قرأتُ بعضَ المديح الذي لم يعجبني، والذي علَّق عليه أستاذنا فاروق جويدة، في أهرام 10/4/ 2009م
قرأتُ المديحَ فما سرَّني فزادت شجوني وزاد الألمْ
تذكّرتُ عِطرَ الزمانِ الجميل بشعرٍ ونثرٍ بديعِ النّغمْ
تذكّرتُ من سطّروا المَكْرُماتِ تُزكّي النفوسَ وتُعلي الهممْ
فهذا البوصيريُّ في بُرْدتهْ يُسطّر مدحًا رقيقَ النسمْ
فمولاي صلِّ وسلّم على نبيِّك أحمدَ هادي الأممْ
وشوقي يُجدد في نهجها ويُدلي بدلو لكي يغتنمْ
وريمٌ على القاع لمَّا رنا أصاب بجُرْحٍ خلا مِنْ ألمْ
صلاحُ الأمورِ بأخلاقها فقوِّم نفوسًا بها تستقمْ
إلي عرفاتٍ بها قد شدا فتشعر لو كنتَ قُربَ الحرمْ
تذكّرتُ آدابَ فنٍّ أصيلٍ يَبثُّ المعالي يَحثُّ القيمْ
وقُم للمعلم قيثارةً لتبجيل أستاذنا المحترمْ
تذكّرتُ حافظَ في وصفه لمصرَ العظيمةِ منذ القدمْ
بتاج العلاء يشبّه مصرَ بدُرَّاتِ عِقدٍ لها ينتظمْ
ورامٍ إذا رامَ مصر بسوء يعودُ بخِزيٍ له ما سَلِمْ
وكم ذا بمصرَ من المضحكات يُصرِّحُ بين الرجا والألمْ
وللفصحى قام لها وانبرى ليدفعَ عنها سقيمَ التُّهمْ
أنا البحرُ تلقى بأحشائه كوامنَ دُرٍّ لمن يغتنمْ
تذكَّرتُ ما كتب الرافعيّ خواطرَ شتّي بوحي القلمْ
فمنها البيانُ ومنها الربيعُ ومن يقرأْ الباقي منها انسَجَمْ
ومنها حديثُ اليمام الجميل تمنَّى الودادَ وعُشّاً يَضُمْ
ومالي وللنجم قال غُنَيم حنينًا لعهد العلا والكرمْ
فقد أرقته ببعض الليالي خواطرُ ذكرى لمجد الأممْ
ورامي يهيب بأهل الحمى ويفدي البلادَ بروحٍ ودمْ
فمصر التي تبقى في خاطري وذِكرٌ لها يبقى في كل فَمْ
ولكن نرى اليوم حالَ انحدارٍ فما عُدنا نسمع حُلو النغمْ
وما عُدنا نسمع صدقَ الحديثِ وما عُدنا نلمحُ طُهرَ القلمْ
سِوي من قليلٍ ونذرٍ يسيرٍ كما قلَّ عند الفقير الدَّسَمْ
نرى اللحن شاع بأهل البيانِ فتحتار عُرْبٌ هُمُ أم عجمْ
ولا أقصدُ اللحن في النَّحو، بل بشتَّى الآداب وشتى القيمْ
تفِرُّ الصحائف في كل يومٍ فتشعرُ بالحزن أو بالألمْ
وكم من برامجَ عَبْرَ الفضاء يُصيبك منها كثير السأمْ
فلا قولَ حقٍّ يَسرُّ النفوسَ ولا طِيبَ قول له تبتسمْ
وصرتَ تفتش بين السطورِ فلا من معانٍ بها أون َغَمْ
وإن مسَّ سمعَك بعضُ الغناء إذا بك تغبطُ أهل الصَّمَمْ
تكاد تضيقُ بسوءِ الأداءِ وتغتاظُ منه ويأتيك غَمْ
وغطَّى ضجيجُ نعيبِ الغرابِ على شدْو بلبل وقت النسمْ
وتبكي زمان الكلام النبيل وتبكي من الفصحى ما ينهدمْ
وأهل المدارس هل يُعذرون إذا الدّرسُ عزَّ على من فَهِمْ
فمن ذا يميّزُ نعتًا وحالاً وفِعلاً تعدَّى وفعلاً لزِمْ
ومن ذا يميِّزُ حرفَ النداءِ وواوًا لعطفٍٍ وواو القَسَمْ
ومن ذا يميِّزُ حُلو البيانِ وحُلْو البديعِ وحلو الشِّيمْ
فمن يا تُرى الآن من بيننا على الفصحى قد اعتدى أو هَجَمْ
ومن ذا تصدَّى لإضعافنا بهدم السلوك وهدم القِيمْ
ولكنَّ خطَّ الدفاعِ الأخيرِ جهودُ الفُرادى وأهلِ الكرَمْ
فكم عندنا من أبيٍّ كريمٍ بشرع الإله احتمى واعتصمْ!
وبيتٍ يُعلّم أولادَه معاني الفضيلةِ كي تُحْترمْ
وأمٍّ تلقِّنُ أطفالَهَا أصولَ الآداب وحلو الشِّيمْ
وراعٍ تعهَّدَ أبناءه بغرسِ السلوكِ وغرسِ القِيَمْ
وللفصحى لا شكَّ أنصارُها لها يعملون بعالي الهِمَمْ
فبالفصحى نفهمُ آيَ الكتابِ ونسبُر غورَ بديعِ الحِكَمْ
وبالفصحى نقرأُ قولَ الرسولِ جوامعَ هَدْيٍ بخيرِ الكَلِمْ
وفيها المعاني وفيها الجمالُ وفيها الآدابُ وحلو النَّغَمْ
وفيها الشعورُ وفيها الصفاءُ نرى الحسن فيها ارتقى وارتسَمْ