وتوارت الأنوار في حلك الدجى  *** لما استخف الغِر بالقرآن

وتواترت أضغاث حلم زائل *** يزري وينقض حكمة الفرسانِ

وتحلل الإفك الكفور مشاركًا *** في وأد كل مناقب الإنسان

وتكالبت طُغم الفساد بليلةً *** تغري وتعلن نية العدوانِ

جمعوا رعاة الشاة من حاناتهم *** وتوافد الحمقى مع الجرذانِ

وتواكبت نِحل تمزَّق جمعُها *** وتترَّس المأفون بالخسرانِ

وتزايد الحساد طعنًا خِسةً *** وتبادلوا التزييفَ بالبهتانِ

هذا يدلس كاذبًا ومشوهًا  *** حقًّا أكيدًا.. ملة الديان

وذا يُمارس في الحقيقةِ منكرًا *** شرفًا أثيرًا خدمة السلطان

وقواعد الفجار كلٌّ يبتغي *** نشر الفجور بشرعة الشيطان

وتسابقت أوراق قوم قنع *** فذفوا بها وبحقدهم شطآنِ

عملاء أمنٍ يشترون بعرضهم *** وكأنما غنمٌ لدى العميان

الآكلين على الموائد لهفةً *** اللاهثين وراء زيفٍ فانِ

يتطلعون إلى المناصب رغبةً  *** وتزلفًا في خدمة التيجانِ

شاهت وجوه القوم مقتًا خِسَّةً *** وتأججت لهبًا من النيرانِ

في غير أدب أو حياء أججوا  *** نار المذلة والمروق الخاني

نصبوا المحافل والمسارح عنوةً *** كيما يشينوا صفوة الإخوان

الظاهرين على الأنام بدعوة *** السائرين على خطى الفرقان

بل أصبح المعروف شرًّا خالصًا  *** وتنكَّر اللاهون للإحسان

فتبدلت نعم الإله كوارثًا (1) *** للجاحدين لشرعةِ الديان

الساكتين عن الحقوق مخافة *** الرافعين لواء ذا البهتان

الخانعين الخاضعين بذلهم *** الرافضين الجهر بالإيمان

حتى الطيور غدت وباء كاسحًا *** والبحر قبًرا يجلب الأحزانَ (2)

والكل يسأل في شرودٍ ذاهلٍ *** والكل يرنو في أسى الحيرانِ

يتهامسون ويطلبون تحنثًا *** عونًا يُزيلُ كآبةَ الطغيانِ

ساد الفسادُ وطال كلَّ حياتِنَا *** لم يبق شيءٌ لم يطله الجاني

حتى التقاضي.. صار وهمًا كاذبًا *** لمَّا تمادى القوم في العصيانِ

أضحى البغيُّ بجوره وبظلمه *** لتسود دنيانا رحى الأضغانِ

يا ربِّ هل يُرضيك منَّا سادةٌ *** جهلوا بجهلِ الجاهلين زماني

يتوارثون الحكمَ قسرًا غيلةً *** ويُدلسون بكل لونِ هوانِ

فارحمْ نفوسًا غاب عنها صبرُها *** وغدت تناجى الربَّ في تحنانِ

واملأ قلوبًا بالأمان وبالرضا *** يشفي الصدور بنصرةِ الأوطانِ

وارفع لواء الحقِّ عزًّا مانعًا *** وانصر عبادك زمرة الإخوانِ

--------

(1) كلمة "كوارث" ممنوعة من الصرف، وقد صُرفت للضرورة الشعرية هنا

(2) كلمة (الأحزان) نُصبت، وبهذا خالفت حركة الروي، وهذا يُسمَّى عند العروضيين "إقواء"، وهو من عيوب القافية، لكنه جائزٌ.

---------

* عضو مكتب الإرشاد.