يعود تاريخ القدس "بيت المقدس" إلى 3000 سنة قبل الميلاد؛ حيث بناها اليبوسيون وسموها "يبوس"، وهم عرب نزحوا من شبه الجزيرة العربية واستوطنوا أرض كنعان وسُمُّوا بالكنعانيين، وظلت المدينة خاضعة للعرب الكنعانيين واليبوسيين، إلى أن غزاها العبرانيون عام 1186 ق.م، ولكنهم فشلوا في السيطرة عليها وظلوا محاصَرين في وادي الأردن يتعرضون لهجمات العرب "الكنعانيين" و"اليبوسيين".

 

وفي عام 1000 ق.م فقط، وبعد هذا التاريخ العربي الطويل استطاع "العبرانيون" السيطرة على المدينة وكوّنوا مملكتين: "يهودا" في "القدس"، وإسرائيل في "السامرة"، وقد قامت بينهما حروب وفتن فهبَّ العرب "البابليون" لنصرة إخوانهم العرب في فلسطين، فسقطت ممالك اليهود على أيدي العرب البابليين، وحملوهم أسرى إلى أرض "العراق"، وعادت "القدس" عربية كما كانت عام 600 ق.م، وسكنها في ذلك الوقت "الكلدانيون" و"الآشوريون" و"الكنعانيون" العرب.

 

وحين غزا "الفرسُ" أرض بابل عام 539 ق.م ساعدوا اليهود على الرجوع إلى "فلسطين" مرة أخرى، إلى أن جاء "الإسكندر المقدوني" في عام 333 ق.م، فاستولى على "القدس"، وأزال الوجود اليهودي مرة أخرى.

 

وفي عام 23 ق.م تغلب الرومان على السلوقيين واستولى ملكهم "بيموبيس" على "القدس" عام 20 ق.م إلى 4 ق.م، وأعاد بناء هيكل سليمان الذي هدمه "نبوخذ نصر" عام 597 ق.م.

 

وبعد الميلاد تعرضت القدس لهجمات الرومان؛ حيث هاجمها الحاكم الروماني "هدريان" عام 136 ميلادية، ودمرها تدميرًا، وأقام عليها مدينة "إيليا"، وبعد ذلك ظل الصراع بين "الفرس" و"الروم" قائمًا على المدينة حتى 614م، إلى أن جاء الفتح الإسلامي عام 638م، ودخلت "القدس" في حوزة الإسلام والعرب مرة أخرى، دون قتال أو إراقة دماء، وذهب سيدنا عمر بن الخطاب بنفسه وتسلم مفاتيح المدينة من ملكها، وقام جنود عمر بإزالة التراب من فوق الصخرة الشريفة، وأمر ببناء مسجد هناك فبني المسجد في عصر الخليفة الأموي "عبد الملك بن مروان".

 

هذه ومضات تاريخية مختصرة تبرهن على أن "القدس" عربية منذ القدم، إسلامية بالفتح الإسلامي، ولهذا نرفع أصواتنا مع الشاعر كمال رشيد لنردد: "القدس في العيون".

 

وبعد هذا المدخل التاريخي الذي رأيتني مدفوعًا لكتابته، نتصفح الديوان الذي صدر ضمن سلسلة "نحو أدب إسلامي عالمي"، وقدّم له الدكتور عماد الدين خليل، ذلك الرجل الذي أولى الأدب الإسلامي اهتمامًا كبيرًا تنظيرًا وتطبيقًا، ولم يدَّخر جهدًا في إبرازه في الصحف والدوريات والكتب، وتقديم الأدب الإسلامي في صورة مشرقة مشرّفة في ثوب فني رفيع المستوى، كما تبنَّى ناشئة الأدب الإسلامي، ورعى الكثيرين منهم على أحسن ما تكون الرعاية والعناية والتقويم.

 

أما مقدمة الشاعر لنفسه فقد بدأها بهذه الأبيات: 

 وقصائد الديوان في جملتها جاءت بعد انتفاضة عام 1987 والقليل منها جاء قبل ذلك، وكان يؤذن برؤية مستقبلية... فمن حنايا الضلوع، ومن أعماق القلب، ومن التكوين الذاتي كله تأتي هذه القصائد قوية حية ندية لتلج قلوبًا تشبهها وتحسن استقبالها.. كما يعبر الشاعر في مقدمة ديوانه، والشاعر يبارك يوم تفجُّر الانتفاضة ويمجده، حتى يجعله عنوانًا لقصيدة، وتاريخًا للأمل، وعرسًا للمجاهدين، فهو يقول:

يا تاريخَ الأمل الصَّاعدْ

أنت الأملُ لكل مجاهدْ

فيك تقدَّم طفلُ القدسِ

يحدو الرَّكب لهذا العُرسِ

فهو القائد وهو الشَّاهدْ

 

يختم الشاعر قصيدته التي تزخر بموسيقاها لتناسب فرحته بهذا الجيل الصاعد ويختمها بقوله: "بعد الظلمة يأتي الفجر".

 

والظلمة هنا ظلمة الاحتلال، ظلمة الوضع الراهن الذي يبعث الملل والإحباط، ويساعد على انتشار الشائعات المثبطة، وهذا يعادل طرف المعادلة الأول "الظلمة" ثم يأتي بعد ذلك قوله ليعادل الطرف الثاني في المعادلة "بعد الظلمة يأتي الفجر".

 

 ونستطيع هنا أن نجد علاقة بين انتفاضة الطيور من وكناتها وبين الفجر الذي تنبعث فيه الطيور من سباتها، وتتحرك بعد سكون، وتنطلق بعد قيد، وتغرد بعد صمت، كما غرد الطفل في ذلك العرس المشهود.

 

وبعد أن تنكشف الظلمة ويزداد الأمل وتتسع مساحة النور، ويسفر فجر الحق وتبدو أماراته.

 

 وهذا الفداء وذلك العزم متصل بالله وبرحمته على المستضعفين. 

 

 ألا ترى أن معادلة "الظلمة" و"الفجر" تنتشر بحدودها ومعاملاتها خلال الأبيات، ولذلك كانت الأنفاس المعدودة في "الفجر" كأنها عمر طويل، وهي خيرٌ من سنوات في الظلمة، فالزمن هنا له قياسات أخرى.

 

وهكذا في نهاية القصيدة نرى "الرضا" ينتشر و"النور" يعمُّ ، والإيناس يغلِّف الجو العام ويبعث السكينة ويتلاشى ما دون الرضا والنور والإيناس من معادلة "الفجر" التي ذكرناها يتلاشى معنى ولفظًا.

 

والإنسان دائمًا مولع بحب الأطفال، مستبشر بتصرفاتهم، يُدهَش بأفعالهم التي يحسُّ أنها فوق سني عمرهم، فكيف إذا كانت الأفعال دفاعًا عن أرض، وعن عقيدة، وعن قيم متوارثة، وعن كرامة وحق مهيض.

 

وتأمل معي هذا الجو الذي تعيشه القصيدة "نبع يخرج من الجدباء" و"نور يطلع" فتزدهي وتزدهر على ضوئه الخضرةُ، والإمراع الذي ينتَشرُ في مساحات بصرية يوحي بها جو القصيدة، فكل نبع دائمًا تتبعه خضرة، والخضرة تحتاج إلى الضوء والنور؛ لتؤدي دورها وتقوم بعملياتها.

 

ومكانة "القدس" وفلسطين تنتشر خلال الديوان، وتضرب بجذورها في أعمق أعماق الشاعر ووجدانه، بل ووجدان "الأمة"؛ فهي تاريخ، وعقيدة حضارية، وأرض.

 

وما زال الشاعر في ميدانه الإبداعي يقطر إبداعًا، يتفاعل مع الموقف لحظة بلحظة، ويعبر بالصورة المعبرة الموحية، ويرسم الحركات، وينتقي ألفاظه بدقة وعناية تناسبان الموقف الشعري وجلال الحدث، ولاحظ هذه الألفاظ: هممٌ شماء..قعساء، وكذلك: كرّ.. وفرّ.. وإقدام.. وتضحية.. وشهادة.. وجنات وأنهارٌ.. ونورٌ.. ونارٌ كل ذلك تقرؤه في قصيدة "الله أكبر".

 

والشاعر يعيش غريبًا عن وطنه يحمل شوقه وادكاره، هذا الادكار وذلك التذكر والحنين الذي يختلج في قلب الشاعر المشحون بذكرياته وبالومضات التاريخية، مثل "بدر" و"حطين"، وبما تحمل هذه الألفاظ من معان وأحداث ومؤثرات، وبما تستجلبه من صور.

 

الطفل الفلسطيني هو بطل الديوان- إن جاز التعبير- فهو لا يعرف اليأس وقد حرر نفسه من مخاوفها. 

 

 أما في قصيدة "الترس والمجداف" (فقد جسَّد الشاعر المأساة وشخَّص الداء، ولمس الجرح، وأمسك بيديه الخيط بطريقة شعرية.

 

ونرى في قصيدة "أم الشهيد" اقتباسًا لمعانٍ قرآنية تتحدث عن الشهادة وما يقابلها من قعود وتخلّف وتخاذل كما جاء في قوله الله تعالى: الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (168) (آل عمران).

 

وماذا عن التاريخ في شعر الشاعر؟ أما التاريخ فنراه مجسَّمًا بشخوصه وعلاماته وأيامه ووقائعه، فهو علامات بارزة وسطور منقوشة ومعين لا ينضب، يمتاح منه ويمتار مَنْ يبحث عن القدوة والعزة والمجد، ونرى ذلك في قصيدة "رايات وشامات".

 

"وثمة البعد التاريخي في الصورة الشعرية، التاريخ بما أنه حركة وتشكيل (…)، والتاريخ بما أنه شخوص وأماكن وصراع وذكريات"، فالشاعر بعد أن يجعل التاريخ يسعى ويتحرك ويتقدم ويتأخر ويطل من هذه الموقعة أو تلك في صورة هذا الشخص أو ذلك، يبدأ في رصد الواقع المؤلم فتحدث المفارقة.

 

وكما مرَّ بنا في أجواء القصائد "دماء.. وشهداء.. وصراخ.. وذهاب وإياب.. وتبادل بالحجارة والرصاص.. وتداخل في الرؤى بين الحاضر والماضي والمستقبل.. تبادل في الأماكن والأزمان.. ويُنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويطلع "سعد"، وينطلق خالد على فرسه، يتبعه "صلاح الدين".. وتبدو مكة المكرمة" في جانب ما".

 

ثم يتذكر الشاعر قضيته فيستثمر هذا التجمع الإيماني الكبير ليشاركوه قضيته.

 

والشاعر متشوِّق إلى "جبل الزيتون" في فلسطين التي نشأ فيها وطَعِم من زيتوناتها، وقد حُرم منها ومن ترابها ومن زيتونها منذ احتلالها، ولذلك يحاول رسم خرائط لبلاده يتوهمها ويتخيلها، وهو مولع برسم هذه الخرائط، فيقول في قصيدة "الخريطة" (18)

 

"أرسمها في العام ألف مرةْ

أعين السهول والبحار

وأرسم الموانئ الكبيرةْ

حيفا ويافا عسقلان

عكا وغزَّةْ

كلها شامات مجد في جبين الغاليةْ

والقدس فيها القلب والحبّ ونور الحق يصعد للسماءْ

والقدس مفتاح الحضارة، مجمع الشهداء والعلماء من كل العصور

لم يبق لي إلا التفنن في الرسوم وفي الخرائط

لكنني علقتها في القلب لا في صدر حائط"

 

أما الديوان- فنيًّا- فنستطيع أن نلحظ فيه توازنات شتى في أكثر من اتجاه.. فهناك توازن بين الذات والموضوع، الخاص والعام.. وهناك توازن ثان في البحور ما بين بطيء وسريع.. وثمة توازن ثالث في المعمار الشعري ما بين عمودي وحر..".

 

فقد احتوى الديوان على ثلاث عشرة قصيدة من الشعر التفعيلي "الحر" وسبع وعشرين قصيدة من الشعر المقفى "العمودي" وقد جاءت القصائد المقفاة أعمق من حيث الصورة الشعرية.. مصوغة بشاعرية تامة عنها في الشعر التفعيلي باستثناء قصيدتي "الخريطة" و"زرقاء اليمامة" من الشعر التفعيلي، وقد تنوعت بحور القصائد وتوزع النغم؛ مما أعطى مساحة أوسع للتناغم الموسيقي مع الحالة الشعرية، فمثلاً البحر "البسيط" تسع قصائد، و"الرمل" ست قصائد، و"الكامل" إحدى عشرة قصيدة ما بين :"تام" و"أحذَّ" و"مجزوء"، وقصيدتان لكل من "المتدارك" و"الوافر"، وقصيدة واحدة للطويل والرجز والمتقارب، وهكذا لمسنا في الديوان التنوع والتوازن.. والتناغم والأصالة.