عندما قام كيان الصهاينة على قرار التقسيم ظنَّ العالم أن كل شبر خارج هذا القرار يعدُّ أراضيَ محتلةً يجب إعادتها إلى العرب.

 

ولكنَّ للكيان نظرة مخالفة، وهي أنه اعتبر القرار اعترافًا من المجتمع الدولي بحقه في استرداد أرض الأجداد من الفلسطينيين الغزاة، وخدع العالم كله طوال الستين عامًا الماضية، ودخلت الأمم المتحدة متظاهرةً برؤية المجتمع الدولي، ولذلك لم يفهم الصهاينة سبب غضب المجتمع الدولي من استمرار عدوانهم وتوسعهم في فلسطين وحولها.

 

والحق أن إعلان قيام إسرائيل عام 1948 كان واضحًا في إعلان هذه النظرية، ثم أكدها نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في الأسبوع الأخير من سبتمبر 2009 بشكل لا لبس فيه، مكررًا ومؤكدًا رؤية أسلافه جميعًاً.

 

في ضوء ذلك نعتقد أن العرب انخدعوا بدعاوى السلام وعملية السلام والمفاوضات، وكلها محطات استفاد منها المشروع الصهيوني وتراجع فيها الموقف العربي، وقد استمر الانسحاب العربي أمام إسرائيل على أمل أن يصدق قولها في أنها تريد حلاًّ يُقيم دولتين، بينما هي مستمرة في برنامج الإبادة ويهودية الدولة وتطهير جسدها من عرب 1948 الذين يقدمون شهادةً عمليةً على أنهم أصل الوجود، وأن وجود إسرائيل هو الطارئ.

 

وكان طبيعيًّا أن تستمر إسرائيل في الاستيطان وفي أعمال الإبادة، وأن تحصل على دعم أوروبي وأمريكي؛ لأن هذين العاملين هما أهم أركان المشروع الصهيوني، بينما العرب يكررون عبارات السلام؛ لعل ذلك يشفع عند إسرائيل!!.

 

نحن الآن إذن أمام حقيقة لا مراء فيها: إسرائيل تريد كل الأرض وتريد التخلص من كل السكان وتضيق ذرعًا بالطبع بالمقاومة، وتخطِّط للقضاء عليها وتجفيف منابع الدعم لها.. فهل يستمر العرب يجترون آمال السلام العادل الدائم، ويتناسون موقف إسرائيل المتقدم صوب الحل النهائي؛ بموقفهم الذي يعوِّل على المعنى الطبيعي للمصطلحات؛ بحيث يكون للسلام معنى ردِّ الحقوق إلى أصحابها، والقبول بحقوق لإسرائيل لعلها ترضى، وأن يكون للحل النهائي معنى واحد، وهو تسوية جميع الآثار المترتبة على الصراع؟!

 

كان لا بد أن يدرك العرب أنهم يطالبون بما لا يناسب صرامة مواقفهم واستعدادهم وإدارتهم، فلماذا تقدم إسرائيل شيئًا وتوقف مشروعها لقوم يتراجعون، وتضغط فيفزون، وتكشر عن أنيابهم فيزورون؟! لقد وصلت الأمور الآن إلى نقطة اللا عودة.. قضية تصفَّى، ومشروع يتوحَّش، ومخطط لتفتيت الأوطان العربية لإضعاف القدرات العربية حتى يتمدَّد المشروع بسهولة في كل الجسد العربي، وتتعلَّق بآمال السلام الزائف، مثلما تعلَّق الشريف حسين بوعود ماكماهون في وحدة العرب.

 

فهل يسلم القادة أوطانهم إلى هذا المصير الذي يرونه رأي العين؟!

أعتقد أنه لم يعد أمامنا سوى مواجهة هذا المشروع الشيطاني والمؤامرة الدولية على الحقوق العربية، فإذا كانت إسرائيل الغاصبة تطالب بكل فلسطين، فالأولى بنا نحن أن نطالب بها وكفى خداعًاً..

 

لقد كنا نضغط على حماس ومن في مثل موقفها حتى تقبل بدولة في حدود 1967م حتى لا يكون المطالبة بإسرائيل دعوة لتدميرها، وهي التي تدمِّر كل شيء وتملك من القوة ما يثير الشكوك حول سلوكها ومقاصدها ولسلب المنطقة قدرتها على الاستقرار والتنمية.

 

فالخطوة الأولى في الموقف الجديد هي المطالبة بفلسطين كلها بعد أن منحت إسرائيل كل الفرص لتثبيت جدرانها بالبقاء بيننا دون أن تقنع أحدًا بأي سلامة لسبب بقائها.

 

أما الخطوة الثانية فهي مطالبة الجمعية العامة في دورتها الحالية بطرد إسرائيل من المنظمة الدولية بعد أن خدعت الجمعية ذاتها وتحايلت على شروط قرار الجمعية بقبولها عضوًا في الأمم المتحدة، فلم تنفِّذ شرطًاً واحدًا من الشروط الثلاثة التي تعهَّدت أمام اللجنة السياسية الأولى بتقيدها، وهي قرار التقسيم وحق العودة وحماية حقوق الأقلية العربية في إسرائيل من خلال دستور، بل قامت بعكس ذلك تمامًا فتنكَّرت لقرارات التقسيم والعودة، وأظهرت ما أبطنته عام 1949، فحريّ بالجمعية أن تبطل عضويتها، خاصةً أن إسرائيل دأبت على امتهان قرارات الأمم المتحدة.

 

الخطوة الثالثة قطع كافة العلاقات مع هذا المشروع الغاصب، وأما الخطوة الرابعة فهي السعي إلى تقديم المجرمين من قادتها للمحاكمات الجنائية.

 

إن التهاون في شنِّ حرب دبلوماسية وقانونية ضد إسرائيل سوف يتبعه آثار بالغة الخطر، فلا يمكن التعايش بين السرطان والجسد، فالأمراض تستوطن في الجسد لتقضي عليه وليس لتتعايش معه.

 

هكذا سقطت عن إسرائيل كل شروط صحة عضويتها، فلا يمكن أن تزعم أنها دولة محبَّة للسلام بعد كل هذه الجرائم إلا أن يكون السلام هو إبادة العرب، وكذلك لا يمكن أن تدَّعي إسرائيل أنها تحترم التزاماتها وفق الميثاق في ضوء سجلِّها الحافل في امتهان القانون الدولي وقرارات المنظمة الدولية.

إن الفرصة سانحة ولا بد من اقتناصها.