آية الوضوء والتيمم تربية للعقل والنفس:
اقرأ آية الوضوء التي تتضمن أحكامًا شرعيةً عن فرائض الوضوء، لكنها تعالج قضايا أخرى عميقة جدًّا في ثناياها، وتربي العقل البشري على إعمال فكره والاستنباط، وفي نفس الوقت تضبطه بضوابط الشرع حتى لا يضل، وتوقفه عند حده؛ ليعرف قدره، فلا يتعدى حدوده، ويقدر ربه حق قدره، فهو وحده صاحب الأمر والنهي: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ (الأعراف: من الآية 54)، فمن خلق ملك، ومن ملك أمر، ومن تخاريف العلمانيين أنهم يتصورون أنه يصورون أن في الوقوف عند حدود الله والانتهاء عند نواهيه، تقييد لحرية العقل والفكر، ولو كانوا يعقلون لعلموا أنهم خلطوا الأمور، فإن الله حث العقل البشري وحفزه إلى إعمال الفكر وإطالة النظر في الكون كله، واستنباط العبر والعظات، بل واكتشاف السنن الكونية، وابتكار المخترعات، وتقليد الكائنات المبثوثة في الكون، لتعلمه الطيران والسباحة والغوص، بل ودفن الموتى: ﴿فَبَعَثَ اللهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ﴾ (المائدة: من الآية 31).
وهذا هو المجال الذي يستطيع العقل فيه أن يبدع وأن ينتج ما ينفع، وعندما يقال لك: إن عينيك لن تستطيع أن تنظر إلى ما وراء الجدار؛ فإن من احترامك لقدرات عينك ألا تقحمها فيما لم تخلق له، أو فيما فوق طاقاتها، ولذلك كانت الآية التي نصحبها محددة لما حدده الله ﴿أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (المائدة: من الآية 6)، ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (المائدة: من الآية 6)، عندما أراد الله أن يحدد بمعالم لا يختلف عليها اثنان، أما عندما أراد أن يوسع قال: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (المائدة: من الآية 6).
ويقول الشيخ الشعراوي رحمه الله، إن الباء لها عشرة معاني وكلها صحيحة، وكلها بمعانيها تسعها الآية، ليحدث التحديد والتوسعة في آية واحدة، بل تدريب لملكات العقل، وتنمية للذكاء؛ قالت الآية ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾، بفتح اللام، ليكون حكم الأرجل معطوفًا على حكم الأعضاء المغسولة حكمًا، المنصوبة إعرابًا، ويكون ذكرها هنا لمكانها من الترتيب، ثم يأتي أمر سيادة أوامر الله على العقل المسلم المسَلم لربه بالطاعة والإذعان، فعندما لا يجد ماءً يتطهر بالتراب، وهنا يتوقف العقل ليقول لصاحب الأمر والنهي سمعًا وطاعةً، كما يقول الإمام علي رضي الله عنه لو كان الدين بالرأي لكان مسح بطن الخف أولى من ظهره، هنا يكون العقل في قمة ذكائه وفطنته، كما يكون عبدًا لله وحده سبحانه في قمة حريته: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131)﴾ (البقرة).
وصدق من قال: "العجز عن الإدراك إدراك، فقف أيها العقل عند منهاك".
وجاء الأذان في الرؤيا هدية لعبد الله بن زيد؛ لأن الأذان جائزة لمن حمل هم دينه ودعوته ثم لم يقدر أن يفعل شيئًا.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمْ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ (البقرة: من الآية 243).
علاج جذري لقضية الجبن والخوف من الموت.. رغم أن كل الناس يموتون إلا الشهداء فهم أحياء، ورغم أن كل الناس تعاني من آلام الموت أشد المعاناة إلا الشهيد فإنه لا يجد من ألم القتل إلا كما يجد الإنسان العادي أثر القرصة كما أخبر الصادق المصدوق، فلماذا الجبن والخور؟ وأنت عندما تنوي الشهادة بصدق، أنزلك الله منازل الشهداء وإن مت على فراشك وهكذا قال خالد بن الوليد- رضي الله عنه- وهو يموت على فراشه، رغم كل معارك النزال خاضها زهاء تسعين معركة، فلا نامت أعين الجبناء، ويقول الإمام علي رضي الله عنه:
أي يـوم من الموت أفـر؟ يوم لا يقدر، أم يوم قدر
يوم لا يقـدر لا أرهبه ومن المقدور لا ينجي الحذر
نعود إلى الآيات.. ألوف خرجوا هلعًا وفزعًا لا يريدون أن يموتوا، ويخافون على حياتهم، فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم، أي أن الموت مقدر لا يصلح الهرب منه وسيلة للنجاة، كما أن الإحياء والإبقاء على الحياة منحة من الله عز وجل الذي ندبنا؛ لنفدي دينه بأرواحنا، وننال الجنة مكافأة على ذلك، رغم أن الأجل سينتهي في موعده المسمى ﴿مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ (البقرة: من الآية 243).
خلاصة القضية كلها، ثم ما بعدها من الآيات يستمر في علاج القضية من جذورها بالحث على الإنفاق للجهاد بالمال والنفس ثم بإعداد قيادة للجهاد، ثم تصفية الجنود مرة بعد مرة باختبارات للقدرات الجهادية والإيمانية؛ ليتم في النهاية اختبار من يقع عليه شرف نزول نصر الله عليه وقد كان.
القرآن روح تسري في الأرواح:
الإنسان وهو يقرأ القرآن تتغير فيه تغيرات خفية داخلية، مثل من يدخل مجالاً مغناطيسيًّا يؤثر عليه.. وهذه هي التجربة التي أجراها د. أحمد القاضي في ولاية فلوريدا؛ تجربة علمية تقاس بالأجهزة العلمية القياسية والبيولوجية لفسيولوجيا الأعضاء والسوائل، مجموعات من المضطربين نفسيًّا والمتوترين جربت معهم وسائل عديدة ومن ضمنها سماع القرآن بانتظام، وأيضًا سماع لغة عربية بانتظام، كأحد صور العلاج، وهم لا يتكلمون العربية ولا يعرفونها، وبالطبع لا يعرفون القرآن؛ فكانت نسبة نجاح علاج القرآن فيهم 97%، وأكثر من هذا يترسب في النفس علاجًا لبعض الأمراض السلوكية بدون أن يشعر الشخص نفسه أو حتى يقصد.
إن تشابه آيات في ختامها أو في بدايتها، وأمر تكرار قصة بأكثر من صورة ليكون لها لفت للأنظار لكل زاوية على حدة، وكذلك كي تبحث عن أجزاء القصة في كل سور القرآن فتتربى العقلية التجميعية لا التفتيتية أو التجزيئية (والعقلية التجميعية هذه عقلية ناضجة رشيدة، تتمكن عند كل قضية أو مشكلة، أن تجمع أطرافها ولا تكون ضيقة الأفق، فتصل إلى حل حكيم شامل، يحقق كل النجاحات في جميع الاتجاهات، كذلك هذا التشابه يوحد الانتباه ويطرد الغفلة، والإنسان المنتبه المتربي على القرآن لا يسهل استدراجه من باب غفلته، وحتى لو حدث فسيجد نفسه يقرأ في سورة غير السورة، وآيات غير الآيات، فيعود من قريب، ويتعود على الرجوع إلى الحق وليس التمادي في الخطأ، والعقل الذي لم يكن يعرف الأرقام تتناول سور القرآن العديد من الأرقام، وأجزاء الواحد الصحيح، وكأنه تدريب خفي على علوم الحساب، بل على أصول علوم الحسابات والحاسبات والإحصاء قبل العد العجيب ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94)﴾ (مريم).
البحث العلمي في القرآن:
يتيه علينا الغرب بما حققه من تقدم علمي مادي اكتشف مفرداته هو بالتجربة والمشاهدة والاستنتاج، كمنهاج للبحث العلمي منذ عشرات السنين فقط، وصدقناه بل وأحسسنا بالهزيمة الداخلية (التي هزمنا بها أنفسنا قبل أن يهزمنا غيرنا) كما يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله.. بل أكثر من هذا أعجبنا بالمنهج، وربطنا بينه وبين التقدم في مقابل التخلص من الدين، وذلك عن قصد أو عن عدم قصد أو عن سوء قصد أحيانًا.
فطالبوا بفصل الدين عن الدنيا؛ لتخلص الدنيا من أغلال الدين، وتنطلق وتحقق التقدم الذي حققه غيرنا، وخابوا وخسروا، لم يخسروا دنياهم فقط، ولا آخرتهم فقط، بل بتعبير القرآن المعجز: ﴿خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ (الأعراف: من الآية 9).
تعالى أخي لنصحب سورة الحج، ولا يفوتنا أن نلمح هنا بريق هذا الوقت الذي يجتمع فيه الجميع تلبية لنداء الله- عز وجل- في مكان واحد، في صعيد واحد، بملابس أشبه ما تكون بالكفن، لذلك كانت أول آية في سورة الحج: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1)﴾.
ثم نعود لموضوعنا وهو البحث العلمي في القرآن، القضية التي يطرحها القرآن ليرد على المكذبين بالبعث المعاندين، بل على المنكرين أن يكون للإسلام منهج تجريبي أصلاً، فضلاً عن أن يكون هذا المنهج التجريبي يزداد به المؤمن يقينًا بالغيبيات.
اسمع يا أخي.. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ﴾ (الحج: من الآية 5)، قضية شك تحتاج إلى إثبات فبضرب مثال مادي، ولكنه غيب بثلاث درجات رغم أنه مادي؛ لأنه حدث في وقت لم يشهده أحد: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ﴾ (الكهف: من الآية 51)، وبعد غيب مؤقت: نطفة.. علقة.. مضغة (مخلقة- غير مخلقة)، غيب منظور؟ لعدم وجود ما ينظر به إليه، فما اخترع الإنسان ما يقرب إليه ويعينه من أدوات مساعدة شاهدناه واقعًا ماديًّا بالضبط كما حكى لنا، وبعده مراحل مشهودة: طفلاً- بلغ أشده- ثم وفاة وعودة إلى التراب.
هذه تجربة ومشاهدة، وترك الاستنتاج مؤقتًا، ثم تجربة علمية على جنس آخر من الكائنات وهو النباتات، ولكن بداية ظهورها غيب غير منظور، أرض هامدة ليس فيها حياة أنزلنا عليها الماء.. أنبتت من كل زوج بهيج، وغني عن البيان أن هذه النباتات تصبح هشيمًا وتجف وتموت، وإذا تعددت التجارب على أكثر من مختبر وظهرت نتائج متشابهة فإن المنهج العلمي التجريبي يقول: إن الاستنتاج يكون أشمل وأعم، وهذا ما طبقه مندليف في جدوله الدوري للعناصر المتشابهة في الخواص، والمتبادلة تدرجًا في الصفات.
ذلك. أي المستنتج من التجربتين أن الله هو الحق، استنتاج عام شامل، وأنه يحيي الموتى.. إثبات الفرضية الأولى، وأنه على كل شيء قدير؛ لأنه أحدث نفس النتيجة في أكثر من تجربة على أكثر من صنف من المخلوقات.
وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. ألسنا نحن أولى بالمنهج التجريبي البحثي منهم، والذي يندبنا إليه هو رب العزة، كما أجرى هذه التجربة عمليًّا أمام سيدنا إبراهيم عليه السلام في الاستدلال على نفس الفرضية المطلوب إثباتها حسيًّا، وهي قضية غيبية، واستدل بالمحسوس على المغيب: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنْ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260)﴾ (البقرة).
ونفس التجربة- بنتائج مختلفة- أن يتغير هو شخصيًّا تغيرًا طفيفًا، بإحساسه أنه مر عليه يوم أو بعض يوم ويبقى الطعام لا يتغير بينما الحمار الذي كان مع الطعام قد بلى وصار عظامًا نخرة، والاثنان متجاوران بتجربة ومشاهدة واستنتاج جزئي، ثم استنتاج كلي:﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259)﴾ (البقرة).
هذه هي القدرة المطلقة، صدق بعد ذلك أن صاحبها على كل شيء قدير؛ حث القرآن على البحث العلمي: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا﴾ (الأنعام: من الآية 11)، ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ (الأنعام: من الآية 59)، ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (الإسراء: من الآية 85)، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (يوسف: من الآية 76)، إثبات العلم المادي والجهل بالآخرة يمحو علم الدنيا، لأنه على غير أساس: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: من الآية 13)، ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7)﴾ (الروم)، ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾ (يوسف: من الآية 86).
في سورة يوسف عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام تجد أبًا فقد ولديه الحبيبين المقربين إلى قلبه، ويزيد من ألم الفراق ألم مصيبة أن السبب في ضياع ولديه أو تضييعهما هو بقية أبنائه الذين حقدوا عليهما لحب أبيهم لهما أكثر منهم، لمن يشكو ما فعله أبناؤه في ولديه؟ وممن يطلب؟ ومن يرجو؟ هل يطلب من الجناة البحث عن المجني عليهم؟ وقد وصلت حالته البشرية الإنسانية- الضعيفة طبعًا- للبكاء الذي أصاب العينين بالعتامة، وسبب ذلك الحزن في تشخيص قرآني لهذا المرض من أمراض الرمد الشهيرة، ولكن الشق الإيماني الروحاني الموصول بالسماء في شخصية سيدنا يعقوب، وهو الشيء الذي يربينا القرآن عليه ألا يتزلزل الإيمان، موقنًا بوعد الله مهما حدث.. كيف؟ لا ندرس، متى؟ لا تدري، أين؟ لا تدري، لكنه يعلم من الله ما لا يعلمون، نفس الكلمة التي قالها سيدنا يعقوب الذي لم ييأس من رحمة الله وعيناه بيضاء من الحزن والبكاء، قالها عندما بشروه بوجود يوسف عليه السلام: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنْ اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: من الآية 96)، أيها الحزين، اشك بثك وحزنك إلى الله، واعلم علم اليقين، أن الله سامع كل صوت، وسابق كل فوت، ومحي العظام وكاسيها لحمًا ومنشرها بعد الموت.
إن ترديد هذه الآية في قيام الليل، يملأ القلب الضعيف قوة، والحزين راحة وطمأنينة، والخائف أمانًا والمهزوم نصرًا.. ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنْ اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (86)﴾ (يوسف) هكذا.. كانت طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم في التفاعل مع القرآن، يرد إجابة على السؤال، فقد سمع من يقرأ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1)﴾ (الغاشية) قال: نعم قد جاءني، وكان لا يمر بآية فيها عذاب وهو قائم يصلي إلا ويستعيذ بالله من شره، ولا يمر بآية فيها نعيم إلا ويسأل الله من فضله، وقد قام الليل كله بآية يرددها ليس فيها شيء يطلبه لنفسه، ولا لدفع ضر عن نفسه، ولا لصد عنت المشركين، ومضايقتهم، وإيذائهم له، ولكنه قام ينادي ربه ويناجيه: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)﴾ (المائدة)، ولما سمع قول الله- عز وجل- ﴿إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ (النساء: من الآية 41) تفاعل مع الآية، وعاش الموقف الرهيب، فلم تتحمله نفسه الشريفة، فبكى من هول الموقف وعظم التشريف.
وهكذا تفاعل الصحابة- رضوان الله عليهم- مع الآيات والأوامر والنواهي.. ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ﴾ (المائدة: من الآية 91) في تحريم الخمر، قالوا: انتهينا يا رب، ولما سمع أبو بكر الصديق- رضي الله عنه- قول الله- عز وجل: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ﴾ (النور: من الآية 22)، قال: بلى نحب، بل أكثر من ذلك، نساء الأنصار تفاعلن مع الأمر فورًا، فلما نزل قول الله عز وجل ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ (الأحزاب: من الآية 59)، قمن إلى مروطهن فشققن فاعتجزن بها، لم يماطلن ولم يسوفن وعشن الأمر وقمن بالاستجابة.
بل فوق ذلك كان التفاعل مع القرآن مبكرًا عند نفس كنفس عمر- رضي الله عنه- الملهم: (أنزل لنا في الخمر قولاً شافيًا).. وقبل إسلامه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن عند الكعبة فقال في نفسه: إنه لقول شاعر فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ (41)﴾ (الحاقة)، فقال عمر: كاهن، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (42)﴾ (الحاقة).