السائل: زينب- مصر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد، يتخلص سؤالي في أنه قد تقدم لي عريس يعمل في إحدى شركات المقاطعة (فودافون) فهل يجوز أخذ المال من هذه الشركة، بناءً على ذلك سأحدد موقفي من الرفض أو القبول؟ فأرجوكم أفيدوني وفي أسرع وقت، أرجوكم عااااااااااااااجل جدّاااااااااا وجزاكم الله خيرًا.
يجيب عن هذا السؤال الدكتور: رجب أبو مليح، دكتوراه في الشريعة الإسلامية بكلية دار العلوم جامعة القاهرة:
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه.
لم نعرف بشكل يقيني أن هذه الشركة من شركات المقاطعة، وإن كانت فليست كل شركات المقاطعة محرمة، فالعبرة بالمقاطعة تتوقف على مدى النفع والضر المترتب على هذه المعاملة.
فإن كان هذا الخاطب على خلق ودين فاستخيري الله تعالى واستشري أهل الفضل من أهلك وخاصة والديك وأخوتك وتوكلي على الله تعالى، وما دام يقوم بعمله على خير وجه فماله حلال إن شاء الله تعالى.
ومقاطعة سلع وبضائع وثقافات الدول والحكومات التي تناصب المسلمين العداء وتحتل أرضهم وتسفك دماءهم، ولا ترقب فيهم إلاًّ ولا ذمة هو من الواجبات، وإن كان من أقلها، فالواجب الحقيقي علينا هو الجهاد مع المظلوم ضد الظالم، والوقوف مع المستضعفين في خندق واحد.
ولكي يكون سلاح المقاطعة أكثر فعالية لا بد أن نضع له هذه الضوابط:
أولاً: إن الأصل في معاملة غير المسلمين الجواز، والتحريم هنا تحريم عارض، فهو ليس محرمًا لذاته بل محرم لغيره، هو محرم لكسر شوكة العدو المحارب وتقوية شوكة المسلمين وإثراء اقتصادهم، لأن الناس لن يستطيعوا العيش بدون بيع وشراء وأخذ وعطاء فلو تحولت هذه المعاملات التي تجري بين المسلمين وغير المسلمين إلى معاملات بين المسلمين بعضهم البعض لتحول حالهم من هذا الضعف والذلة إلى قوة وعزة، ولو امتنع الأثرياء من العرب وغيرهم عن وضع أموالهم في البنوك الأجنبية وهذه الأرصدة التي تقدر بمئات المليارات ثم تحولت هذه الأرصدة للاستثمار بين بعضهم البعض لصار الحال غير الحال.
ثانيًا: إن هذه المقاطعة لو حدثت عن طريق الحكومات والدول لكانت أجدى وأوقع ففي هذه الحالة ستمتنع الدولة عن استيراد سلع الدول المحاربة، وستقوم بتصنيع السلع البديلة وساعتها لا توقع الناس في حرج، لكن تخاذل الحكومات وعجزهم لا يعفينا من أن نقوم كشعوب بدورنا حتى ولو كان صغيرًا تطبيقًا لحديث الفسيلة، ذلك الحديث الذي يقول فيه النبي- صلى الله عليه وسلم- "إذا قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل"، وإعمالاً للجهاد الذي تحول إلى فرض عين على كل مسلم ومسلم سواء إذن به الحاكم أو لم يأذن كل حسب قدرته وإمكاناته.
ثالثًا: المقاطعة الاقتصادية ليست هي المقصودة فقط بل لا بد أن تكون هذه المقاطعة مقاطعة شاملة تشمل المقاطعة الاقتصادية والمقاطعة الثقافية والمقاطعة السلوكية والاجتماعية وغير ذلك حتى نقف حجر عثرة أمام هذا المشروع الحضاري المخالف لعقيدتنا الذي يريد عدونا أن يصدره إلينا بكل صوره وأشكاله حتى يدمر قيمنا ويهدم أخلاقنا ويستعبدنا لنظل مقهورين مأسورين نعيش على فتات موائده التي سلبها من قوتنا وأموالنا عنوة بغير حق.
رابعًا: إن فتاوى المقاطعة ليست حكمًا عامًّا يطبق في كل زمان ومكان وعلى كل الأشخاص في كافة الظروف والأحوال، بل هي فتاوى ترتبط بالزمان والمكان والأشخاص والظروف والأحوال، فما يكون محرمًا على شخص قد لا يكون محرمًا على شخص آخر، وما يكون محرمًا في مكان قد لا يكون محرمًا في مكان آخر، والأمر يخضع لفقه الموازنات وفقه الأولويات، كما يخضع لفقه المصالح والمفاسد، فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، والمصلحة العامة تقدم على المصلحة الخاصة، ولو أن إنسانًا مضطرًا للعمل أو استيراد سلعة لا تتوافر عند غير أعدائنا، فالضرورات تبيح المحظورات، لكن الضرورة تقدر بقدرها، ويتحمل الضرر الأدنى لدفع الضرر الأكبر إلى آخر هذه القواعد والضوابط الفقهية.
فعلى سبيل المثال المسلم الذي يعيش في أمريكا غير المسلم الذي يعيش في مصر أو أي بلد عربي أو إسلامي، والأشياء التي لا نجد لها بديلاً عند غير الدولة المحاربة وهي من الأشياء الأساسية وليس من الكماليات بل من الضروريات تختلف عن الأشياء التي نجد لها بدائل كثيرة، والموظف الذي يعمل في شركة دولة محاربة ولا يجد بديلاً يقتات منه يباح له العمل للضرورة أو الحاجة الشديدة التي تنزل منزلة الضرورة، وبخاصة لو كان الدور الذي يقوم به ثانويًّا لا يؤثر على الشركة التي يعمل فيها تأثيرًا يذكر.
خامسًا: ليست الشركات والأشياء التي يجب أن نقاطعها على قدر واحد، فالشركات الإسرائيلية والأمريكية (مثلاً) تأتي في المرحلة الأولى ثم تتبعها الدول الأخرى التي تحارب المسلمين في دولهم أو تضطهدهم في دولها ثم الشركات الأمريكية صاحبة العلامة التجارية في الدول العربية والإسلامية إلى آخر هذه الترتيبات.
سادسًا: على رجال الاقتصاد أن يقوموا بالدراسات الجادة حول هذه المسألة حتى يمكننا معرفة الشيء الهام الذي لو قاطعناه أثر في أعدائنا ومعرفة الأشياء التي لا بديل لها لدينا وغير ذلك من الأسس والضوابط التي تعين الفقيه على إصدار فتواه بشكل علمي صحيح، وقام بعض الأفراد بإعداد قوائم للسلع التي تساهم بشكل أو آخر في اقتصاد الدول المحاربة غير أن هذه القوائم ليست دقيقة بل هي جهود فردية تخطئ في بعض الأحيان فتضع بعض السلع على قائمة المقاطعة وهي شركات محلية، أو تقترح بديلاً لشيء تجب مقاطعته فتأتي بشيء آخر لنفس الدولة المحاربة، لكننا بحاجة إلى إعداد دراسات جادة محايدة في هذا الصدد لأن المقاطعة ليست مقصودةً لذاتها بل الغرض منها إحداث النكاية بالأعداء أو جلب المصالح للمسلمين، فإن لم تؤد هذا الدور أو كانت نتيجتها سلبًا لا إيجابًا فلا فائدة منها إذن.
والله أعلم..