سري سمور

 

وفدٌ بل وفودٌ برلمانيةٌ أمريكيةٌ وأوروبية تلتقي قيادة حركة حماس في دمشق، ومسئولون أوروبيون ودوليون يزورون قطاع غزة بعد الحرب العدوانية، ورغم أنهم لم يلتقوا- على الأقل علنًا- قيادة حركة حماس والحكومة في غزة، إلا أن القاصي والداني يعلم بأن هؤلاء ما كانوا ليدخلوا إلى القطاع ويجوبوا شوارعه بحرية لولا موافقة وحماية من حماس، وقد كان كافيًا أن يرفع أحد الضباط في غزة سماعة الهاتف ليبلغهم أو يبلغ أي طرفٍ معني بأنهم غير مرغوب فيهم، فتُلغى الزيارة أو تقطع؛ فكل مَن دخل قطاع غزة أو سيدخله من بان كي مون وحتى توني بلير مرورًا بـ أو وصولاً إلى كل وفدٍ برلمانيٍّ أو حكومي أو غيره قد أخذ موافقة ضمنية أو صريحة من حماس وحماية منها، وبعد انتهاء الحرب على غزة خرج قادة وساسة وبرلمانيون من أمريكا وأوروبا بدعوات صريحة للحديث مع حماس والتخلي عن سياسة مقاطعتها؛ لأنه ثبت بالتجربة والبرهان القطعي أنها سياسة "غير ناجعة" بل وصل الأمر بوزير خارجية سابق في حكومة الاحتلال وهو شلومو بن عامي أن يدعو للحوار مع حماس!

 

عودة إلى العصا والجزرة

في ذات الوقت ورغم استئناف الحوار الفلسطيني- الفلسطيني في القاهرة، فإن هناك تشنجًا ومواقف أمريكية تعيق التوصل لاتفاق بين حماس وفتح؛ فالأمريكيون يضعون اشتراطات على شكل الحكومة الفلسطينية القادمة وبرنامجها، ولا ننسى تصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية الجديدة هيلاري كلينتون حول ضرورة اعتراف حماس بإسرائيل، وهذه اشتراطات تتنافى مع أبجديات حماس السياسية والأيديولوجية، ومما زاد الطين بلة تعنت أولمرت في ما يخص صفقة تبادل الأسرى؛ مما أدَّى إلى توقف المفاوضات بهذا الشأن حتى اللحظة، وشروع سلطات الاحتلال باتخاذ إجراءات ضغط وابتزاز على حماس لتتراجع عن طلباتها لإبرام الصفقة، وتمثَّلت الإجراءات بتشديد الخناق والحصار على قطاع غزة المحاصر أصلاً منذ يونيو عام 2007م، وربط إدخال مواد أساسية للقطاع بإطلاق سراح الجندي الأسير، واعتقال العديد من قيادات حركة حماس وعناصرها في الضفة الغربية بينهم نواب في المجلس التشريعي ووزير سابق، والإعلان عن نية مصلحة السجون فرض إجراءات قمعية ضد المعتقلين من حركة حماس في سجون الاحتلال؛ لذات الغرض.

 

صورتان في نفس الإطار!

صورتان متناقضتان تبدوان أمامنا في المشهد الحمساوي والفلسطيني، صورة انفتاح ولو خجول ومتحفظ على حماس وإظهار رغبة في محاورتها والتواصل مع قيادتها، مع إشاراتٍ واضحةٍ بإمكانية تقبلها في المعادلة السياسية، ونعلم بأن حماس موجودة في المعادلة وتفرض نفسها فيها، بما لها من حضورٍ شعبي وجماهيري ومقاومة وتمثيل رسمي في المجلس التشريعي الذي فازت بأغلب مقاعده؛ لكنَّ بعضًا من الأمريكيين والأوروبيين دون مستوى صناع القرار، ولو أنهم ليسوا بعيدين كثيرًا عن هذا المستوى، يُعطي هؤلاء إشاراتٍ أنه يمكن بل يجب أن يكون حضور حماس الواقعي الواضح في المعادلة الفلسطينية بكل تفاصيلها بلا حصارٍ أو نبذ أو تجاهل.

 

والصورة المناقضة هي تجاهل الحكومة في غزة في مسألة إعادة إعمار قطاع غزة، كما جرى في مؤتمر شرم الشيخ، رغم أن هذه الحكومة هي التي تمسك بمقاليد الأمور في القطاع، كما يعلم الجميع من أعداء وأصدقاء حماس، إضافةً لتصعيد الاحتلال لحملاته المسعورة ضد حماس، ناهيك عمَّا ألحقته أجهزة أمن السلطة في الضفة الغربية من أذى أضر بالحركة ومؤسساتها، وأجهزة أمن السلطة تخضع لإشراف وتدريب أمريكي معلن وواضح!.

 

الصورتان توحيان بعودة سياسة "العصا والجزرة" في التعامل مع حركة حماس، كبديلٍ عن سياسة الإقصاء ومحاولات الاستئصال والمقاطعة الشاملة والملاحقة التي اتبعت في التعامل مع الحركة، والتي تصاعدت بعد فوز الحركة في الانتخابات وتشكيلها للحكومة العاشرة في السلطة، وقيادتها للحكومة الحادية عشرة التي لم تعمر طويلاً، وبلا شك فإن الحربَ على غزة قوَّت التيار الداعي لاتباع السياسة القديمة- الجديدة مع حماس، والحقيقة أن هذه السياسة ظلَّت قائمة حتى الأشهر الأولى من عهد جورج بوش، والذي تذرع بأحداث الحادي عشر من سبتمبر لانتهاج سياسة جديدة واضحة في عدوانيتها: "من ليس معنا فهو مع الإرهاب"، واستمرت السياسة الأمريكية على هذا المنوال إلى حين ظهور إخفاقات واضحة في أماكن شتى من العالم، خصوصًا في العراق وأفغانستان وما أبدته حكومة كوريا الشمالية من صلابةٍ وعدم حسم المشروع الصهيوني للوضع في فلسطين، والتي استمرت فيها المقاومة بوتيرة تتصاعد أحيانًا وتخف أحيانًا أخرى، فظهر تقرير بيكر- هاملتون أواخر عام 2006م، الذي تحفظ عليه بوش واعتبره "قاسيًا"، وامتعض منه المحافظون الجدد الذين سيطروا على سياسة واشنطن لسنوات، ثم جاءت الأزمة المالية العالمية، وفوز باراك أوباما الذي وعد بالتغيير في ملفات عدة منها العلاقة مع العالم الإسلامي.

 

لفلسطين نظرة خاصة!

لكن الأمر الثابت الذي لا يقبل التغيير في واشنطن سواء كانت قيادتها جمهورية بوشية أو ديمقراطية أوبامية، هو دعم إسرائيل المطلق ودوام تفوقها النوعي في المنطقة، والتصدي الصلب لكل مَن يقاومها ويدعو لاستخلاص ولو جزء بسيط مما تحتله عبر المقاومة، وحماس من هذه الفئة، ولا يمكن لواشنطن أن تغير سياستها معها إلا بشروطها المعلنة، إلا إذا حدثت تغيرات دراماتيكية في العالم، وشروط واشنطن لتقبل حماس، هي شروط فيما لو التزمت بها الأخيرة فكأنها لم تضحِ ولم تقاوم ولم تقدم خيرة قادتها كشهداء وأسرى على مدار السنوات العشرين الماضية، بل إن مبررَ وجودها قد يصبح محل تساؤل، إذ ستبدو وكأنها بدأت من حيث انتهى الآخرون أو انتهت من حيث بدءوا، أي الدخول في سوق المفاوضات العبثية، والجري وراء شكل وهمي للسياسة أو السلطة، ليبدو كل المشهد الفلسطيني مأساويًا وبلا جدوى!.

 

علام إذن يحاورون حماس ويدعون لرفع الحصار عنها وتقبل وجودها بفاعلية في التركيبة السياسية؟ حقيقة هم يسعون لجر حماس إلي سلم التنازلات خطوة خطوة منذ زمن، وتمثل الحوارات واللقاءات الموازية للحصار والقمع والملاحقة منظومة متكاملة في هذه السياسة؛ لأنهم يئسوا من إمكانية شطب حماس واستئصالها وتحويلها أثرًا بعد عين بالقوة العسكرية والأمنية.

 

سياسة الإغراءات بلقاءات مع رؤساء دول وساسة وبرلمانيين والأضواء الإعلامية التي تصاحب مثل هذه اللقاءات، يرى أصحابها أنها ستؤتي أكلها، خاصةً إذا ما قُرنت بوعود بالمزيدِ مع تخفيفٍ مدروسٍ ومتدرجٍ لإجراءات المقاطعة والحصار، تتزامن بالضرورة مع تخلي حماس عن المقاومة، العسكرية منها خاصةً أو تجميدها.

 

بديهة يمكن القول بأن حماس ليست ساذجةً ولن تُدخل نفسها في سوق ثبت كساده وتقييد المقاومة بحجةِ الحوار مع أطراف أوروبية وأمريكية يقود إلى عواقب وخيمة، بل يصبح هذا الحوار بحدِّ ذاته عامل ابتزاز، خذ مثلاً حوارات حكم بلعاوي مع روبرت بللترو في تونس أواخر الثمانينيات؛ حيث أوقفتها واشنطن بعد قيام مجموعة تابعة لمنظمة التحرير (منظمة أبو العباس) بعملية اختطاف للسفينة أكيلي لاورو وقتل شخص يهودي على متنها.

 

وهذا يعني أن حماس أيضًا مطلوب منها أن توقف المقاومة بمجرد الحوار مع الأمريكيين والأوربيين!.

 

ربما يرى مراقبون أن هناك مرونةً بهذا الخصوص؛ أي أن المقاومة المسلحة قد تستمر مع الحوار بدليل أنهم يطرحون فكرة الحوار مع أطرافٍ من طالبان، وربما يحاورونها سرًّا، كما أن بريطانيا أعلنت عن استعدادها للحوار مع حزب الله في لبنان, ولكن يغيب عن ذهن هؤلاء أن المقاربة الأمريكية والغربية عمومًا فيما يخص فلسطين وحركاتها وقواها الفاعلة تختلف تمامًا عن غيرها؛ نظرًا لعوامل الملف الفلسطيني المعقدة وهيمنة اللوبي الصهيوني المطلقة على القرار الأمريكي في التعامل معه.

 

فقد جرت مصالحة بين الأطراف اللبنانية في الدوحة ونجح الحوار وانتخب رئيس جمهورية جديد وشُكِّلت حكومة تشارك فيها مختلف القوى اللبنانية، علمًا بأن الوضع اللبناني له تعقيدات داخلية أكثر بكثيرٍ من الوضع الفلسطيني؛ نظرًا لاختلاط السياسي بالطائفي وتنوع التحالفات والولاءات وعمق الخلافات ودرجة العداء في حالة لبنان، فيما كان هناك فيتو أمريكي على مجرد عقد لقاء بين فتح وحماس إلا إذا تنازلت حماس عن مواقفها السياسية سلفًا والتزمت بشروط الرباعية قبل أي حوارٍ أو لقاء، وأستطيع القول أنه لولا حرب غزة وصمود المقاومة لما كان هناك أي حوارٍ بين الطرفين!.

 

سياسة العصا والجزرة نجحت إلى حدٍّ كبيرٍ في التعامل مع منظمة التحرير وحركة فتح، وتم جر فتح تدريجيًّا إلى دائرة التنازل قبل التفاوض، ثم التفاوض، ثم عقد الاتفاقيات المبهمة والجزئية، وكل ذلك متلازم مع نبذ المقاومة بل حتى تجريمها ومحاربتها، من حركة لطالما افتخرت بأنها كانت "أول الرصاص"، وأنها تحدت نظرية التوريط والتوقيت غير المناسب.

 

صحيح أن هذا تم باستغلال عوامل دولية إقليمية لعبت لصالح هذه السياسة، مثل انهيار نظام القطبين عالميًّا وتبعات احتلال الكويت، وحالة النظام العربي الرسمي المزرية، ولكن العامل الأهم- من وجهة نظري- هو استغلال وجود فريق مغامر داخل المؤسسة الفتحاوية يؤمن بالتفاوض بعد التنازل المسبق، ولا يرى أي جدوى من المقاومة بشكلها المسلح، وقد انتفش هذا الفريق وقوي؛ لأن الفريق الآخر تراجع لأسباب معروفة... والآن يريدون أن يلعبوا مع حماس بنفس الطريقة ويتبعوا معها نفس السياسة، فهم يرغبون بإيجاد فريق داخل حماس يخدعه بريق السلطة وتغريه شكليات العمل السياسي "السلمي" لتلحق حماس بفتح والمنظمة وتجد نفسها في ذات الورطة!.

 

الأيديولوجيا واتخاذ القرار

ولكن هل ستنجح هذه السياسة؟

بإلقاء نظرة على العامل الداخلي لحركة حماس، وهو الأهم نرى أن حماس حركة مؤدلجة، وأن البراجماتية السياسية قد تكون جزءًا من هذه الأيديولوجيا، ولكن الحركات المؤدلجة عمومًا تبقى منضبطةً وتضع لنفسها خطوطًا حمراء لا يمكن أن تتجاوزها بدواعي البراجماتية والواقعية السياسية، كما أننا نرى بأن حماس لا يُديرها أو يحكمها شخص واحد فقط، فقد كان عرفات في حالة فتح هو المفتاح الرئيسي بل ربما الوحيد، وتطلب الأمر استدراجه بالأسلوب الذي آمن به وهو "التكتيك والمرحلية" إلى أن انتهت الأمور إلى ما نعرف من حصاره ثم تسميمه.

 

أما حماس فإن لها مؤسسات وهيئات قيادية في الداخل والخارج وفي سجون الاحتلال تجري مشاوراتها وتدرس الموقف وتخرج بوجهة نظر متفق عليها، فآلية اتخاذ القرار داخل حماس محكمة ومتقنة، خاصةً مع فشل محاولات اللعب على وتر قيادة الداخل والخارج وغزة والضفة والجناح العسكري والسياسي طوال السنوات الماضية، وهذا أمر مهم في وصول سياسة الاستدراج إلى نتيجةٍ لا يرغبها واضعوها: الإخفاق!.

 

حاجات الناس ومواقف حماس

ما دام الأمر كذلك فلماذا مطلوب من الشعب الفلسطيني أن يدفع ثمن مواقف حماس السياسية، وتمسكها بمبادئها؟ ثبات حماس وعدم تفريطها وفشل سياسات الترغيب والترهيب معها أمر يحسب ويُسجَّل لها، ولكن هناك آلاف المواطنين المشردين الذين يفترشون الأرض ويلتحفون السماء في قطاع غزة بعد الحرب الأخيرة، وهناك حصار خانق على القطاع يمنع دخول حتى كيس واحد من الإسمنت أو قضيب واحد من حديد تسليح المباني، وموقف مصر من فتح معبر رفح بات معروفًا، ولم تجدِ في تغييره كل المظاهرات والمسيرات والاعتصامات والنداءات، فإعمار القطاع وإيواء المشردين ضرورة وحاجة ملحة للناس، ولا يمكن أن يبقوا ينتظرون حتى تغير الوضع الدولي والإقليمي، وهو تغير قد لا يحدث إلا بعد سنين، ونفوس مَن باتوا بلا مأوى من طبيعتها العصبية وتفكيرهم يكون منصبًا تجاه خلاصهم من واقعهم المأساوي أكثر من أي شيء آخر، بل قد يصلون إلى مرحلة الجنوح إلى الخلاص من واقعهم بأي ثمن سياسي كان صحيح أنهم قد يثبتون ويصمدون، ولكن حالة الصمود والثبات تتناقص تدريجيًّا مع الزمن!.

 

هذا يذكرنا بفرض الحصار على الحكومة العاشرة بقيادة حماس، فالناس رغبوا في أن تكون إمكانيات وعلاقات السلطة وإداراتها وهياكلها بيد حماس، لما خبروه عنها من حسن إدارة ونظافة يد، ولكنهم لم يتوقعوا حصارًا خانقًا ظالما.. بعبارةٍ أخرى سؤال يفرض نفسه: لماذا يدفع الناس ثمن تمسك حماس بمواقفها وسياستها؟!.

 

هذه معضلة وعقدة كبيرة على حماس أن تحلها بمنتهى الحكمة والذكاء، ولكن بسرعة وبلا تأخير، فكل يوم يمضي سيضر بحماس مثلما يؤذي الشعب الذي احتضنها، ولتتذكر حماس أن للناس قدرةً محدودةً على البذل والتضحية والعطاء والصمود، ونحن في زمانٍ لا يُعطي الناس فيه "شيكًا مفتوحًا" في ما يخص معاناتهم ومبيتهم في الخيام، أما ما قد يضربه البعض من مثالٍ من واقع السيرة النبوية العطرة بحصار قريش للنبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه وأقاربه حتى غير المسلمين منهم لثلاث سنوات متواصلة في شعب أبي طالب، فأولئك أناس ليس كمثلهم أناس في عصرنا، ولدينا أدلة كثيرة تثبت ذلك.. حسنًا هل الحل بخضوع حماس، ورفعها الراية البيضاء والسماح لكل مَن يناقضها سياسيًّا باستغلال ملف الإعمار المسيّس؟ كلا طبعًا، ولا يكون الحل أيضًا بالتظاهرات والاعتصامات وتوجيه النداءات والاستغاثة ممن تحجَّرت قلوبهم، مطلوب من حماس عمل موازنة بين الحفاظ على مواقفها وثباتها عليها وبين حاجات شعب تآمر عليه القريب والبعيد وخضع لكل أصناف المخططات القذرة، وهو غير ملام إذا كان تفكيره مختلف عن متطلبات الصمود والثبات.

 

حماس في ظل الأزمة المالية العالمية وصعود قوى دولية وإقليمية جديدة يمكنها أن تمارس "الابتزاز السياسي" في سبيل الموازنة المطلوبة، يمكن تسليم الملف للأونروا أو غيرها من المنظمات الدولية، وأن تقدم ثمنًا محتملاً لإعادة الإعمار ورفع الحصار، ولا ننسى أن الذين يحاصرونها أناس بلا مبادئ أو أخلاق وعقيدتهم هي "الدولار واليورو والشيكل" ويمكنها اختراقهم من هذه الثغرة، والتلميح يغنيني عن التصريح!.

 

سلاح المقاومة بني الحاضر.. ويضمن المستقبل

في نهاية الحديث لا بدَّ من التذكير بأمر مهم، وهو السلاح الذي لولاه لما كان لحماس وجود بهذا الحجم، ورجال المقاومة في حماس (كتائب القسام) والذين بدمائهم وعذابات أسراهم ورباط طلائعهم، وفعلهم على الأرض، بلغت حماس الذرا، فهؤلاء هم صناع المجد الحقيقي، فبفضلهم أيد الناس حماس، وبفضلهم تمت حماية حماس من الاستئصال، ولهذا نرى دولاً عظمى وكبرى تجتمع وتوقع اتفاقيات لحرمانهم من التسلح، فعلى حماس، بالتوازي مع تفكيرها وتخطيطها لرفع الحصار وإعادة الإعمار، أن تضمن لهؤلاء الرجال كل أنواع السلاح، وأن تسعى على مدار الساعة لتطوير قدراتهم القتالية، وأن تسعى لزيادتهم نوعًا أولاً وكمًّا ثانيًا، ولتتذكر حماس بأن فتح حين رمت البندقية، جرى لها ما جرى ويجري، وأن فتح أخذت مجدها وعزها حين كان العسكر في صلب اتخاذ القرارات فيها.

 

وفي حديث مع القيادي البارز في كتائب القسام "أحمد الجعبري، أبو محمد" أجرته مجلة الثبات قبل مدة سُئل الجعبري أسئلة عدة يهمني هنا سؤالان منها وإجابته عليهما:-

 

* يتساءل الكثير من أبناء الحركة وغيرهم عن مستقبل الجناح العسكري "كتائب القسام" بعد إن أصبحت الحركة تمثل السلطة, وفي ظل الضغوط التي تطالبها بتفكيك الجناح العسكري.. ما ردكم علي ذلك؟

** وكانت إجابته: الجناح العسكري كتائب الشهيد عز الدين القسام سيبقي حصن المقاومة في فلسطين، وسيكون صمامًا لأمان هذا الشعب لحماية مقدراته والذود عن حياض الأمة وحمية ثغور الوطن, فهو بعد الله أملنا في حماية الإسلام والمسلمين ودعوتنا المباركة التي هي أمل الأمة العربية والإسلامية؛ لذلك سنحافظ على هذا الجهاز بعيدًا عن السلطة حتى وإن أمسكت حركتنا الغرَّاء حماس بالسلطة, وسيتطور هذا الجهاز إن شاء الله وسيزداد عدةً وعتادًا بعون الله ورعايته.

 

* هل تري من الصواب انضمام أبناء كتائب القسام إلى أجهزة السلطة الأمنية في المستقبل وبعد تشكيل الحكومة؟

** وكانت إجابته: أنا أرى أنه ليس من الصواب أن ينضم أبناء القسام إلى أجهزة السلطة الأمنية, وعليهم أن يحافظوا على مواقعهم في حماية ثغور الوطن, ويواصلوا مشوارهم في التحرير حتى يأذن الله بالنصر.

 

هذا عين العقل؛ لأن فتح حين انخرط مقاتلوها بالسلطة الفلسطينية، وذلك قبل عملية التحرير، أعني تحرير الضفة والقطاع، حسب استراتيجيتهم، تحوّل هؤلاء إلى موظفين، فخسروا على المستوى النفسي والمعنوي، وخسرت الحركة على المستوى السياسي والتفاوضي والشعبي، وبهذه العقلية وهذا المنطق الذي طرحه الجعبري ستفشل كل محاولات الاحتواء و"جر الرجل" نحو التنازلات، ومحاولات الإغراء بالسلطة وبريقها، فهؤلاء الرجال يشكلون ضمانة لوجود حماس الفاعل، ورأس حربة في مقاومة الاحتلال لدحره وإجباره على التنازل والرضوخ، والله الموفق.

-------------

* قرية أم الشوف المدمرة- قضاء مدينة حيفا المحتلة

 جنين- فلسطين المحتلة

sari_sammour@yahoo.com
s_sammour@hotmail.com