ما يزال رموز أوسلو ومروِّجوها ومطبِّعوها يحاولون وبشتى الطرق جر القوى الفلسطينية الأخرى المتمسكة بحقوق شعبنا إلى خطيئتهم وجريمتهم عبر شتى الوسائل والطرق، وكانت آخر إبداعاتهم السياسية موضوع "الالتزام" بما وقعته والتزمت به منظمتهم المتهالكة والمختطفة.
إن الاعتراف بشرعية الاحتلال على أرض فلسطين هو جريمة يرفضها غالبية الشعب الفلسطيني الساحقة، اللهم إلا من تخلَّص من كرامته وشرفه، كمن اعتبر أنها "مش راس كليب"، لكنها تبقى جريمة أحادية فردية، مقابل سلسلة الجرائم والمخازي التي يُراد لشعبنا أن يكبَّل بها من ميراث أوسلو، ومهندسي أوسلو؛ وتحديدًا عرفات، ووريثه الشرعي عبّاس الذي اتخذ شعار "وفاق درب الثورة وسلام الشجعان" لحملته الانتخابية، وتظهر فيه صورته وصورة خلفه الذي وقع صك بيع فلسطين في 09/09/1993م.
لكن ما يطلبه ورثة أوسلو أخطر من مجرد اعتراف، بل هو رزمة من التفريط، والبيع والسقوط السياسي، يتجاوز مجرد الاعتراف إلى التنسيق، والتحالف والشراكة الكاملة مع المحتل، مع تجريم وتحقير وتسفيه شعبنا ومقاومته.
لقد لخَّص هذه الالتزامات المهندس إبراهيم غوشة حين وضعها بشكل نقاط سريعة، نعرضها ليقرأها مَن في قلبه ذرة شك في توجه، وانتماء مَن يدعون للالتزام بمنظمة تحولت مهمتها من التحرير إلى التمرير:
أضواء على التزامات منظمة التحرير
في حوارات القاهرة الأخيرة شدَّدت حركة فتح على ضرورة التزام حكومة التوافق الوطني بالتزامات منظمة التحرير الفلسطينية.. ونحن هنا نريد أن نفحص ونراجع هذه الالتزامات.. فما هي؟؟
* قرارات المجلس الوطني في 15/11/1988:
أهم ما اشتملت عليه هذه القرارات هو الاعتراف بقرار 242 الذي يتضمن التنازل عن 78% من مساحة فلسطين التاريخية والاعتراف الضمني بدولة الاحتلال، وقد تم تمرير ذلك بإعلان الدولة الفلسطينية ليس على الأرض؛ ولكن في الهواء.
* الرسائل المتبادلة بين رابين وعرفات في 9/9/1993:
اعترفت "م.ت.ف" بحق "إسرائيل" في الوجود مقابل اعتراف "إسرائيل" بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلة للشعب الفلسطيني، ونبذ العنف، ومواجهة فصائل منظمة التحرير التي تخرج على الاتفاق.
* اتفاقية أوسلو في 13/9/1993:
دعت لتشكيل حكم ذاتي خاضع للاحتلال في مناطق (أ) إداريّة وأمنيّة للسلطة الفلسطينية، و(ب) إدارية للسلطة الفلسطينية وأمنية للاحتلال، و(جـ) إدارية وأمنية للاحتلال، وتأسيس شرطة فلسطينية قوية للتصدي "للإرهاب" الفلسطيني وبأسلحة خفيفة ترخّص من الاحتلال، وعلى أن تناقش القضايا الأساسية مثل القدس والحدود والمياه واللاجـئين وغيرها بعد (5) سنوات. وقد ألحق بها بعد ذلك اتفاقية باريس الاقتصادية التي ربطت الاقتصاد الفلسطيني كليًّا بالاحتلال.
* اتفاقية القاهرة 1994:
حددت الخرائط المتعلقة بأوسلو.
* اتفاقية تقسيم الخليل:
تم تقسيمها إلى منطقة (H1) تحت سلطة الفلسطينيين ومنطقة (H2)، وهي منطقة الخليل القديمة وسكانها حوالي 30 ألف نسمة تحت سلطة الاحتلال، واستيلاء اليهود على معظم الحرم الإبراهيمي.
* قرارات شرم الشيخ في 13/3/1996:
تتعلق بالتصدي المشترك للمقاومة الفلسطينية (حماس والجهاد) تحت مسمى محاربة "الإرهاب".
* تعديل الميثاق الوطني الفلسطيني في اجتماع المجلس الوطني عام 1996 وعام 1998
تم شطب وإلغاء بنود الميثاق التي تتحدث عن الحدود التاريخية لفلسطين، وعن الكفاح المسلح كطريق وحيد لتحرير فلسطين.
* إقرار المبادرة العربية عام 2002م:
تدعو للاعتراف بدولة الاحتلال والتطبيع العربي ثم الإسلامي، وحل قضية اللاجئين بالمفاوضات والتفاهم، مقابل دولة على حدود 4 يونيو 1967م.
* خارطة الطريق عام 2004م:
ألزمت السلطة الفلسطينية بمحاربة قوى المقاومة وتفكيكها تحت عنوان "محاربة الإرهاب"، مقابل وقف الاستيطان في الأراضي الفلسطينية، وهو ما لم يتوقف للحظة واحدة حتى تاريخه.
* اتفاقية معبر رفح في نوفمبر2005م:
ربطت المعبر بالهيمنة الصهيونية مع أن شارون فكك مستوطنات قطاع غزة، وأعلن الانسحاب من طرف واحد.
* تفاهمات أنابوليس عام 2007م:
مهدت لمفاوضات عبثية بين أولمرت وعباس، وبين قريع وليفني تحت وَهْم إعلان الدولتين حسب وعد جورج بوش الوهمي في نهاية عام، 2008 وقد تم في هذه الفترة توسيع وتدريب شرطة السلطة تحت إشراف الجنرال دايتون من أجل التصدي للمقاومة الفلسطينية (حماس والجهاد)؛ حيث تم الزج بالمئات في السجون، وكذلك التنسيق الأمني بين شرطة عباس، وجيش الاحتلال والتفاهم على نشاط الاحتلال في ساعات الليل، ونشاط شرطة عباس في ساعات النهار.
* شروط الرباعية:
الاعتراف "بإسرائيل" ونبذ العنف (المقاومة) والتقيد بالاتفاقيات السابقة.
هذه هي الالتزامات التي يريد عباس، ومبارك وأولمرت وكلينتون والاتحاد الأوروبي فرضها على المقاومة الفلسطينية؛ حتى يتم الوفاق والاتفاق والبدء بإعادة إعمار قطاع غزة، ورفع الحصار، وفتح المعابر.
إن أي فلسطين حصيف لا يمكن أن يلتزم أو حتى أن يحترم هذه القيود والالتزامات اللاوطنية. انتهى الاقتباس.
يقول الكاتب صلاح حميدة في موضوع منظمة التحرير تحديدًا واسطوانة الالتزام:
وبالعودة إلى المطالبة بالالتزام الفلسطيني والحكومة الفلسطينية، بما التزمت به منظمة التحرير الفلسطينية، فهذه الالتزامات غير ملزمة للقادمين الجدد للمنظمة والحكومة لعدة أسباب:
1- هذه التزامات تنتقص حقوق الشعب الفلسطيني الثابتة والمحقة، والتي لم يخوِّل لأي أحد (منظمات وأفراد) هذه المنظمة أن تتنازل عنها.
2- هذه المنظمة بكل أطرها غير شرعية التمثيل، ولا تمثل إلا النزر اليسير من الفلسطينيين، فهي عمليًّا بالتزاماتها تنازلت عن حقوق نصف الشعب الفلسطيني في الشتات وبالتالي فقدت تمثيلها لهم تلقائيًّا، وهي تنزع عن نفسها تمثيل مليون فلسطيني في الداخل الفلسطيني المحتل، بتأكيدها "أسرلتهم"، وبالنسبة للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، بينت الانتخابات أن هذه المنظمة لا تمثلهم أيضًا، فضلاً عن عدم تمثيل المنظمة للقوى الرئيسية في الحركة الوطنية الفلسطينية.
3- الالتزامات، هي التزامات بين دول، لا التزامات بين دول ومنظمات، وبالرغم من ذلك لم تلتزم الدول بها، وأي دولة تجد أن أي التزامات سابقة أضرت بمصالح شعبها وأذلته، لا بد لها؛ بل يجب عليها رميها في سلة النفايات، وهذه الاتفاقيات ليست قدرًا على الشعوب.
4- منذ توقيع اتفاقيات منظمة التحرير ودولة الاحتلال وحتى اليوم، أثبت الواقع على الأرض أن الطرف الثاني من عقد التوقيع على الاتفاقيات لم يلتزم بها، بل إن من قادة حكومات الاحتلال مَنْ أعلن أن (أوسلو لم تُعِدّ قائمة) ولم تعد الاتفاقية فقط مثل (الجبنة السويسرية) من كثرة الخروقات فيها، بل الأرض الفلسطينية أصبحت كذلك من كثرة إعمال الجرافات والاستيطان فيها، والجسد الفلسطيني أصبح كذلك من كثرة اختراق الرصاص والقذائف له أيضًا، بل وصلت الأمور إلى قتل دولة الاحتلال لشريكها في التوقيع على الاتفاقيات. انتهى الاقتباس.
إن الالتزام بجرائم منظمة التحرير يرفضه حتى مَنْ هم شهود زور في لجنتها التنفيذية من الفصائل الأخرى، بل يرفضون حتى احترامها؛ لأن هذا الالتزام المزعوم هو أخطر وبكثير من مجرد الاعتراف.
إن أي طرف مهما كانت شعبيته وجماهيريته، سيكون شريكًا كاملاً في جرائم منظمة التحرير الفلسطينية بحق شعبنا وقضيته وحقوقه، إن هو وافق أو التزم بما وقعته، أو دخل تلك المنظمة دون إعادة بنائها من الجذور، وضمن الثوابت الفلسطينية المعروفة، ولا نستثني أحدًا.
إياكم ثم إياكم يا من تتحاورون في القاهرة أو غيرها من الانزلاق والانجرار خلف من فرّطوا وتنازلوا، وإياكم ثم إياكم من الوقوع في شركهم وتحت أية مسميات.
----------------