في أواخر الأربعينيات- ومطلع الخمسينيات من القرن الماضي- رفع الصهاينة أعلامهم, وثبَّتوا أقدامهم في فلسطين، وطُرد أصحاب الأرض من أرضهم, ونهب اليهود أموالهم, واستحلُّوا دورهم, وعاش المشرَّدون عيشةً لا آدمية في خيام ضائعة ممزقة متناثرة في بعض دول الجوار, يستبدُّ بهم الجوع والفقر والمرض, والشعور الحاد بالغربة والضياع.

 

وفي إحدى عواصم الغرب نشرت الصحف آنذاك خبر أحد الكبار- أو الأمراء النفطيين- الذي قضى ليلةً واحدةً شيطانيةً حمراء, دفع فيها مئات الألوف من الدولارات.. فنظم الشاعر العظيم "عمر أبو ريشة" قصيدةً بعنوان: "هكذا"، يصف بها- بأسلوب مرٍّ ساخرٍ- هذه الليلة الفاجرة, وكيف اعتبر ذلك عدوانًا على الخلق والأمة, والقيم العربية الموروثة:

فإذا النخوةُ والكِبْر عَلَى = ترف الأيام جرح موجعُ

هانت الخيلُ على فرسانِها = وانطوت تلك السيوف القطَّعُ

والبطولاتُ على غربتها   = في مغانينا جياع خُشَّع

 

ثم ختم قصيدته بالبيت التالي:

هكذا تُقتحم القدسُ على  = غاصبيها, هكذا تُسترجَعُ

إنها الإدانة الساخرة يطلقها الشاعر, والمرارة تمزق فمه, وتُلهب دماءه.. إنه صوت الاستنكار القويِّ، الصادق المدوِّي، الذي يُصدر الحكم الحاسم بأن "القدس لن تُسترجع" وفي وطننا مثل هذا الفاجر, ومثل هذا الفجور.

 

وبعد ذلك أصبح من السهل على القارئ أن يدرك أن المضمون العام للقصيدة, ومنطوق بيتها الأخير هما اللذان ألهماني عنوان مقالي هذا.

 

انفجار.. انفجار!!

وهناك واقعة لا أنساها, يمكن أن أستدلَّ بها على صحة الحكم الذي قدمته آنفًا, وخلاصة هذه الواقعة أنني بُعَيد النكسة.. نكسة سنة 1967م، في مساء يوم من أواخر يونيو؛ قادتني قدماي إلى شارع فؤاد بالقاهرة, فرأيت أمام سينما "ريفولي" صفًّا طويلاً جدًّا، أغلبه من الشباب لشراء تذاكر لمشاهدة فيلم أمريكي اسمه Blow Up) انفجار)، واعتقدت أنه فيلم من الأفلام الحربية مثل: "نضال الأبطال", و"أطول يوم في التاريخ"، وقلت في نفسي: فيلم يتفق مع الجو الذي نعيشه, ولكني صُدِمت حينما رأيت أن الملصق الكبير على واجهة السينما يصوِّر فتى وفتاةً في وضع متهتك جدًّا, فسألت أحد الواقفين أمام شباك التذاكر عن موضوع الفيلم، فأجاب ضاحكًا: "موضوعه حاجة كده "فُلَّلي"- نسبةً إلى الفل- حاجة تسلِّي الشباب اللي زينا.. ما شفناش حاجة زيها قبل كده"!.

 

ثم علمت أن الفيلم من الأفلام الجنسية الصريحة الصارخة جدًّا, وأنه أُدخل مصر بناءً على أمر من قيادات عليا جدًّا، وهدف حكامنا- صنَّاع النكسة وهي في واقعها نكبة- أوضح من أن نعيد القول فيه.

 

ولا أبالغ إذا قلت إننا- مما يزيد على ربع قرن- نعيش أسوأَ العهود, وأشدَّها سوادًا وهبوطًا في تاريخ مصر:

- ألوف من  البشر يعيشون فوق مقابر الأموات بسبب الفقر وأزمة المساكن.

- مئات الألوف من الخرِّيجين والعمال لا يجدون عملاً.

- الرشوة, والاختلاسات, وسرقة البنوك, ونهب أرض الدولة, والكذب والنفاق, والتزوير, والشعور الحاد بالخوف.. و.. و. كل أولئك يمثل قائمة "أخلاقية" جديدة في هذا العهد.

 

أما الإعلام فقد أصبح محصَّنًا ضد الاحترام والتقدير، ولو اطرد هذا المعيار لأصبحت ظاهرة نانسي أمرًا عاديًّا جدًّا... جدًّا؛ مما يدفع شاعرنا عمر أبا ريشة- لو كان حيًّا- أن يقول: "لا تفرطوا في نانسي وأخواتها".

 

فبها تُقتحم القدسُ على = غاصبيها, وبها تُسْتَرجَع

وادعوا للسلطان بالعمر المديد, والعيش الناعم السعيد، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

---------------

* gkomeha@gmail.com