- مفاهيم والدي ترسخت مبكرًا في وعي الأسرة

- التوبة والنية الخالصة أهم دعائم استقبال رمضان

- الدعوة لا تتوقف.. ورمضان يعيد شحن الدعاة

حوار- سلمى ياسين:

تذوقت لذة الطاعة الحقيقية بالصيام في الرابعة من عمرها، فقد نشأت في بيت الداعية الكبير د. مصطفى مشهور المرشد العام للإخوان المسلمين- رحمه الله- الذي أفنى حياته في الدعوة، وغرس فيها من القيم والمفاهيم ما عجزت ظروف الحياة أن تغيره.. ومعه ومن بعده سارت على الدرب، والتزمت نفس النهج، وأصبحت الدعوة أسلوب حياتها وأسمى أهدافها.. هي الداعية الكبيرة سمية مشهور التي تجولنا وأبحرنا في ذكرياتها في رمضان في إطار الحوار التالي:

 

* في البداية نود أن نتعرف على برنامج الداعية سمية مشهور في رمضان؟

** بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله.. بدايةً عندنا جملة مبادئ في رمضان؛ منها عدم السهر بدون فائدة، فنحن نستيقظ قبل الفجر بساعة ونصف؛ لنصلي التهجد، ثم السحور، ثم صلاة الفجر جماعة قدر المستطاع (الرجال في المسجد)، ونجلس بعد الصلاة في بعض الأيام لقراءة القرآن مع التدبر وتحفيظ الأبناء للقرآن، ونقول أذكار الصباح حتى الشروق، ثم صلاة ركعتين، وأحرص على دعاءين يوميًّا؛ أولهما دعاء سيدنا إبراهيم "اللهم إن هذا خلق جديد فافتحه عليَّ بطاعتك، واختمه لي بمغفرتك ورضوانك، وارزقني فيه حسنة تقبلها وتضاعفها لي، وما فعلت من سيئة فاغفرها إنك أنت الغفور الرحيم"، والدعاء الآخر- وهو ضد الشيطان- "اللهم إنك سلطت علينا عدوًّا بصيرًا بعيوبنا، يرانا هو وجنوده من حيث لا نراهم، اللهم أيسه منا كما آيسته من رحمتك، وقنطه منا كما قنطته من عفوك، وباعد بيننا وبينه كما باعدت بين المشرق والمغرب، إنك على كل شيء قدير".

 

ثم أستريح بعدها لساعتين تقريبًا، ونستيقظ فنصلي الضحى وركعتين استخارة، أستحضر فيها كل أعمالي، أرتبها وأستخير فيها ربي، ثم ترتيب سريع للبيت يكون خلاله ذكر وتسبيح، ثم الذهاب إلى لقاء أو درس في المسجد في بعض الأيام، والبعض الآخر مدارسة كتاب أو كتابة شيء أحيانًا قبل صلاة الظهر، وربما قيلولة بسيطة بعدها في بعض الأيام، ثم متابعة الأبناء في القرآن والحديث في بعض معاني رمضان وإعداد الطعام؛ بحيث لا يأخذ وقتًا كبيرًا، ويمكن أيضًا الذكر أو سماع القرآن أثناء الإعداد مع تجديد النية أثناء العمل، وعدم الإسراف في الطعام والوقت.

 

ومن المبادئ أيضًا؛ الحرص على وضع صدقة ولو بسيطة يوميًّا في صندوق الصدقات أو الجهاد، والحرص على عمل أي خير من صلة رحم أو جار أو هدية أو دعوة بظهر الغيب أو قضاء حاجة وغيرها... قبل المغرب بساعة أو نصف ساعة تكملة الورد القرآني وأذكار المساء حتى أذان المغرب، ثم الإفطار على تمر، ثم الصلاة، ثم الطعام، وخروج كل أهل المنزل لصلاة التراويح، وبعد العودة لا نسهر فنصلي بعض الركعات؛ منها ركعتان بنية التوبة يعقبها دعاء سيد الاستغفار، ثم النوم حتى يسهل الاستيقاظ للسحور.

 

صلة الرحم

* في نطاق الأسرة.. ما أهم المفاهيم التي تحرصين على إحيائها هذا الشهر؟

** حقيقة فإن رمضان فرصة عظيمة لبث مفاهيم لأفراد الأسرة لمتابعتها وإحيائها في شهر رمضان؛ منها مفاهيم إيمانية كالمراقبة وتقوية الصلة بالله والقرآن، ومنها خُلقية؛ كالتغافر والتراحم وقوة الإرادة والصبر وكظم الغيظ، ومنها الأسري كتقوية الترابط الأسري، وذلك بحضور الأسرة معًا في السحور والإفطار، وأيضًا باجتماعها على الطاعة من قرآن وصيام وقيام.. كل هذا يقوي العلاقة الأسرية, مفهوم الحرص على التغيير إلى الأفضل والهمة العالية، فرمضان كأنه "كارت" شحن لزيادة الرصيد الإيماني.

 

* هل تختلف خطتكِ الدعوية في رمضان عن بقية الشهور الأخرى؟

** قد لا تختلف خطتي في رمضان عن بقية الشهور، ولكن لا شك أنها فرصة للدعوة أكثر، رغم اللقاءات والدروس والدعوة إلى الله في الأيام العادية، إلا أن رمضان يتيح لنا الاختلاط بالناس أكثر لحضورهم صلاة التراويح في المسجد، فنتحدث معهم كدعوة فردية، وأيضًا كلمات بعد التراويح للنساء، ونوزع عليهم بعض الكتيبات والمطبوعات، وكذلك الموضوعات والمجلات الخاصة بالأسرة التي نتعرض فيها لموضوعات تخص النساء؛ مثل السلوكيات والحجاب الصحيح، وأيضًا العبادات فرمضان شهر الدعوة؛ حيث الهمة العالية عند الداعي وعند الناس تكون أكثر من الشهور الأخرى، قد يظن البعض عند دخول رمضان أنه من الأفضل أن يجلس مع نفسه، ويعتكف على قراءة القرآن والذكر والقيام، اجتهادًا في الطاعة، ولا يختلط بالناس حتى لا يشغلونه، بل على العكس لمن يستطيع الدعوة (وكلنا نستطيع، كل حسب إمكانياته)، فالدال على الخير له مثل أجر فاعله، وكان الوالد- رحمه الله- يقول: إن الداعي لديه الحاسة السادسة (إضافة إلى الحواس التي ميَّزه الله بها)، وهي الدعوة إلى الله في كل وقت وحين.

 

لا إسراف

* هل يكون للأهل والجيران نصيب من هذه الخطة؟ 

** نعم، عند قدوم رمضان نهنئ أهلنا وجيراننا، ونقدم لهم بعض المطبوعات والكتيبات الجديدة التي تخص الشهر، ونحرص على تزيين البيوت أو العمارة بزينة رمضان, مع دعوة بعض الأهل إلى الإفطار، وعمل إفطار جماعي لسكان العمارة التي نقطن بها، الرجال في مكان، والنساء في مكان آخر، ثم درس للنساء بعد الإفطار، وقد يستمر هذا الدرس بعد رمضان مرة كل أسبوع، ونشجعهم للذهاب معنا إلى صلاة التراويح، وكذلك إلى صلاة العيد، فمثل هذه الأمور تقوي الصلة بين السكان جميعًا، وإذا كان هناك أي شحناء بين بعضهم نحاول إزالتها, كما أننا لا نقتصر على الصلة بأهل العمارة فقط، بل نتعاون لإيصال الخير لبعض أهل الحي الفقراء، مثل إعطائهم شنطة رمضان.

 

 الصورة غير متاحة

* ما تقييمكم لدور المرأة الداعية في هذا الشهر، وهل هناك عقبات تعترض طريق دعوتها؟

** إذا كان رمضان فرصة للأخت الداعية، ومع احتكاكها بالناس؛ خاصة في صلاة القيام أو في أي مكان؛ فهذا يتطلب منها الإخلاص حتى يتقبل الله منها، وإلزام نفسها وبيتها لما تدعو إليه فهي قدوة لغيرها, كذلك الصبر في معاملة الناس مع ضبط النفس, كذلك التواضع والاستيعاب للناس, قوة تحملها للتعب والمشقة، فالداعية بقدر ما تعاني تنل ما تتمنى، فهو شهر المجاهدة فمن طلب الراحة (في الآخرة) ترك الراحة (في الدنيا).

 

الأخت الداعية تعتبر نفسها في رمضان في دورة تدريبية مركزة على العمل الدعوي, فعليها أن تكون ذات همة عالية، فعلو همة الداعي عنوان فلاحه.

 

من العقبات التي تعترض الدعوة في هذا الشهر التضييق علينا في المساجد (في الدروس أو صلاة التراويح)، كذلك منع جمع تبرعات للمرضى والفقراء وفلسطين, وأيضًا التضييق في طبع المطبوعات الدعوية (غلق المطبعة)... وغيرها.

 

الوالد مصطفى مشهور

* لا شك أن لشهر رمضان ذكريات خاصة، كانت تجمعك مع الوالد- رحمه الله- فحديثنا بداية كيف دربكِ على الصيام؟

** أذكر أنني صمت منذ سن صغيرة، ربما من سن أربع سنوات أو خمس سنوات، وكان الوالد في المعتقل، وكان تواصلنا مع الوالد بالخطابات، فكان يشجعنا على العبادات؛ ومنها الصيام حتى صيام التطوع (الإثنين، والخميس، وثلاثة أيام منتصف الشهر)، ويخص كل فرد من أفراد الأسرة بالنصائح والمتابعة، وكانت الوالدة الفاضلة- رحمها الله- تتولى الجانب التطبيقي والعملي، جزاهما الله عنا كل خير.. ربِّ ارحمهما كما ربياني صغيرًا.

 

* وكيف كان برنامجه الأسري في رمضان؟

** في الحقيقة أن يومه في رمضان مثله في غير رمضان من قرآن وصيام وصدقات وقيام، فأيامه كلها كأنها رمضان، وربانا على ذلك وإن كان رمضان قد يزيد بعض الشيء عن غيره؛ مثل الجلسة اليومية قبل المغرب لقراءة القرآن وأذكار المساء، وأيضًا كنا نستيقظ قبل الفجر بساعة ونصف لصلاة التهجد، ثم السحور، ثم صلاة الفجر (الرجال في المسجد والنساء في البيت)، وقد يكون هناك جلسات في بعض الأيام حتى الشروق.

 

* ما أهم القيم والمفاهيم التي حرص على غرسها فيكم في هذا الشهر؟

** من أهم القيم صلة الأرحام، الكرم مع الناس، عدم الإسراف في المأكل والمشرب والقناعة بما قسمه الله، إيصال الخير لكل الناس بكل الطرق، الحرص كل الحرص على الوقت عمومًا وخاصة في رمضان، والدعوة في رمضان فرصة عظيمة لدعوة الناس، كذلك التسامح والتراحم خاصة في هذا الشهر.

 

* وماذا كان برنامجه الدعوي في رمضان؟

 الصورة غير متاحة
**
في الحقيقة كان مشغولاً جدًّا في هذا الشهر مع إخوانه في حضور لقاءات كثيرة؛ سواء في القاهرة أو في المحافظات، وكان أغلب أيام رمضان يفطر مع إخوانه وأيام قليلة كان يفطر في البيت بعد أن يسبقها لقاءات، فكان يرتاح قليلاً، وكان لا يفوته فرصة بدون دعوة إلى الله؛ خاصة في رمضان، ويعتبر أن الدعوة إلى الله هي الزاد.

 

* هل كان لديه عادات معينة يحرص عليها في رمضان؟

** نعم، كان حريصًا على الاتصال بالأهل والأقارب في أول ليلة؛ لتهنئتهم بقدوم رمضان، وكذلك توزيع التمر على الأهل والجيران، كذلك حرصه على حضور الإفطار العائلي الكبير في البلدة في أول يوم في رمضان وصلاة العيد في قريته، وكان يصلي بهم إمامًا، ولا يفوته في هذه الفترة أن يجلس ويتحدث مع أهل قريته عن الإسلام.

 

* في النهاية نريد منكِ توجيه دعوى لكل أسرة حول كيفية الاستقبال الأمثل لرمضان؟

** حتى نستطيع أن نحسن استقبال رمضان؛ علينا أن نتخفف من مشاغلنا الدنيوية والمنزلية، وإنجازها قدر الإمكان قبل رمضان من تنظيف شامل للبيت، وتوفير بعض السلع التي يحتاج إليها المطبخ من طعام؛ حتى يمكن الإقلال من النزول إلى التسوق، ويمكن تجميد بعض الخضروات في الفريزر... وغيرها حتى لا يأخذ منا الطبخ وقتًا كبيرًا، وحتى نحسن استغلال الوقت المبارك للشهر الكريم في الطاعات وفعل الخيرات؛ لأن الثواب فيه مضاعف, فعلينا أن نشعر أبناءنا بقدوم رمضان؛ وذلك بتنسيق البيت، وإظهار بعض التغيير، وتعليق الزينة ابتهاجًا بقدومه، كذلك الاستقبال والاستعداد الإيماني والنفسي؛ خاصة أننا في إجازة لا مدارس ولا استذكار، فلدينا الوقت الوفير الذي يمكن أن نشغله، ونستفيد به ببرنامج مفيد ومتنوع لنا وللأبناء؛ لممارسة عبادات جماعية وفردية منها القرآن وصيام الإثنين والخميس وثلاثة أيام في منتصف الشهر العربي، والقيام، وصلة الأرحام، وفعل الخيرات، والتحدث عن المعاني الإيمانية لرمضان، وفضل الصيام وثوابه، والانتصارات التي حدثت به، ومدارسة أحكامه، وصيام الجوارح، ونردد معهم "اللهم بلغنا رمضان" كل ذلك لتهيئة نفوسهم، قبل قدوم رمضان، ونتفق معهم على وضع خطة للاستفادة من الشهر الكريم؛ فهو فرصة عظيمة فمن أحسن استقباله بهذه الطريقة أحسن الاستفادة منه، ولا ننسى فضل إحياء الليلة الأولى؛ فإن الله ينظر إلى عباده فيها، ومن نظر الله إليه (وهو على طاعة) لا يعذبه، فعلينا أن نستقبله بتوبة صادقة ونية خالصة وهمة عالية.