أتعرض للملامة والعتاب من بعض الأصدقاء الذين جمعني وإياهم الحب في الله، والأخوة الصادقة كلما هممت بالحديث عن صور مرفوضة أو سلوكيات خاطئة يقع فيها رفقاء الدرب، ويعتبرون ذلك نوعًا من جلد الذات وأسلوبًا من أساليب النقد المقعد.
وهذا في الحقيقة وجهة نظر شخصية إلى حد كبير، وجديرة بالاحترام والتقدير، غير أني في كل مقال أكتبه أتعرض بالنقد للسلوك وليس الشخص، كما أن الواقع والردود التي أتلقاها كلما تحدثت عن هذه الموضوعات كلها ردود إيجابية من القرّاء، وتواصل بنّاء معهم يصُب في النهاية في احتضان كل صاحب سلوك خاطئ أو ممارس لصورة من الصور المرفوضة حتى يتحرر من قيد هذا السلوك.
وأرى الخطأ الحقيقي في الصمت والسلبية تجاه أخطائنا التي نعتقد أنها عادية لأننا نمارسها منذ فترة طويلة، أو الصمت لأننا لا نستطيع مواجهتها لخطورتها، أو حرصًا منا على نفسية الآخرين، كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمال كلما اقترب الخطر منها استسلامًا لذلك الخطر، وظنًّا منها أن دفن رأسها في الرمال يُخفف من هول الصدمة.
دفعني لكتابة هذا التقديم الموجز أنني وجدت نفسي مضطرًا للكتابة عن موضوع نلحظه ولكننا نحذر الاقتراب منه.
نشاهده ولكننا نغض الطرف عنه.
نراه ولكننا نتجاهله.
قد يراه البعض نقدًا، وأراه نصيحة واجبة.
وقد يراه البعض خروجًا عن الصف، وأراه التحامًا بالصف عندما يكون الالتحام لدرجة الالتصاق.
قد يراه البعض عملاً غير مسئول، وأراه المسئولية بعينها.
قد يراه البعض خرقًا للسفينة، وأراه أنه معاونة للقبطان، وزيادة في إجراءات الأمن والسلامة لها.
أراهن في ذلك على حالة الصدق التي أجدها بداخلي تجاه دعوتي، وحبي الذي ليس له حدود لكل فرد فيها عرفته أم لم أعرفه، التقيت به أم لم ألتق، يكفي أنني أذكره، ويذكرني كلما أوشكت الشمس على المغيب في ورد الرابطة بعد الانتهاء من أذكار المساء.
القلق السوي
حديثي اليوم عن غياب القلق، وقلة الخوف، غياب القلق الذي يشعر معه المرء كأنه اقترب من نهاية الطريق، وكأن معالم النصر قد لاحت له في الأفق، غياب القلق عن تصرفات كثيرة نمارسها، وقلة الخوف من سوء الخاتمة أو الاستبدال، وكأن هناك يقينًا أننا سنموت على الطريق ثابتين مجاهدين، رغم أنه ليس بين الله وبين أحدٍ من عباده نسبًا إلا بالتقوى والعمل الصالح.
فقلق الداعية دليل على يقظته وحيويته وتفاعله الإيجابي مع دعوته، كما أنه يعكس استشعاره لحقيقة المسئولية التي وكِّلت إليه، وعظم الأمانة التي حُمِّلها بعد أن أبت السماوات والأرض أن يحملنها وأشفقن منها.
قلق يدفعه لأداء واجبه بكل قوة، وشدة عزم.
قلق يجعله يشعر بالتقصير وتأنيب الضمير كلما قلّت همته أو ضعف عزمه.
قلق يدفعه للعمل والاجتهاد في التطبيق، فتكون إحدى عينيه على نفسه فيزكيها ويتعهدها، وعينه الأخرى على إخوانه يدعوهم وينصح لهم.
قلق يدفعه لتحقيق التوازن بين السر، والعلن حتى تستوي سريرته مع علانيته.
قلق يجعل قلبه حاضرًا، يحترق لآلام المسلمين في كل مكان، فلا يهدأ له بال حتى يؤدي ما لنصرتهم عليه من حق.
قلق يدفعه لأن يكون إيجابيًّا مع قيادته، يتواصل معهم يأخذ منهم ويُعطيهم، فلا هو يُقدسهم فيفترض في خططهم وبرامجهم النجاح على طول الخط فيحرمهم من نصيحة يقدمها لهم، أو توجيهًا يُسديه إليهم، ولا هو كذلك يُسيء الأدب معهم فيتطاول عليهم وينقدهم أو يخرج عليهم.
قلق يدفعه للتفكير في مستقبل الدعوة وتطويرها، والإبداع في مناشطها والتجديد في وسائلها وتقديمها للقيادة.
هذا هو القلق (السوي) الذي أرى أنه اختفى عند كثير من الشباب العاملين في الحقل الدعوي، هذه الفئة التي تنتظر الخطط والبرامج من قياداتها.. ينتظرون التوجيه في كل شيء، صغر ذلك الشيء أم كبر، فإن لم يأت فلا مانع من الانتظار وإن تأخرت المصالح الدعوية.
إن غياب هذا القلق في نفوس شباب الصحوة على أنشطة دعوتهم، وانطفاء تلك الفاعلية في نفوسهم، وانكفاء كل فرد فيها على نفسه في انتظار التوجيهات والتعليمات لنذير خطر.
إن شباب الصحوة إذا ما أعجبوا بتاريخ دعوتهم واكتفوا بسمو فكرتهم، وإذا لم يحفروا لأنفسهم دورًا بناءً وسط العاملين، وصنعوا لدعوتهم تاريخًا بعرقهم وجهدهم ودمائهم إذا لزم الأمر كما فعل أسلافهم، وإذا لم يحملوها على أكتافهم صاعدين بها لأعلى، إن لم يفعلوا ذلك كله واكتفوا بالانتساب فإن مرحلة السقوط الحضاري لا شك أنها قادمة.
فالداعية الذي يجلس في بيته منتظرًا توجيهات قيادته، وأوامر حركته على طول الخط دون أن يبادر ويتقدم بمشاريع التطوير والإبداع لداعية ينقصه الكثير وهو داعية مفعول له لا فاعل للحدث.
إن القلق السويّ هو مركز الإحساس في نفس الداعية والذي من خلاله يستشعر الخطر، ويحس الألم فينهض لعلاجه ومحاصرته قبل أن ينتشر ويتحول إلى مرض خبيث لا يُرجى شفاؤه.
فالقلق من المؤشرات الصحية التي تجعلنا لا نفقد الإحساس بإصاباتنا.
من هنا نقول إن أي محاولة لتغييب هذا الإحساس (إحساس القلق السوي بألم التقصير أو وجع السلوك الخاطئ أو خطورة السير عكس الاتجاه) يُعتبر حملاً للشخص على الاطمئنان الخاطئ والإيهام بالفجر الكاذب.
ليس جلدًا للذات
إن مشاعر الداعية أو صاحب الدعوة عندما (لا أقول تموت)، ولكن تتخدر أو تتبلد تجاه ما يحيط بدعوته أو ما يقع من أحداث عالمية أو محلية تؤثر عليها وعلى أنشطتها، ثم هو لا يُقدم مقترحات لمواجهتها لهو داعية ينقصه الكثير.
والأخطر من ذلك، وهو ما أود التركيز عليه أن تتبلد مشاعر الداعية تجاه تقصيره مع نفسه، والممتد والملاحظ لديه قبل غيره، ولا يُلفت انتباهه، أو يُشعره بالخطر.
فإن من العجب العجاب أن يُشار بأصابع الاتهام إلى البرامج والأنشطة والمناهج في الفشل الذي قد يُصاحب العملية التربوية.
والأعجب من ذلك أن تكرر نفس البرامج، ونفس الأنشطة، ونفس المناهج لتدارك الفشل الأول، دون الانتباه إلى غياب القلق الذي هو الدافع للحركة بهمة، وفقدان الروح الذي هو الوقود المتجدد للعطاء، وعدم توفر الرغبة التي هي أساس التغيير.
غياب القلق الذي نعنيه
إن غياب الروح وفقدانها أحيانًا، هو غياب القلق الذي نتحدث عنه، غياب القلق الذي يستوي معه الإحساس لدى صاحب الدعوة عندما يُقصر في الصلاة فيؤخرها عن وقتها ولا يؤديها في المسجد مع جماعة المسلمين.
![]() |
غياب القلق عندما يستوي الأمر عنده أقال الأذكار المأثورة أم لم يقلها، بل غياب القلق عندما يجد نفسه قد تمر عليه الأيام والأسابيع دون أن يقولها.
غياب القلق عندما يجد الداعية نفسه أسيرًا لمسلسل لا يستطيع ترك مشاهدته، أو فيلمًا يحتوي على الكثير من العري دون أن يشعر بالذنب.
غياب القلق عندما يجد نفسه بعيدًا عن قراءة القرآن وإتمام ورده اليومي دون أن يتحرك لتدارك الأمر.
غياب القلق عندما يتغيب عن الدروس التربوية، واللقاءات الإدارية دون أي إحساس بالخطأ أو التقصير.
غياب القلق عندما يجد نفسه محجمًا عن التبرع لإخوانه المنكوبين هنا وهناك رغم امتلاكه وإسرافه في جوانب أخرى.
غياب القلق عندما يجد نفسه محللاً بارعًا للأحداث، وخطيبًا سياسيًّا مفوهًا، ثم هو يفتقد أدوات الداعية اللازمة للوعظ والإرشاد، يحكي لي شاب أنه كان في رحلة سفر مع رفقائه، ثم أدركتهم صلاة الجمعة في الطريق واحتاجوا من يخطبهم ويؤمهم للصلاة فلم يجدوا بينهم من يستطيع التحدث ولو لمدة عشر دقائق عن أي موضوع.
غياب القلق عندما يبحث الداعية عن الرخص فيسأل عن جواز سماع الموسيقى، وماذا لو اصطحبت أبنائي للسينما لمشاهدة أفلام يغلب عليها التحشم، (انظر لتحول الاهتمامات).
غياب القلق الذي جعل البعض يطمئن كأنه من أهل الجنة، وأن النار إنما خُلقت لغيره، ونسى دعاء النبي صلى الله عليه وسلم حين قال "اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك"(1).
غياب القلق عندما يشعر البعض أن الثبات على الطريق مضمون، ونسى هؤلاء أن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يدعو ويقول "اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك" (2).
غياب القلق عندما يعد الداعية فلا يفي، عندما يقول فلا يصدق، عندما يؤتمن فلا يؤدي الأمانة.
غياب القلق الذي يتحول معه الدعاة إلى باعة كلام، ورافعي شعارات ومدعي فضل، ناسين أنهم مأمورون بما يأمرون به الناس، ومطالبون بتطبيق ما يدعون إليه الآخرين على أنفسهم ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَةِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ (الأنبياء: من الآية 73).
غياب القلق عندما يضيع الهدف لدى صاحب الدعوة فيمضي واهمًا أنه يتحرك وهو ليس كذلك، فهو إما يتحرك في موضعه أو يتحرك في اتجاه مضاد.
غياب القلق عندما تتداخل الأمور في بعضها لدى الداعية فتتحول الوسائل إلى أهداف، والأنشطة إلى غايات.
غياب القلق عندما تتحول المهمة الدعوية التي هي رسالة إلى مجرد وظيفة، الكم فيها مُقدم على الكيف، والأداء أهم فيها من الثمرة.
غياب القلق عندما يغيب التناصح بين الدعاة وإذا قُدِّم لا يُقبل، وتناسى هؤلاء أن سبب لعنة بني إسرائيل كانت في تركهم لواجب النصيحة ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78)﴾ (المائدة).
غياب القلق عندما يقل الترابط وتتخلخل العلاقات وتزداد الضغائن وتكثر الخلافات.
غياب القلق عندما يعيش الداعية المتناقضات، يدعو الناس بشيء وهو أبعد الناس عنه، يرسم البسمة على وجوه الآخرين، وهو عاجز أن يُقدمها لأقرب الناس إليه.
غياب القلق عندما تكثر الأعمال وتقل الثمار، عندما تزداد الأنشطة وتقل النتائج، عندما تشتد الحدة ويقل التسامح، عندما يزداد الجدال ويُعجب كل ذي رأي برأيه، فيُتبع الهوى، ويُطاع الشح.
غياب القلق عندما تُعتبر النصيحة نقدًا، والمسامحة ضعفًا، والانتصار للرأي دفاعًا عن الحق، وعدم قبول المصالحة، والالتئام بين المتخاصمين عزة نفس.
![]() |
|
الإمام الشهيد حسن البنا |
غياب القلق عندما يعيش الداعية لنفسه لا لدعوته، عندما ينسى آهات الثكالى، وآمال المعذبين، وشوق المغيبين في السجون والمعتقلات، وحنين المُهجرين، ورحم الله الإمام البنا حينما قال "ليس يعلم أحد إلا الله كم من الليالي كنا نقضيها نستعرض حال الأمة، وما وصلت إليه في مختلف مظاهر حياتها، ونحلل العلل، والأدواء، ونفكر في العلاج وحسم الداء، ويفيض بنا التأثر لما وصلنا إليه إلى حد البكاء... ولهذا وأمثاله نعمل، ولإصلاح هذا الفساد وقفنا أنفسنا فنتعزى ونحمد الله على أن جعلنا من الداعين إليه العاملين لدينه" (3).
أخي القارئ.. هل عرفت ماذا أريد بالقلق السوي، أو القلق الإيجابي، إنه القلق الذي من المفترض أن يُصاحب كل مؤمن يرجو النجاة "من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة" (4).
يحضرني الآن الحديث النبوي الشريف الذي يُجسد ما أقصده، وهو القلق والخوف من الذنب أو التقصير، يقول صلى الله عليه وسلم "إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ فِي أَصْلِ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ وَقَعَ عَلَى أَنْفِهِ قَالَ بِهِ هَكَذَا فَطَارَ" (5).
لهذا وجدنا أبو بكر الصديق صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة، وصاحب الإيمان الذي إذا وزن بإيمان الأمة لرجحت كفة إيمانه، يقول رضي الله عنه: "لو أن إحدى قدماي في الجنة والأخرى خارجها ما آمنت مكر الله".
ووجدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول في وجل: "لو نادى منادٍ يوم القيامة كلكم تدخلون الجنة إلا رجل لظننت أنه عمر"، هذا القلق هو الذي دفعه أن يستحلف حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أَعَدَّهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنافقين أم لا!!!
ووجدنا حنظلة رضي الله عنه يتهم نفسه بالنفاق يقول رضي الله عنه لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ قَالَ قُلْتُ نَافَقَ حَنْظَلَةُ، قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ مَا تَقُولُ؟ قَالَ قُلْتُ نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلادَ وَالضَّيْعَاتِ فَنَسِينَا كَثِيرًا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَمَا ذَاكَ"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلادَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً ثَلاثَ مَرَّاتٍ" (6).
الاستخلاف والاستبدال
العمل الدعوي أو الوظيفة الدعوية مهمة عظيمة، ونعمة كبرى لمن عمل به خاصةً إذا كان هذا العمل الدعوي تطوعيًّا بلا أجر دنيوي بل قد يلاقي في سبيله العنت والظلم ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ (33)﴾ (فصلت)، والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة وعديدة.
ماذا أريد من هذا؟
أريد أن أقول إن من رزقه الله هذا الشرف العظيم، بالعمل لدين لله وهو نوع من الاصطفاء والاختيار من الله تعالى ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنْ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنْ النَّاسِ﴾ (الحج: من الآية 75)، أن يتقيد بضوابط هذا الاصطفاء وأن يؤدي ضريبته باحتساب كامل.
يقول الله تعالى لنبيه ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (المائدة: من الآية 67)، ويقول تعالى ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165)﴾ (الأعراف).
والسؤال: هل يُستبدل الدعاة؟
يتخيل البعض أن مجرد الانتماء وحده يكفي، ويتخيل آخرون أن البعض إذا تحمل تبعات هذا الانتماء من اعتقال أو تضييق أنه بذلك أصبح بمنأى عن الاستبدال.
ونقول إن هذا ليس صحيحًا لأن هناك اعتبارات أخرى يأتي في مقدمتها إخلاص التوجه إلى الله تعالى، فالمنافقون كانوا يتحملون مشقة أداء الصلاة في جماعة وخاصة صلاتي الفجر والعصر رغم عدم إيمانهم بها، ويتحملون مشقة القتال وتوابعه رغم عدم قناعتهم بالفكرة التي يقاتلون من أجلها.
كما أن هناك صحابة ارتدوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وآخرون امتنعوا عن أداء الزكاة، وآخرون وآخرون..
هذا أمر، الأمر الآخر والذي يُعد من الاستبدال ما يحدث بين الحين والآخر.
فتكاسل بعض الأفراد في أداء وظائفهم الدعوية وقيام غيرهم بها نوع من الاستبدال.
وخروج البعض عن الصف عندما لا تُقبل اقتراحاتهم ويُستجاب لمطالبهم هو نوع أيضًا من الاستبدال.
وعندما يدعي البعض أن بيوتهم أهم من العمل الدعوي فيركنون إليها، ويتركون وظائفهم الدعوية أو يهملونها هو نوع من الاستبدال، كالذين قال الله فيهم ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا﴾ (الأحزاب: من الآية 13).
وعندما يدعي آخرون أن أعمالهم ووظائفهم أهم من واجباتهم الدعوية التي اختارهم الله لها، فيتكاسلون عن أدائها أو يتركونها بالجملة فهو نوع من الاستبدال.
وعندما يلتمس البعض الأعذار الوهمية، ويبحثون عن الحجج الواهية فيتركون الميدان، ويأتي غيرهم فهذا نوع من الاستبدال، كالذين قال الله عنهم ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (49)﴾ (التوبة).
فصل الخطاب
اقرأ معي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (34) فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (35) إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (36) إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (37) هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38)﴾ (محمد).
يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله في تفسير هذه الآيات: "إن اختيار الله لكم لحمل دعوته تكريم ومن وعطاء، فإذا لم تحاولوا أن تكونوا أهلاً لهذا الفضل، وإذا لم تنهضوا بتكاليف هذه المكانة، وإذا لم تدركوا قيمة ما أعطيتم فيهون عليكم كل ما عداه، فإن الله يسترد ما وهب، ويختار لهذه المنة ممن يقدر فضل الله".
---------
* الهوامش:
(1) السلسلة الصحيحة ح 2754
(2) السلسلة الصحيحة ح 3538
(3) رسالة المؤتمر الخامس ص 117
(4) صحيح، أورده الألباني في صحيح الجامع ح رقم 6222
(5) صحيح، رواه الترمذي وأورده الألباني في جامع الترمذي ح رقم 2497
(6) صحيح، رواه مسلم، وأورده الألباني في السلسلة الصحيحة ح رقم 1948، وفي جامع الترمذي ح رقم 2514
----------

