الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد المرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

 

فإن أي علاقة تتجاوز حدود الفرد إلى غيره تحتاج إلى ضبط وتنظيم، وبيان حدود ومعالم، وإظهار كافة الحقوق والالتزامات، ويوصف ما تقدم بلوائح تنظيم العلاقات بين الأفراد.

 

وهذا الضبط والتنظيم لا علاقة له بما بين الأفراد من وشائج القربى والصداقة ونحوها بل تشتد الحاجة إليه كلما تعمقت العلاقة بين طرفين، وأيضًا هو عام وشامل في كافة المجالات (المالية، والاجتماعية، والسياسية وغيرها)، لكنها في المجال المالي والمشروعات الاستثمارية بشكل عام آكد وأخطر.

 

ولبيان أهمية وجود لائحة بين أصحاب المشروعات المشتركة فإننا نتناول الموضوع في عناصر أربعة:

الأول: مفهوم اللائحة.

الثاني: التأصيل الشرعي لوجود لوائح تنظم العلاقات بين الأفراد.

الثالث: ما يجب الإلمام به واستيفاؤه من قبل الأفراد للبدء في مشروع.

الرابع: أهم بنود اللائحة وأهمية كل بند.

 

أولا: مفهوم اللائحة:

مصطلح "لائحة" مأخوذ من "لاح الشيء يلوح" إذا بدا وظهر، وتأتي "لائحة" بمعنى ظاهرة وواضحة ومفصلة، ومن ذلك قولهم: "لاحت سبل الأحكام"، وقولهم: "معالم الدين لائحة" أي ظاهرة ومفصلة.

 

والمقصود بها في الاصطلاح: "قواعد ملزمة مفصلة لتنظيم التعامل وضبط العلاقات في مؤسسة ما أو بين مجموعة من الأفراد، تحدد الحقوق والالتزامات، وتضع الضوابط التي يجب اتباعها والرجوع إليها لتسيير عمل المؤسسة وللرجوع إليها عند الخلاف".

 

وهذا النوع الذي نقصده في التعريف هو خليط من نوعين من اللوائح:

الأول: اللوائح التنفيذية، والمقصود بها: القواعد التي تضعها سلطة مختصة لوضع قانون أو تشريع صادر من سلطة أعلى موضع التنفيذ. وفي اللوائح التي نقصدها هنا يجب وضع الضوابط الشرعية التي سنها الشرع في مجال التعامل موضع التنفيذ، وسن الإجراءات الكفيلة بحسن تطبيقها.

 

الثاني: اللوائح المستقلة. وهي الضوابط التي لا تستند إلى تشريع قائم إنما يجتهد الشركاء في وضعها من باب رعاية المصالح ودرء المفاسد. ويطلق عليها اللوائح التنظيمية.

 

ثانيًا: التأصيل الشرعي لوجود لوائح تنظم العلاقات المالية بين الأفراد:

يمكن الوقوف على التأصيل الشرعي لوجود لوائح تنظم العلاقات بين أصحاب المشروعات المشتركة بالأدلة والحجج الآتية:

 

أولاً: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ............ إلى قوله تعالى وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا﴾ (البقرة: من الآية 282)، فقد نصت الآية الكريمة على أهمية كتابة الديون، وبينت فوائد وحكمة هذه الكتابة من أنها تمنع وقوع الظلم والحيف، وتمنع الريبة والجحود والنكران، وأقوم في أداء الشهادة وأحكم.

 

وإذا كانت الآية قد ذكرت الديون لعظم أمره، وكثرة وقوع الخلاف فيه، فإن الدين لا يخرج عن كونه التزامًا ناشئًا عن علاقة مالية قد تكون شركة، أو بيعًا، أو قرضًا أو غير ذلك من صور المعاملات؛ ولذلك فهي تدل بمنطوقها على أهمية كتابة كافة الالتزامات وتحديدها بدقة ووضوح وتفصيل؛ لما يقع في الاختلاف في أي التزام ما يقع من الاختلاف عند جحود الدين أو نكرانه، ومن هنا يمكننا أن نقول: إن كتابة لوائح مفصلة لتنظيم علاقة الشركاء بعضهم مع بعض أقسط عند الله، وأقوم للشهادة، وأنفى لأسباب التهمة والريب والنسيان.

 

ثانيًا: ثبت في الصحيحين عن حكيم بن حزام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "البيعان بالخيار ما لم يفترقا أو قال: حتى يفترقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما, وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما".

 

يدل الحديث على أهمية الصدق والبيان في إجراء عمليات البيع بأنواعه المختلفة وحذر من الكتم وسائر صور التدليس والغش، والبيان في البيع ربما يصرفه البعض في جانب البائع إلى إظهار ما في السلعة من عيوب فقط وفي جانب المشتري بإظهاره ما في الثمن أيضًا، ولكن النص أعم من أن يقف عند هذه الحدود، فالحث على البيان كما يشمل السلعة أو البضاعة يشمل أيضًا كافة الالتزامات والآثار المختلفة المترتبة على إجراء عقد البيع في جانب البائع والمشتري كتسليم السلعة، ونقل ملكيتها، وضمانها بعد البيع ضمان عيب أو استحقاق، وما في العقد من شروط مقترنة به، وكذا تسليم الثمن وبيان آجاله إن كان مؤجلاً، وقدر كل قسط، وطرق توثيقه إن كان هناك توثيق من كتابة أو رهن أو كفيل غارم ونحو ذلك ما هو من آثار العقد..

 

كما أن الحديث وإن جاء في عقد البيع؛ لكونه أعظم العقود المالية وأكثرها أثرًا إلا أنه ليس هناك ما يمنع من دخول كافة العقود في حكم البيع، وقد أحال الفقهاء رحمهم الله تعالى كثيرًا من أحكام العقود المالية على عقد البيع.

 

ثالثًا: روى الترمذي وابن ماجه والبخاري تعليقًا عن العداء بن خالد قال: "كتب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابًا: هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى منه عبدًا- أو أمة- لا داء ولا غائلة ولا خبثة، بيع المسلم المسلم".

 

فها هو النبي صلى الله عليه يبيع البيع ويكتب كتابًا، والحقوق والالتزامات المتولدة من البيع أقل منها في الشركة ونحوها، فتكون أولى.

 

رابعًا: روى مسلم وأحمد وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر، والغرر هو ما تردد بين الحصول وعدمه؛ وذلك لجهالته، أو للعجز عن تسليمه، ولغير ذلك من الصور التي أدرجها الفقهاء في الغرر.

 

ووجه الاستدلال بهذا الحديث على أهمية وجود لائحة بين الأفراد: أن اللائحة تمنع الجهالة، وتقطع سبل النزاع، والتأويلات المتضاربة للحقوق والالتزامات، وما تقدم من مصالح الشرع الواجب تحصيلها، ومن وسائل تحصيلها كتابة اللوائح.

 

خامسًا: فهم الفقهاء من نصوص الشرع وقواعده أنه لصحة أي عقد من العقود المالية وجوب أن يكون محلها معلومًا، وكذا أطرافها، وآثارها وإلا كان العقد فاسدًا، والقاعدة عندهم أن "تعاطي العقود الفاسدة حرام" ومن صور تحقيق هذا الشرط المتقدم: كتابة اللوائح.

 

ثالثًا: ما يجب الإلمام به واستيفاؤه من قبل الأفراد للبدء في مشروع:

أ- معرفة طبيعة المشروع ومخاطره، ويحققها القيام بما يسميه الاقتصاديون "دراسة جدوى" يتبين فيها: نوع المشروع، ومتطلباته واحتياجاته، وفرص النجاح، وحجم العوائق وكيفية التغلب عليها، طبيعة المنافسين في السوق وكيفية مزاحمتهم.....

 

وما تقدم وغيره يمكن الوقوف عليه من النصوص الواردة في أهمية تدبر عاقبة الأمور، ومنها: ما رواه ابن حبان والحاكم من حديث أبي ذر "يا أبا ذر لا عقل كالتدبير, ولا ورع كالكف, ولا حسن كحسن الخلق" والمقصود بالتدبير كما قال أهل اللغة: النظر في أدبار الأمر أي في عاقبته، بمعنى: معرفة ما يترتب عليه من ربح أو خسارة ونحو ذلك.

 

وقد ذكر الفقهاء في الآداب لطلب الكفاية من الكسب شروطًا ثلاثةً:

أحدها: استطابته من الوجوه المباحة وتوقي الوجوه المحظورة.

 

الثاني: طلبه من أحسن جهاته التي لا يلحقه فيها غض أي نقص, ولا يتدنس له بها عرض, فإن المال يراد لصيانة الأعراض لا لابتذالها, ولعز النفوس لا لإذلالها. ويروى (اطلبوا الحوائج من حسان الوجوه) أي: من أحسن الوجوه التي تحل.

 

الثالث: أن يتأنى في تقدير مادته وتدبير كفايته بما لا يلحقه خلل ولا يناله زلل, فإن يسير المال مع حسن التقدير, وإصابة التدبير, أجدى نفعًا وأحسن موقعًا من كثيره مع سوء التدبير, وفساد التقدير.

 

ب- الأحكام الشرعية الحاكمة لنشاط المشروع.

 

ومعرفة ذلك من الواجبات الشرعية ؛ للوجوه التالية:

1- ما رواه أبو يعلي الموصلي في مسنده عن أنس أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال "طلب العلم فريضة على كل مسلم" قال النووي: "وهذا الحديث وإن لم يكن ثابتًا فمعناه صحيح. وهذا الحديث يرفع مرتبة طلب العلم وخاصة علم الحرام والحلال إلى درجة الفرائض".

 

2- التفقه في المعاملات وغيرها هو السبيل لعدم الوقوع في المحظورات المتعلقة بها، ومنع المسلم نفسه من الوقوع في الحرام واجب شرعي، وما لا يتأدى الواجب إلا به فهو واجب.

 

قد كان عمر بن الخطاب يخرج من السوق من ليس له علم بأحكام التجارة، ويقول: "لا يقعد في سوقنا من لا يفقه وإلا أكل الربا شاء أم أبى".

 

3- من أقوال الفقهاء: قال الإمام النووي "يحرم الإقدام على مثل البيع والنكاح ونحوها إلا بعد معرفة شروطها وتعلم كيفيتها"، وقال الغزالي "اعلم أن تحصيل علم هذا الباب- علم الكسب- واجب على كل مسلم مكتسب؛ لأن طلب العلم فريضة على كل مسلم، وإنما هو طلب العمل المحتاج إليه، والمكتسب يحتاج إلى علم الكسب".

 

والأحكام المطلوب معرفتها في باب الكسب ثلاثة:

الأول: معرفة ما تصح به المعاملة من أركان وشروط وغيرها، وكذا ما يقطع سبل النزاع.
الثاني: معرفة وجوه الفساد التي تقع في المعاملة بسبب الخلل في تنفيذها أو مما قد يقع فيه البعض من وجوه الكسب المحرم.

 

الثالث: معرفة الآثار المترتبة على المعاملة.

ج- معرفة القوانين واللوائح المنظمة للنشاط.

ووجه معرفة ذلك قبل الدخول في النشاط: أن يتوقى الشركاء الوقوع في مناهٍ قانونية ولائحية فيتعرضون للمساءلة أو إغلاق النشاط ومن ثم الخسارة وغيرها، ودفع الضرر واجب، واللوائح والقوانين التي تهدف إلى تحقيق المصالح ودفع المفاسد يجب احترامها وتنفيذها.

 

رابعًا: أهم بنود اللائحة وأهمية كل بند:

يجب أن تشتمل لائحة المشروع على البيانات التالية:

1- شكل المشروع النظامي والشرعي.

بمعنى وصف المشروع ومعرفة شكله النظامي والشرعي، فالشرع والنظام قد حددا أشكالاً للمشروعات، فالفقه الإسلامي سمى العقود الاستثمارية وغير الاستثمارية بأسماء كالبيع والإجارة، والمضاربة، والشركة، والاستصناع، ونحو ذلك، كما أن الأنظمة المختلفة فعلت مثل هذا فهناك في الشركات مثلاً: شركة التضامن، والتوصية، والمساهمة، وتوظيف الأموال ونحوها.

 

ويجب ذكر ذلك؛ لمعرفة الأحكام الشرعية والنظامية لمثل هذه العقود، وعدم الوقوع في أي وجه من وجوه المحظورات.

 

2- وصف المشروع.

بمعنى: أن يوصف المشروع وصفًا كافيًا، وطبيعة السلع التي يتم التعامل فيها، أو السلعة التي تصنع، أو التي تستورد، ومقر المشروع، وغير ذلك مما يقدم صورة واضحة عنه.

 

3- المشاركون.

أطراف العقد، وبياناتهم كاملة، وصفاتهم في التعاقد بالأصالة أم بالوكالة أم بالولاية، ومحال إقامتهم.

 

1- طبيعة مشاركة كل فرد ونسبتها في رأس المال.

 

أي معرفة نوع مشاركته: نقدية، أم عينية، أم عمل، أم إدارة، ونسبة الحصة بالمقارنة برأس المال كله.

 

2- تقييم الحصص العينية وحصص الإدارة وحصص العمل.

 

إذا كانت هناك حصص عينية مقدمة من أحد الشركاء فيجب تقديرها تقديرًا صحيحًا، وكذا حصص الإدارة وحصص العمل، ويجب أن يكون ذلك قبل بدء العمل في الشركة.

 

3-مدة المشروع.

4- تحديد المدير، والنص على سلطاته وصلاحياته وعلاقته بالشركاء.

5- طرق الرقابة على الإدارة.

6- الاتفاق على طريقة توزيع الأرباح والخسائر، ولها في الشرع ضوابط يجب الالتزام بها.

7- التزامات الأطراف المشاركة في المشروع وتحديد ما يترتب على الإخلال بها.

8- معالجة حالات انسحاب أحد الأفراد من المشروع أو وفاته أو غير ذلك.

9- الضمانات المقررة لمنع الوقوع في أخطاء إدارية أو محاسبية أو سلوكية.

10- كيفية تصفية المشروع وانتهاؤه وما يترتب عليه من معرفة الحقوق والالتزامات.

11- تحديد مرجعية ملزمة للفصل فيما يقع بين الأفراد من نزاع.

12- بنود أخرى يرى الأطراف إضافتها. 

 هذا والله ولي التوفيق

------------

*أستاذ الفقه المقارن المشارك بجامعة الأزهر.