جرت في الفترة الماضية- من السابع والعشرين من ديسمبر 2008م وحتى السابع عشر من يناير 2009م- محرقة في غزة العزة والصمود.. محرقة بما تحمل هذه الكلمة من معنى.. محرقة أهلكت الحرث والنسل.. محرقة صهيونية تتصاغر أمامها المحرقة النازية التي جعل منها اليهود قميص عثمان، والتي حققوا من خلال الترويج لها، وإنشاء الأساطير حولها ما كانوا يصبون إليه من حلم إقامة دولتهم، وابتزاز الدول إلى اليوم بتعويضهم ماديًّا عما لحق بهم من جرَّاء هذه المحرقة.

 

رأيتُ ورأى العالم بأسره ما يشيب له الولدان، وتنخلع من رؤيته القلوب.. رأينا البيوت المهدمة على رءوس أصحابها، والتي لم يبق منها حجر على حجر، فسويت بالأرض، ورأينا الجثث التي ملأت الشوارع، وضاقت بها ثلاجات المشافي، ورأينا الأشلاء المتناثرة المبعثرة، ورأينا الجرحى الذين فقدوا أطرافهم، وأصيبوا بحروق بالغة فأصبحوا عجزة.. ورأينا.. ورأينا... إلخ.

 

وقد استخدم الصهاينة أسلحةً فتاكةً، بل محرمة دوليًّا، وإن تعجب فأعجب من قولهم: "محرمة دوليًّا" كأن القتل بالرصاص غير القتل بالقنابل الفسفورية، فكله قتل واعتداء وإرهاب لا مبررَ له إلا الهوس النفسي، والتعطش لسفك دماء الأبرياء.

 

وأثناء متابعة هذه الأحداث الدامية ذكر محلل عسكري في إحدى وسائل الإعلام أن الحرب بالأساس ليست أخلاقية؛ حيث لا ننتظر من الأعداء الشفقة والرحمة، فيوقفون هدير طائراتهم وزمجرة مدافعهم لدمعة طفل فَقَدَ أباه أو أمه، أو لاستغاثة أمٍّ فقدت فلذات كبدها، أو لأم عجوز ولأب طاعن في السن فقدا أولادهما وأحفادهما، وهما في أمسِّ الحاجة لمن يكون معهما في آخر أيامهما؛ حيث الضعف والمرض.

 

سمعت هذا الكلام، وقلت في نفسي: هل فعلاً الحرب لا أخلاقية؟ أم أن هناك حروبًا كانت أخلاقية بالدرجة الأولى؟.

 

ولم أحتج أن أبحث كثيرًا في بطون أمّهات الكتب ودوائر المعارف حتى أصل لإجابةٍ عن سؤالي؛ لأني وجدت أن الحرب في الإسلام تحمل صورة وضيئة لأمم حملت مشاعل الهداية للعالمين، فما تعدَّت ولا بغت، فلم تكن في حروبها تريد استئصال شأفة الشعوب كما فعل الأوروبيون بالهنود الحمر في العالم الجديد، أو كما يفعل بنو صهيون مع الشعب الفلسطيني المسلم، بل كانت حروبها ضد من حال دون توصيلها لرسالة رب العالمين، أو لدفع عادية المعتدي عليهم.

 

والإسلام لا يسمح "بالحرب إلا في حالة الضرورة الشرعية"، وفي هذه الحال تحكم الحربَ مبادئ ترتكز على القيمة الأساسية (العدل).

 

وتتلخص المبادئ التي تحكم الحرب في ثلاثة مبادئ تضمنتها الآية الكريمة: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ (190)﴾ (البقرة).

 

المبدأ الأول: أن يكون القتال في سبيل الله. 

(العلاقات الدولية بين منهج الإسلام والمنهج الحضاري المعاصر، "محاضرة" للشيخ صالح عبد الرحمن الحصين، الرئيس العام لشئون المسجد الحرام والمسجد النبوي، جدة 22 ذو القعدة 1425هـ - 3 يناير 2005م).

 

فالإسلام يجرد "الجهاد في سبيله من كل غاية أرضية، ومن كل دافع شخصي، ومن كل شعور قومي أو طبقي؛ ليتمحض خالصًا لله ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ لتحقيق كلمة الله، ابتغاء رضوان الله.

 

ومن ثم ينفي الإسلام من حسابه- منذ الوهلة الأولى- كل حرب تقوم على أمجاد الأشخاص والدول، وكل حرب تقوم للاستغلال وفتح الأسواق، وكل حرب تقوم للقهر والإذلال، وكل حرب تقوم لتسويد وطن على وطن، أو قوم على قوم، أو جنس على جنس، أو طبقة على طبقة.. ويستبقي نوعًا واحدًا من الحركة.. حركة الجهاد في سبيل الله.

(سيد قطب: في ظلال القرآن، 3/1549).

 

المبدأ الثاني: أن يكون القتال ضدّ من يقاتل الإسلام، لا يبحث عن البطولات الزائفة التي يريدها صغار النفوس، فهو لا يصنع نصرًا على أشلاء وجماجم العُزَّل من السلاح، الذين لا ناقة لهم في الحرب ولا جمل، ولكنه إن حارب فلا يحارب إلا من يحاربه، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ (190)﴾ (البقرة).

 

المبدأ الثالث: عدم تجاوز ضرورات الحرب: "وهذا المبدأ قيد على قاعدة "المعاملة بالمثل" فلا خيار للمسلم في عدم الالتزام بالمعايير الأخلاقية الإسلامية في معاملة العدو، وإن كان العدو لم يلتزم بها، ولا خيار للمسلم في عدم الوقوف عند حدود الله، وإن كان عدوه المحارب تجاوز هذه الحدود، فإذا مثَّل محاربو المسلمين بقتلى المسلمين منهم، فلا يجوز للمسلمين أن يقتلوا نساء الأعداء أو صبيانهم أو غير المقاتلين منهم". 

(العلاقات الدولية بين منهج الإسلام والمنهج الحضاري المعاصر).

 

والشواهد على ذلك كثيرة نختار منها ما يلي:

1- ما أخرجه مسلم من طريق بريدة رضي الله عنه أن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: "اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، اغْزُوا وَلاَ تَغُلُّوا، وَلاَ تَغْدِرُوا، وَلاَ تُمَثِّلُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلاَثِ خِصَالٍ- أَوْ خِلاَلٍ- فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلاَ يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ إِلاَّ أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ، فَلاَ تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَلاَ ذِمَّةَ نَبِيِّهِ، وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ؛ فَإِنَّكُمْ إِنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلاَ تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ؛ فَإِنَّكَ لاَ تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لاَ". 

(أخرجه مسلم، في "الجهاد والسير"، باب: "تأمير الإمام الأمراء على البعوث ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها"، ح173).

 

2- أوصى الخليفة الأول أبو بكر الصديق أسامة بن زيد في بعثه الذي أنفذه بعد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا أيها الناس، قفوا أوصكم بعشر فاحفظوها عني: لا تخونوا ولا تغلوا، ولا تغدروا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيرًا، ولا شيخًا كبيرًا ولا امرأة، ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرًا إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له". 

(ابن جرير الطبري: تاريخ الرسل والملوك، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1407ﻫ، "2 /246"، وقد أوردها الإمام مالك في الموطأ؛ ولكن الوصية فيه كانت من أبي بكر إلى يزيد بن أبي سفيان).

 

3- أزمع قوم من الخوارج قتال عمر بن عبد العزيز، وأصروا على ذلك، فكتب إلى قائده يحيى بن يحيى: "من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى يحيى بن يحيى أما بعد؛ فإني ذكرت آية من كتاب الله ﴿وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (المائدة: من الآية 87)، وإن من العدوان قتل النساء والصبيان؛ فلا تقتلنّ امرأة ولا صبيًّا، ولا تقتلنّ أسيرًا، ولا تطلبنّ هاربًا، ولا تجهزنّ على جريح إن شاء الله، والسلام". 

(أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الرابعة، 1405ﻫ، 5/310-311).

 

ولقائل أن يقول: إن هذه مجرد وصايا، ومن الممكن ألا تتحقق أو يُلتزم بها من قِبَل القادة أو الجنود.

 

ولكننا نقول لهم: لقد تحققت تحققًا أكيدًا، ومن أعظم الدلائل على ذلك فتح مكة؛ حيث إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سمع أن أحد قادته- وهو سعد بن عبادة- يقول: "اليوم يوم الملحمة اليوم تُستحل الحرمة" (أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"، 9/121)، فعزله، وكان شعاره صلى الله عليه وآله وسلم: "الْيَوْمَ يَوْمُ الْمَرْحَمَةِ الْيَوْمَ أَعَزّ اللّهُ فِيهِ قُرَيْشًا". 

(مغازي الواقدي، ص822).

 

وإذا نظرنا إلى غزوات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والتي فُتحت بها الجزيرة العربية، ونظرنا إلى عدد القتلى ممن حاربهم الرسول نجد أنهم زادوا على المائتين بقليل حسب إحصائية الدكتور محمد عمارة في كتابه "الغرب والإسلام".

 

مائتا قتيل من المشركين المحاربين هم حصاد الحروب التي دامت عشر سنين، هذا العدد سقط في أول يوم من الهجمة الإرهابية الصهيونية على غزة يوم السابع والعشرين، وانظر ماذا كان حصاد حرب همجية دامت اثنين وعشرين يومًا، كان عدد الشهداء قد وصل إلى نحو 1300 من بينهم 417 طفلاً، و108 من النساء، و120 من كبار السن، إلى جانب 14 مسعفًا، وأربعة صحافيين، فضلاً عن خمسة أجانب، فيما بلغ عدد المصابين نحو 5320 مصابًا. موقع وكالة الأخبار الإسلامية (نبأ).

 

هذه هي أخلاقنا وأخلاقهم، وحروبنا وحروبهم.

ولقد قاسى العالم من هذه اللا أخلاقية في الحروب، فاجتمع أحرار العالم بعد الحرب العالمية الثانية، ووضعوا اتفاقية جنيف الرابعة في 12 أغسطس 1949م، ولقد كان من موادها.. مثلاً:

 

المادة (3): في حالة قيام نزاع مسلح ليس له طابع دولي في أراضي أحد الأطراف السامية المتعاقدة، يلتزم كل طرف في النزاع بأن يطبق- كحدٍّ أدنى- الأحكام التالية: 

1) الأشخاص الذين لا يشتركون مباشرة في الأعمال العدائية، بمن فيهم أفراد القوات المسلحة الذين ألقوا عنهم أسلحتهم، والأشخاص العاجزون عن القتال بسبب المرض أو الجرح أو الاحتجاز أو لأي سبب آخر، يعاملون في جميع الأحوال معاملة إنسانية، دون أي تمييز ضار يقوم على العنصر أو اللون، أو الدين أو المعتقد، أو الجنس، أو المولد أو الثروة أو أي معيار مماثل آخر.

 

ولهذا الغرض، تحظر الأفعال التالية فيما يتعلق بالأشخاص المذكورين أعلاه، وتبقى محظورة في جميع الأوقات والأماكن:

 

(أ) الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية، وبخاصة القتل بجميع أشكاله، والتشويه، والمعاملة القاسية، والتعذيب.

(ب) أخذ الرهائن.

(ج) الاعتداء على الكرامة الشخصية، وعلى الأخص المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة. 

(د) إصدار الأحكام، وتنفيذ العقوبات دون إجراء محاكمة سابقة أمام محكمة مشكلة تشكيلاً قانونيًّا، وتكفل جميع الضمانات القضائية اللازمة في نظر الشعوب المتمدنة.

 

2) يجمع الجرحى والمرضى ويُعتنى بهم.

المادة (17): يعمل أطراف النزاع على إقرار ترتيبات محلية لنقل الجرحى والمرضى والعجزة والمسنين والأطفال والنساء النفاس من المناطق المحاصرة أو المطوقة، ولمرور رجال جميع الأديان، وأفراد الخدمات الطبية والمهمات الطبية إلى هذه المناطق.

 

أليس الإسلام قد سبق العالم بأربعة عشر قرنًا بوضع القواعد العامة لمثل هذه الأمور، ثم جاءت البشرية بعد ذلك، وفصَّلت ما أجمله الإسلام، ولكننا زدنا عليهم بأننا ألزمنا أنفسنا بأخلاقيات الحروب، وهم إلى الآن ينازعون أنفسهم بين تطبيقها مرة، وإغفالها عن عمدٍ مرات ومرات.

------------------

Mf_elnady@hotmail.com