تزوجت.. ولكنها تناست أن الزواج يحتاج إلى أن تُعيد ترتيب أولوياتها؛ حيث يكون البيت والزوج والأبناء أول هذه الأولويات، أصبحت حتى لا ترغب في رؤية أي شيء يذكِّرها بالمسئولية كمنزل الزوجية؛ فهي قلما توجد فيه، فقد اتخذت من قيم البر وصلة الرحم وسيلةً للهروب من هذه المسئولية، وباتت تمكث في بيت أهلها أكثر من بيتها؛ حيث تجد هناك- كما تعوَّدت- من يحمل عنها أعباءها دون أن تبالي بما للزوج من حقوق عليها من نتحدث عنها.
ليست حالة فردية لإحدى الزوجات، ولكنها واحدة من كثيرات تخلَّين عن واجباتهن نحو البيت والزوج؛ تحت دعوى البر، فبالغن في زيارة الأهل وأحيانًا الإقامة عندهم أيامًا وأسابيع دون مبرر ودون الالتفات إلى ما قد يضر بالزوج.
لسنا بصدد الدفاع عن حقوق الزوج بقدر ما نحن بصدد الدفاع عن كيان الأسرة بأكملها، فكم من أسر صدَّعتها الخلافات وأخرى هدمها الطلاق من جرَّاء هذا الأمر، ولعل هذه النماذج خير شاهد على ذلك.
اختار الطلاق

لم يغفر له حسن عشرتها خمس سنوات زواجًا في أن تطلب منال (36 عامًا) من زوجها الطلاق؛ لأنه رفض أن يشتري لها مسكنًا جديدًا بجوار أهلها؛ حيث أرهقها بُعد المسافات، وكانت تضطر للمبيت يومين أو ثلاثة، وهو ما كان يزعج الزوج ويُثير غضبه بسبب إهمالها له ولأبنائها ولبيتها، وكلما نصحها بأن تقنِّن زيارتها لأهلها اتهمته بأنه يحضُّها على القطيعة والعقوق، وما كان منها إلا أن وضعته أمام خيارين أحلاهما مرٌّ؛ إما أن يشتري مسكنًا جديدًا في إحدى المناطق الشعبية بجوار أهلها، بالرغم من مكانته الاجتماعية المرموقة، أو تظل على مبالغتها في زيارة أهلها وإهمالها لبيتها ولكنه اختار القرار الأصعب، وهو الطلاق.
وحيدة
أما مريم (30 عامًا) فبالرغم من أن زواجها لم يتمَّ عامه الأول إلا أن الخلافات بينها وبين زوجها لم تتوقف؛ بسبب ارتباطها الشديد بأسرتها؛ حيث لا تستطيع أن يفوتها يوم دون زيارتهم، مبرِّرةً ذلك بأنها وحيدة أسرتها، وهم أكثر منها تعلقًا بها، ويغضبون منها إن غابت عنهم يومًا، وهي لا ترى نفسها مقصِّرةً في حق زوجها، طالما تبيت في منزلها ولا تتغافل عن إعداد احتياجاته من مأكل وملبس، وهي غالبًا ما تعدُّ وجبة الغداء لزوجها من منزل أسرتها وتحملها لمنزلها ساخنةً، وإن لم تفعل ذلك تكتفي بالمعلَّبات أو الوجبات الجاهزة، وهو ما يُغضب زوجها ويوتِّر علاقتهما معًا؛ حيث يتهمها بإهماله والتقصير في حق بيتها وتفضيل أسرتها عليه.
لم تكن نادية (37 عامًا) كغيرها من المبالغات في زيارة الأهل وذلك بحكم بعد المسافة بين منزل أهلها ومنزلها ولكنها تعوِّض ذلك من خلال اختلاق المشكلات بينها وبين زوجها وتضخيمها وجعلها مبرِّرًا للخروج من منزل الزوجية إلى منزل الأهل، ولا تعود إلا بعد عدة أسابيع، وأحيانًا عدة أشهر؛ حيث تجد في منزل أبيها ما تفتقده في منزل زوجها، وهو الاهتمام بها والحنوّ عليها.
ولكن ماذا عن تقبُّل الأزواج هذا الوضع؟!
الزوج العازب
يؤكد مجدي (40 عامًا) متزوج منذ خمس سنوات وهو الآن بصدد البحث عن زوجة ثانية تعوِّضه عما فقده مع زوجته الحالية، ويقول إنها منذ زواجهما وهي بارعة في ابتكار الحجج والأعذار من أجل الذهاب إلى بيت أهلها والمكوث هناك لفترات طويلة، فتارةً تتحجج بأنها متعبة من الحمل وتحتاج إلى رعاية والدتها، وتارةً أخرى أن موعد الوضع قد اقترب وحاجتها لأمها باتت أكثر إلحاحًا، وبعد الوضع اكتشفت أنها لا تستطيع تحمُّل مسئولية الصغير وحدها وتحتاج إلى خبرة جدته، ومن ثم مرَّ العام الأول من الزواج وهي عند أهلها، وهو الآخر عند أهله، وكأنه لم يتزوج، وليت الأمر انتهى عند الحد، بل إنها ما زالت تتذرَّع بالحجج الواهية من أجل العودة إلى منزل أبيها لذلك فاض به الكيل ولم يستطع تحمل هذا الوضع.
بلا خصوصيات

حالة أخرى للزوج محمود (37 عامًا) مختلفة بعض الشيء؛ فيقول: ليست المشكلة في كثرة ذهابها لأهلها، فلست ممانعًا في ذلك، خاصةً ونحن جيران، ولكن المشكلة التي تكدِّر صفو حياتي معها هي أنها شديدة الاعتماد على أسرتها، ولا تستطيع اتخاذ أي قرار حتى في توافه الأمور إلا باستشارة أهلها، وهو ما جعلنا بلا خصوصيات، فجميع أسرار بيتنا يعلمها الكبير والصغير بأسرتها، وكلما نصحتها لا تستجيب حتى وصل الأمر يومًا إلى أنني هدَّدتها بأن أمنعها من زيارتهم؛ حتى تستطيع الاعتماد على نفسها، وتحترم خصوصياتنا، لكن هذا التهديد لم يغيِّر فيها شيئًا، بل زادت الخلافات بيننا وأصبح الشجار هو سمت حياتنا.
أما عبد الرحمن (38 عامًا) فلم يستمر زواجه سوى عامين؛ حيث بدت له منذ الشهور الأولى عدم رغبة زوجته تحمُّل أي مسئولية، فكانت أكثر إهمالاً في بيتها، تقضي أغلب أوقاتها عند أهلها دون أن تبالي بواجباتها نحوي، فقد كنت أعود إلى المنزل لا أجد طعامًا أو حتى غرفة النوم نظيفة حتى أستريح فيها بعد عناء يوم عمل طويل، وكلما عاتبتها تصرخ في وجهي، وتطالبني بإحضار خادمة لتساعدها في شئون المنزل، وهو أمرٌ لا يتفق مع إمكانياتي المادية، كما أنها دائمة المقارنة بيني وبين أبيها أو أخيها، وتراهم دائمًا أفضل مني، وكانت كثيرًا ما تضخِّم الخلافات بيننا وتتركني وتذهب إلى بيت أهلها بالشهور؛ الأمر الذي جعل صبري ينفد، وأقدمت على خطوة لم أكن أتمناها؛ وهي الطلاق!.
ارتباط مرضي
عرضنا هذه الحالات على متخصصين؛ فقالت د. هدى زكريا أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس إنه في البداية لا بد أن نتفق أنه لا يمكن محاسبة المرأة على برِّها بأهلها؛ فهو أمرٌ محمودٌ إن لم يتعارض مع واجباتها تجاه بيتها وزوجها، ولكن من الأمور التي ابتُليت بها بعض الزيجات، خاصةً الحديثة منها، أنَّ هناك بعض الزوجات ارتبطْن بالأهل ارتباطًا مرضيًّا، تتباين أسبابه من زوجة لأخرى، ولكنه في الغالب لا يخرج عن أمرين؛ إما أنه الهروب من المسئولية التي لم تكن قد تعوَّدت على تحمُّلها من قبل، أو أنه الهروب من الزوج لسوء عشرته لها؛ أما عن الأمر الأول فمن الظلم أن نلقي فيه اللوم على الزوجة فقط؛ فما هو إلا ثمرة لأسلوب تنشئة اجتماعية خاطئة غرست فيها الاتكالية وعدم تحمُّل المسئولية، فقد تغافلت بعض الأسر عن إعداد بناتهم إعدادًا يؤهِّلهن لأن يكنَّ زوجات وأمهات ناجحات، وهذا هو الفارق بين زيجات الماضي والحاضر؛ حيث كانت الأسر في الماضي أكثر حرصًا على تدريب بناتهن على تحمُّل المسئولية من أجل إعدادهن إعدادًا جيدًا للزواج؛ لذلك كانت معدلات الطلاق أكثر انخفاضًا والزيجات كانت أكثر استمراريةً ونجاحًا.
أما الآن فأصبحت الفتاة تعتبر التدريب على الأمور المنزلية نوعًا من إهدار الوقت، كما أنَّ كثيرًا منهن لا يفكِّرن إلا في الجوانب الوردية في الزواج فقط، وحين يتزوجْن يصطدمن بالواقع وما يحمله من مسئوليات لم تكن في حسبانهن، ومن ثم فإن الفتاة التي تربَّت على الاعتمادية لا يكون منها إلا الهروب من المسئولية بابتكار الحجج الواهية أو اللجوء إلى من يساندها فيها، وغالبًا ما تكون أسرتها، وكلا الأمرين يضير الزوج، ومن ثم تكثر الخلافات والنزاعات بينهما، وفي أحيان كثيرة تصل بهم المشاجرات إلى مفترق الطرق، خاصةً إن لم يكن لدى الزوج الصبر الكافي لتقويم زوجته؛ حيث إن الشخصية الاعتمادية تحتاج إلى مصابرة شديدة لتقويمها؛ فهي ليست حالةً ميئوسًا منها، خاصةً إذا كانت أكثر تقبلاً للنصيحة وحرصًا على حياتها مع زوجها.
ومن ثم تطالب د. هدى الأزواج بضرورة ألا يعجلوا في قرار الطلاق، فالأمر يحتاج إلى جهد ومثابرة حتى تتغير الزوجة، ولكن بشرط ألا يجعلوا مدة الخلاف تطول بينهم أكثر من اللازم؛ حتى لا تكثر مداخل الشياطين، وليبدأ معها في أن يشاركها في اتخاذ خطوات ترسم مستقبلهم، مع ضرورة التأكيد لها دائمًا أن بيت الزوجية لا يجوز أن تتركه طويلاً أو تهمله، مع ضرورة مشاركة أهلها له في هذا الأمر إذا كانوا حريصين على مستقبل ابنتهم، مؤكدةً أن كل ذلك لن يؤتي ثمارَه المرجوَّة إلا إذا توفرت لدى الزوجة الرغبة في الاستقرار والحفاظ على بيتها.
مخالفات شرعية
ويوضح د. أحمد ريان أستاذ الفقه بجامعة الأزهر الشريف أن الشريعة الإسلامية قدَّمت حق الزوج على الزوجة على أي حقوق أخرى، وهذا ليس انتقاصًا لحق الأهل على المرأة؛ فهي مأمورة ببرِّهم ووصلهم، وتكون آثمةً إن قصَّرت في حقهم، ولكن ليس مفهوم البر أن تبالغ في وصلهم ورعايتهم على حساب الزوج والبيت، ولكن عليها أن تعدل بين الأمرين دون المساس بحق زوجها، أو التقصير في بيتها، فروي عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أعظم حقًّا على المرأة؟ قال: "زوجها"، ومن ثم تقديم حق الزوج ليس من باب التفضيل؛ بقدر ما هو إعلاءٌ لشأن الأسرة المسلمة وترسيخٌ لقيم المودة والرحمة.
ومن ثمَّ يرى د. ريان أن القضية التي نحن بصددها ما هي إلا انحرافٌ عن مبادئ الشريعة؛ حيث تقع المرأة عن جهل في العديد من المخالفات الشرعية، ومنها على سبيل المثال خروجها بدون إذن زوجها، أو خروجها وهي تعلم أن زوجها يتضرَّر من هذا الأمر؛ ممَّا يُكسبها ذنوبًا هي في غنى عنها، كما أن إقامتها في بيت أهلها لمدة طويلة يفقد الزواج أجلَّ أهدافه، وهي أنه أغضُّ للبصر وأحصنُ للفرج، وكفى بذلك وزرًا لا طاقةَ لها به، هذا بالإضافة إلى إفشاء أسرار بيت الزوجية وغيرها من الأمور الأخرى.
ويناشد د. ريان الزوجة أن تتيقَّظ لهذه المخالفات، وتعود إلى صوابها، وتدرك أنها كزوجة أو كأمٍّ تحمل فوق كاهلها أجلَّ الرسالات وأضخمَ المسئوليات؛ ألا وهي بناء أسرة مسلمة يرتقي بها المجتمع والأمة بأسرها، وهي مسئولية تتضاءل بجوارها كافة المسئوليات الأخرى، وأن تكون على يقين بأنها مأجورة عند أدائها أيًّا من واجباتها تجاه الزوج أو البيت.
كما على الزوج أيضًا أن يصطبر على زوجته، وينصحها برفق، وألا يعجل أبغض الحلال ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (النساء: من الآية 19)، كما أن الله عز وجل وضع وسائل كثيرة للإصلاح، ومنها التحكيم إلى أفراد أصحاب خبرة ودين، وعليه أيضًا ألا يحرمها ألبتة من رؤية أهلها، فهذا ليس من خلق المسلم، كما سيؤجَر على برِّها بهم، ولكن مع الاتفاق أن يكون هذا دون إفراط أو تفريط.