عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن ناسًا من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى نفد ما عنده، فقال: "ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أُعطي أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر" (فتح الباري3/335/1469  ومسلم 7/144[124(1053).

 

الدروس والعبر

1- هدية للمربين: الإرشاد بعد العطاء

في الحديث حقيقة تربوية يجب أن يفطن لها المربون، وهي أن البيان والإرشاد إنما يكون بعد قضاء الوطر، يقول ابن حجر: وفيه أنه ينبغي للإمام أن لا يبيِّن للطالب في مسألته من المفسدة إلا بعد قضاء حاجته لتقع موعظته له الموقع؛ لئلا يتخيَّل أن ذلك سبب لمنعه من حاجته (فتح الباري 3|337).

 

فهؤلاء نفر ممن أثنى الله عليهم بأنهم رضي الله عنهم ورضوا عنه؛ يذهبون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتمسون شيئًا مما عنده فأعطاهم، ولكنهم رغبوا في المزيد، فأعادوا المسألة مرةً أخرى، والرسول صلى الله عليه وسلم لا يرد سائلاً، طالما أن عنده ما يقدمه له، ومن ثم زادهم ولكنهم طمعوا في كرم رسول الله وجُوده مرةً أخرى، وفي هذه المرة قدم كل ما بقي لديه.

 

وبعد أن سدَّ حاجتهم، وحقَّق لهم رغبتهم، توجَّه إليهم بالنصح والإرشاد والتعليم، فوضع بين أيديهم هذه الحقائق:

أ- أن الرسول صلى الله عليه وسلم لن يمسك الخير عنده عن أحد، فهو لا يدخر شيئًا لنفسه، ولا يحجب شيئًا عن أمته.

ب- أن اكتساب الفضائل والتحلي بالخلق لا يكون إلا بالمجاهدة، وتزكية النفس، وكبح جماحها عن الهوى.

 

2- الكمال الخلقي يبدأ بخطوة منك

والمسلم حين يخطو الخطوة الأولى في طريق الفضائل، ويترقى الدرجة الأولى في سلم الأخلاق والقيم؛ فإن رب العالمين ييسِّر له السبيل، ويمدُّه بالنصر والتأييد، ويكون معه أينما سارت ركائبه ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)﴾ (العنكبوت). ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ (17)﴾ (محمد). وحينئذٍ يتحقق لهم الفلاح ويكونون من أهل الجنان ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)﴾ (الشمس). ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)﴾ (النازعات).

 

وسياق الحديث يؤكد ما سبق؛ حيث يرشد الرسول صلى الله عليه وسلم فيقول: "ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله".

 

 الصورة غير متاحة

 الشيخ حجازي إبراهيم

نعم.. ابدأ أنت بالعفاف عما بأيدي الناس، فسوف تجد الثمرة التي وعدك الرسول الصادق الأمين بأن يعفك الله، بأن يلزم نفسك العفاف، ويجعله سجيةً لك، ثم حين تستغني عما بأيدي الناس، فإن الله عز وجل سيفتح لك من خزائنه ما يغنيك عن الخلق، ويمنحك من فيضه ما يجعلك ترضى بما قسم الله لك، وتقنع بما أعطاك، وذلك فيض وعطاء، لا يقدره حقَّ قدره إلا من امتزج في نفسه، وتمكَّن في فؤاده قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس" (تحفة الأحوذي 6/590/2407)، وقوله: "ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس" (فتح الباري 11/271/6446).

 

3- الغنى غنى القلب

إن خيرية المال ليست لذاته، بل بحسب ما يتعلق به، وإن كان يسمى خيرًا في الجملة، وكذلك صاحب المال الكثير ليس غنيًّا لذاته بل بحسب تصرفه فيه، فإن كان في نفسه غنيًّا لم يتوقف في صرفه في الواجبات والمستحبات من وجوه البر والقربات، وإن كان في نفسه فقيرًا أمسكه وامتنع من بذله فيما أُمِرَ به خشيةً من نفاده، فهو في الحقيقة فقير صورةً ومعنى، وإن كان المال تحت يده، لكونه لا ينتفع به لا في الدنيا ولا في الآخرة (فتح الباري 11/272).

 

وعن أبي ذر رضي الله عنه قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا ذر، أترى كثرة المال هو الغنى؟ قلت: نعم. قال: وترى قلة المال هو الفقر؟ قلت: نعم يا رسول الله.

 

قال: إنما الغنى غنى القلب، والفقر فقر القلب" (فتح الباري 11/272 في سياق الشرح وعزاه إلى ابن حبان).. قال ابن بطال: ليس حقيقة الغنى كثرة المال؛ لأن كثيرًا ممن وسع الله عليه في المال لا يقنع بما أوتي، فهو يجتهد في الازدياد، ولا يبالي من أين يأتيه، فكأنه فقير لشدة حرصه، وإنما حقيقة الغنى غنى النفس، وبيانه أنه إذا استغنت نفسه كفَّت عن المطامع، فعزَّت وعظمت وحصل لها من الحظوة والنزاهة والشرف والمدح أكثر من الغني الذي يناله من يكون فقير النفس لحرصه، فإنه يورِّطه في رذائل الأمور وخسائس الأفعال لدناءة همته وبخله، ويكثر من يذمه من الناس ويصغر قدره عندهم، فيكون أحقر من كل حقير، وأذل من كل ذليل.

 

والحاصل أن المتصف بغنى النفس يكون قانعًا بما رزقه الله، لا يحرص على الازدياد لغير حاجة، ولا يلحُّ في الطلب، ولا يلحُّ في السؤال، بل يرضى بما قسم الله له، فكأنه واجد أبدًا، والمتصف بفقر النفس على الضد منه؛ لكونه لا يقنع بما أعطى، بل هو أبدًا في طلب الازدياد من أي وجه أمكنه، ثم هو إذا فاته المطلوب حزن وأسف، فكأنه فقير من المال؛ لأنه لم يستغن بما أعطي، كأنه ليس بغني ثم غنى النفس، إنما ينشأ عن الرضا بقضاء الله، والتسليم لأمره، علمًا بأن الذي عند الله خير وأبقى، فهو معرض عن الحرص والطلب، يقول الشاعر:
غنى النفس ما يكفيك من سد حاجة  فإن زاد شيئًا عاد ذاك الغنى فقرا

 

وقال الطيبي: يمكن أن يراد بغنى النفس حصول الكمالات العلمية والعملية، وإلى ذلك أشار القائل:

ومن ينفق الساعات في جمع ماله     مخافة فقر فالذي فعل الفقر

أي ينبغي أن ينفق أوقاته في الغنى الحقيقي، وهو تحصيل الكمالات، لا في جمع المال؛ فإنه لا يزداد بذلك إلا فقرًا انتهى.

 

ثم علَّق على ذلك ابن حجر بقوله: وهذا وإن كان يمكن أن يراد لكن الذي تقدم أظهر في المراد، وإنما يحصل غنى النفس بغنى القلب، بأن يفتقر إلى ربه في جميع أموره، فيتحقق أنه المعطي المانع فيرضى بقضائه، ويشكر على نعمائه، ويفزع إليه في كشف ضرائه، فينشأ عن افتقار القلب لربه غنى نفسه عن غير ربه تعالى، والغنى الوارد في قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى (8)﴾ (الضحى) يتنزل على غنى النفس، فإن الآية مكية، ولا يخفى ما كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن تفتح عليه خيبر وغيرها من قلة المال، والله أعلم (فتح الباري 11/272)، وأنشد بعضهم من قصيدة:

وعند مليك فابغ العلــ   ـو وبالوحدة اليوم فاستأنس

فإن الغنى في قلوب الرجا   ل وإن التعزز في الأنفس

وكم قد ترى من أخي عسرة   غنى وذي ثروة مفلس

ومن قائم شخصه ميت على   أنه بعد لم يرمس (فيض القدير5/359)

وسبيل المسلم في تحقيق ما سبق، أن يصبر، وبالصبر يبلغ الإنسان ما يريد.

 

4- الصبر خير العطاء

إن عطاء الله للعباد يتعدد، والكثير من الناس لا يعد العطاء إلا ما كان من حطام الدنيا وأعراضها، وزينتها وشهواتها، ولا يفطن أحد إلى العطاء الإيماني، والفيض الأخلاقي والذي به يتميز الإنسان ويكرم، وهذا ما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يختم وصيته بهذا البيان البليغ "وما أُعطي أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر".

 

فلا عطية المال، ولا عطية الولد، ولا عطية الجاه، ولا أي عطاء آخر، مهما بسط للإنسان فيه يعدل عطاء الصبر، وهل يدرك هذه الحقيقة إلا من عمر قلبه بالإيمان.

 

 الصورة غير متاحة

5- جود النبي صلى الله عليه وسلم

وفي الحديث أيضًا دلالة واضحة على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من السخاء والعطاء، جعله يقدم لهم كل شيء، حتى نفد ما عنده.. إنه كما عبَّر أحد من ناله عطاؤه حين رجع إلى قومه: إنه يعطي عطاء من لا يخشى الفقر.

 

ومن مسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا أخذ العلماء جواز إعطاء السائل مرتين والاعتذار إليه في الثالثة، والحض على التعفف، وجواز السؤال للحاجة وإن كان الأولى تركه، والصبر حتى يأتيه رزقه بغير مسألة.

 

6- ثمار طيبة للتوجيه النبوي الحكيم

وقد كان من أثر ذلك التوجيه النبوي التربوي الحكيم أن استجابت له النفوس، واستقامت عليه الصحابة في حياته وبعد مماته.. فعن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب أن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: "يا حكيم، إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، كالذي يأكل ولا يشبع.. اليد العليا خير من اليد السفلى"، قال حكيم: فقلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدًا بعدك شيئًا حتى أفارق الدنيا، فكان أبو بكر رضي الله عنه يدعو حكيمًا إلى العطاء يأبى أن يقبله منه، ثم إن عمر رضي الله عنه دعاه ليعطيه فأبى أن يقبل منه شيئًا، فقال عمر: إني أشهدكم يا معشر المسلمين على حكيم أني أعرض عليه حقه من هذا الفيء، فيأبى أن يأخذه، فلم يرزأ حكيم أحدًا من الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفي"( فتح الباري 3/335/1472.).

 

"إن هذا المال خضرة حلوة": شبهة في الرغبة فيه، والميل إليه وحرص النفوس عليه، بالفاكهة الخضراء الحلوة المستلذة، فإن الأخضر مرغوب فيه على انفراده، والحلو كذلك على انفراده، فاجتماعهما أشد، وفيه إشارة إلى عدم بقائه؛ لأن الخضراوات لا تبقى، ولا تراد للبقاء، والله أعلم.

 

"سخاوة نفس": أي بغير شره ولا إلحاح أي من أخذه بغير سؤال، وهذا بالنسبة للآخذ، ويحتمل أن يكون بالنسبة للمعطي، أي بسخاوة نفس المعطي، أي انشراحه بما يعطيه.

 

"إشراف نفس": قال العلماء: إشراف النفس تطلعها إليه، وتعرضها له، وطمعها فيه.

 

"كالذي يأكل ولا يشبع": أي الذي يسمى جوعه كذابًا، لأنه من علة به وسقم، فكلما أكل ازداد سقمًا، ولم يجد شبعًا.

 

"لا أرزأ": بتقديم الراء على الزاي، لا آخذ من أحد شيئًا، وفي الحديث ضرب المثل لما لا يعقله السامع إلا من الأمثلة؛ لأن الغالب من الناس لا يعرف البركة إلا في الشيء الكثير، فبين بالمثال المذكور أن البركة هي خلق من خلق الله تعالى، وضرب لهم المثل بما يعهدون، فالآكل إنما يأكل ليشبع، فإذا أكل ولم يشبع كان غناء في حقه بغير فائدة، وكذلك المال ليست الفائدة في عينه، وإنما هي لما يتحصل به من المنافع، فإذا كثر عند المرء بغير تحصيل منفعة كان وجوده كالعدم.

 

7- ونموذج آخر للثمار الطيبة لشجرة النبوة المباركة

وهذا نموذج آخر، فعن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه قال: سرحتني أمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته وقعدت، فاستقبلني وقال: "من استغنى أغناه الله- عز وجل- ومن سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف" فقلت: ناقتي الياقوتة خير من أوقية فرجعت ولم أسأله (سنن النسائي 5/98 الزكاة- من الملحف).

 

8- ثمار كثر

 الصورة غير متاحة
وتتوالى ثمار التوجيه النبوي الشريف ويظهر أثرها في مسلك الصحابة رضوان الله عليهم؛ فعن عوف بن مالك الأشجعي قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة أو ثمانية أو سبعة، فقال: "ألا تبايعون رسول الله" وكنا حديثي عهد ببيعة، فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، ثم قال: "ألا تبايعون رسول الله؟" فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله. ثم قال: "ألا تبايعون رسول الله؟" قال: فبسطنا أيدينا، وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، فعلام نبايعك؟ قال: "على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، والصلوات الخمس، وتطيعوا "وأسرَّ كلمة خفيَّة" ولا تسألوا الناس شيئًا"، فقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدًا يناوله إياه (مسلم 7/132/(108 (1043)).

 

وعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تكفَّل لي أن لا يسأل الناس شيئًا وأتكفل له بالجنة؟" فقلت: أنا.. فكان لا يسأل أحدًا شيئًا (أبو داود، 1643أحمد 5/276، النسائي 5/96).

 

9- الأخذ من غير مسألة

وإذا كان الإسلام يؤدب أبناءه على عدم السؤال، ويربِّيهم على الترفُّع عن أن تمتد أيديهم سائلة؛ فإنه أجاز لهم قبول العطاء حين يأتيهم دون أن يسألوه، ومن غير استشراف نفس؛ فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت عمر يقول: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيني العطاء فأقول: أعطه من هو أفقر إليه مني، فقال: "خذه.. إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل، فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك" (فتح الباري 3/337/1473)، وفي رواية مسلم: "خذه فتموله- أي اجعله لك مالاً- أو تصدق به، وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فلا تتبعه نفسك"، قال سالم: فمن أجل ذلك كان ابن عمر لا يسأل أحدًا شيئًا، ولا يرد شيئًا أعطيه (النووي على مسلم 7/136/1045).

 

10- حكم من جاءه مال دون مسألة

وقد اختلف العلماء فيمن جاءه مال، هل يجب قبوله أم يندب؟ والصحيح المشهور الذي عليه الجمهور أنه يستحب في غير عطية السلطان، وأما عطية السلطان فحرمها قوم، وأباحها قوم، وكرهها قوم، والصحيح أنه إن غلب الحرام فيما في يد السلطان حرمت، وكذا إن أعطى من لا يستحق، وإن لم يغلب الحرام فمباح، وإن لم يكن في القابض مانع يمنعه من استحقاق الأخذ.

 

قال طائفة: الأخذ واجب من السلطان وغيره. وقال آخرون: هو مندوب في عطية السلطان دون غيره (النووي على مسلم 7/134- 135).

 

ويقول الإمام ابن حجر: وكراهة عطية السلطان محمول على السلطان الجائر والكراهية أيضًا محمولة على الورع وهو المشهور من تصرف السلف، ويقول ابن حجر أيضًا: والتحقيق في المسألة إن من علم كون ماله حلالاً فلا ترد عطيته، ومن علم كون ماله حرامًا فتحرم عطيته، ومن شك فيه فالاحتياط رده وهو الورع، ومن أباحه أخذ بالأصل، وقال ابن المنذر: واحتج من رخص فيه بأن الله تعالى قال في اليهود: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (المائدة: من الآية 42) وقد رهن الشارع درعه عند يهودي مع علمه بذلك، وكذلك أخذ الجزية منهم، مع العلم بأن أكثر أموالهم من ثمن الخمر والخنزير والمعاملات الفاسدة، ثم يقول ابن حجر: وفي الحديث أن رد عطية الإمام ليس من الأدب ولا سيما من الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (الحشر: من الآية 7) (فتح الباري 3/338).

 

11- من تحل له المسألة

وإذا كانت المسألة منهيًا عنها، إلا أن هناك حالات تنزل بالإنسان لا يقدر على مواجهتها دون أن يستعين بالآخرين، وقد حدد الرسول صلى الله عليه وسلم تلك الحالات فعن قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تحملت حمالة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فيها. فقال: "أقم حتى تأتينا الصدقة، فآمر لك بها". قال: ثم قال: "يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة، فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله، فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش، أو قال: سداد من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه، لقد أصابت فلانًا فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش، أو قال: سدادًا من عيش، فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتًا، يأكلها صاحبها سحتًا" (مسلم 7/133- (109 (1044)).

 

الحمالة: بفتح الحاء وهي المال الذي يتحمله الإنسان، أي يستدينه ويدفعه في إصلاح ذات البين، كالإصلاح بين قبيلتين ونحو ذلك، وإنما تحل له المسألة ويعطى من الزكاة بشرط أن يستدين لغير معصية.

 

"قوامًا من عيش أو سداد من عيش": القوام والسداد بكسر القاف والسين وهما بمعنى واحد وهو يما يغني من الشيء وما تسد به الحاجة، وكل شيء سددت به شيئًا فهو سداد.

 

"ذوي الحجى من قومه": الحجى العقل، وإنما قال صلى الله عليه وسلم من قومه لأنهم من أهل الخبرة بباطنه، والمال مما يخفى في العباد، فلا يعلمه إلا من كان خبيرًا بصاحبه. وإنما شرط الحجى، تنبيهًا على أنه يشترط في الشاهد التيقظ، فلا تقبل من مغفل، وأما اشتراط الثلاثة، فلأنه شرط في بينة الإعسار لا يقبل إلا من ثلاثة، لظاهر هذا الحديث".

 

وقال الجمهور: يقبل من عدلين كسائر الشهادات غير الزنا، وحملوا الحديث على الاستحباب، وهذا محمول على من عرف له مال، فلا يقبل قوله في تلفه والإعسار إلا ببينة، وأما من لم يعرف له مال، فالقول قوله في عدم المال (النووي على مسلم 7/133).

 

12- عقوبة السائل بغير حاجة

وقد جاءت أحاديث تترا تتوعد السائلين بغير حاجة منها: عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم" (فتح الباري 3/338/1474. النووي على مسلم 7/133/1040).

 

"مزعة لحم": بضم الميم، وحكي كسرها وسكون الزاي أي قطعة.. قال الخطابي في معنى الحديث: يحتمل أن يكون المراد أنه يأتي ساقطًا لا قدر له ولا جاه. أو يعذب في وجهه حتى يسقط لحمه، لمشاكلة العقوبة في موضع الجناية من الأعضاء لكونه أذل وجهه بالسؤال، أو أنه يبعث ووجهه عظم كله فيكون ذلك شعاره الذي يعرف به (فتح الباري 3/339).

 

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سأل الناس أموالهم تكثرًا فإنما يسأل جمرًا فليستقل أو ليستكثر" (النووي على مسلم 7/130).. قال القاضي: معناه أنه يعاقب بالنار ويحتمل أن يكون على ظاهره، وأن الذي يأخذه يصير جمرًا يكوى به كما ثبت في مانع الزكاة (النووي على مسلم 7/130).

 

وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن المسألة كد يكد بها الرجل وجهه، إلا أن يسأل الرجل سلطانًا، أو في أمر لا بد منه" (تحفة الأحوذي 3/358/676).

 

وسؤال السلطان يكون فيما أوجب الله كالزكاة والخمس (رياض الصالحين 268).

 

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله، فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل" (أبو داود 2/125/1645.).

 

13- الإسلام يحض على العمل وينهي عن المسألة

عن أنس بن مالك أن رجلاً من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله فقال: "أما في بيتك شيء؟ قال: بلى حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقعب نشرب فيه من الماء قال: ائتني بهما" فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وسلم- بيده وقال: "من يشتري هذين"؟ قال رجل: أنا آخذهما بدرهم، قال: "من يزيد على درهم"؟ مرتين أو ثلاثة، قال رجل: "أنا آخذهما بدرهمين" فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين وأعطاهما الأنصاري، وقال: "اشتر بأحدهما طعامًا فانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدومًا فأتنى به" فأتاه به، فشد فيه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عودًا بيده ثم قال له: "اذهب فاحتطب وبع، ولا أرينك خمسة عشر يومًا"، فذهب الرجل يحتطب ويبيع، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم، فاشتري ببعضها ثوبًا وببعضها طعامًا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة، إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة: لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مفظع، ولذي دم موجع" (أبو داود 2/123/1641).