم اجتماعه لإدانة ما حدث لإخواننا في غزة أو في العراق، أو لإدانة الحرب الشرسة ضد الإسلام والمسلمين بعد أحداث 11 سبتمبر.
تجارة رائجة
![]() |
|
عبد الحليم قنديل |
ويوضح أن المشكلة في مصر ليست في وجود قانون يحمي أو يمنع؛ لأن القانون في مصر "يداه قصيرة" ولا يستطيع تعقب من يخالفه، بالإضافة إلى أن ضمانات نقل الأعضاء بصورة لا تخالف القانون غير موجودة.
