يقف محمود عباس "أبو مازن" وحيدًا اليوم وظهره إلى الحائط الذي يستند إليه بعيدًا عن شعب فلسطين وفصائله المقاومة والمفاوضة على السواء، حتى بعض رموز حركة فتح ومنظمة التحرير، وهذا الظهر الذي يسنده هو "العدو الصهيوني" و "الراعي الأمريكي"؛ بعد أن انكشف تمامًا في قضية تقرير "ريتشارد جولدستون" إلى لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، حول جرائم الحرب التي ارتكبتها القوات الصهيونية في حرب غزة، والتي تصل إلى مستوى جرائم ضد الإنسانية؛ مما كان يعرض قادة العدو الصهيوني إلى المثول أمام المحكمة الجنائية الدولية بتلك التهم، ويضعهم في قفص الاتهام مثل غيرهم من قادة الصرب وخاصة بعد اتهام رؤساء دول حاليين مثل البشير.
فضح الجميعُ انفرادَ "أبو مازن" بالقرار الفضيحة بتأجيل مناقشة التقرير إلى مارس القادم؛ مما أنقذ مجرمة الحرب من الإدانة والمحاكمة، فمندوب قطر أعلن أن التوصية جاءت بإيعاز من "محمود عباس"، ومصر أعلن وزير خارجيتها أن مصر لم تعلم بالقرار مسبقًا ولم يناقشها أحد، وأمين عام منظمة المؤتمر الإسلامي تنصل من المشاركة في المشاورات، وكانت الفضيحة أن يتهرب ممثل السلطة في الاجتماعات من الإجابة عن السؤال الصريح: من وراء القرار؟ ثم جاء بتبريره بعذر هو أقبح من الذنب عندما يقول: إن حماس هي السبب لأن التقرير يدينها أيضًا، بينما أعلن من قبل أن محاولة الحصول على موافقة الدول الكبرى وجمع أكبر عدد من المؤيدين في مارس المقبل هو السبب!!.
تكشف بعض العوامل وراء هذا الرضوخ في ضغوط صهيونية وأمريكية، وكان في مقدمتها أمران:-
الأول: التهديد الصهيوني بكشف أسرار الحرب على غزة ودور السلطة الفلسطينية "ومحمود عباس" وأركان سلطته والمحيطين به في التحريض على الحرب، والمطالبة باستمرار الحرب حتى القضاء على "حماس" والمقاومة في غزة، والمشاركة في الحصار المفروض على مليون ونصف المليون فلسطيني منذ سنوات، ولدى العدو الصهيوني أدلة دامغة بصوت "عباس" والزمرة المحيطة به.
الثاني: التهديد الصهيوني بعدم تمرير رخصة شبكة المحمول الجديدة، والتي يستفيد منها المتاجرون الآن بالشعب الفلسطيني وقضيته، والمروجون للحل الاقتصادي إذا لم تسحب السلطة الفلسطينية التقرير وتطالب بتأجيله، وهو ما يهدد مشروعًا استثماريًّا يرعاه من حولوا قضية الشعب الفلسطيني إلى مسألة اقتصادية بمبلغ يصل إلى 300 مليون دولار؛ مما وضع هؤلاء جميعًا في خانة المتاجرين بدماء الشهداء والمساومين على الحقوق الفلسطينية وثوابت الحق بثمن بخس.
لقد كشفت هذه المسألة أبعاد الطبخة المسمومة التي يتم إعدادها للشعب الفلسطيني منذ سنوات، ووصلت إلى مراحلها قبل الأخيرة أو الأخيرة وكانت هي الفاضحة.
إن "أبو مازن" هو من فاوض باسم المنظمة في "اتفاق أوسلو"، وهو من سوَّق لهذا الاتفاق من وراء ظهر الحكومات العربية المعنية بالقضية وفي مقدمتها "مصر"، وهو من فرضه الأمريكيون والصهاينة على "عرفات" رئيسًا للوزراء لتنفيذ كل الالتزامات من جانب واحد، ولإنهاء انتفاضة الأقصى، وهو الذي يقبع الآن في سدة الرئاسة السلطة الفلسطينية دون سند شعبي أو وضع قانوني ودستوري، وهو الذي سارع مؤخرًا لإحداث تغييرات ضخمة في هياكل حركة فتح ومنظمة التحرير ليمرر "الطبخة المسمومة" دون معارضة حقيقية من الذين قادوا نضال الشعب الفلسطيني طوال 40 سنة.
والركن الثاني في الإعداد للطبخة هو "سلام فياض" الذي لا ينتمي لأي حركة أو منظمة فلسطينية، ويفخر بأنه من "التكنوقراط" الذين عملوا في المؤسسات الدولية، ويتبنى صراحةً نهج الحلول الاقتصادية للقضية الفلسطينية، والمساومة على الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني في الأرض والمياه والمقدسات وعودة اللاجئين مقابل ما يظنه- وهو وهم- من ازدهار اقتصادي أو حياة معقولة في الحد الأدنى للحياة، وهو نفس نهج نتنياهو، ويطبق ما يراه الآن على الأرض في "الضفة الغربية" وفق اتفاق دايتون الجنرال الأمريكي الذي يطلق يد العدو الصهيوني ومعه قوات السلطة الفلسطينية الأمنية لاعتقال كل من يقاوم الاحتلال أو يرفض الرضوخ للاتفاقات المهينة دون مقابل يُذكر في تحسين أحوال الفلسطينيين.
بل إن ما يروج له "فياض" هو المقارنة بين حال الحصار التام في غزة وحال الحصار الجزئي في "رام الله" و"نابلس"، ويأتي دور بقية المتآمرين حول رئيس السلطة في رام الله وحول رئيس الوزراء معه مثل "صائب عريقات"، الذي تحولت حياته إلى مفاوضات مستمرة ودائمة و"ياسر عبد ربه" الذي فضحه على الهواء سؤال من مذيع في إذاعة لندن عندما شتمه وسبه وهو يسأله: "من الآن العدو من الصديق"؟!، و"الطيب عبد الرحيم" الذي يقضي يومه وليله ينسج المؤامرات ضد حركة "حماس" و"قطاع غزة"، و"محمد دحلان" الذي يكرمه عباس ويرفعه مع هؤلاء إلى موقع المسئولية في حركة "فتح"، بالرغم مما ارتكبه من جرائم في حق حركته فتح وشعب غزة.
هؤلاء جميعًا أصبحوا مرتهنين للعدو الصهيوني الذي سجَّل عليهم وثائق وأدلة تثبت تورطهم ضد المقاومة وضد حقوق الشعب الفلسطيني، ومرتهنين لنهج سقيم حتى ولو كانوا بدءوا التفكير فيه عن اقتناع فقد تحولوا الآن إلى أسرى لهذا النهج التآمري الذي يرفض المقاومة ابتداءً، ثم يتحول إلى حرب على المقاومة في النهاية، ثم يصبح أداة في يد العدو في نهاية المطاف.
اليوم يثبت الشعب الفلسطيني أنه قادر على كشف هؤلاء جميعًا، وفضحهم ووضعهم في الزاوية، ثم لفظهم في نهاية المطاف.
عندما يقف "عباس" وحيدًا عاريًّا في مواجهة الشعب الفلسطيني، وعندما يصمت هؤلاء جميعًا فلا يجدون كلمة واحدة يدافعون بها عن قرارهم الفضيحة، وعندما يهدد العدو نفسه بكشف تواطؤهم على "غزة"، وتحريضهم السافر ضد الشعب المقاوم، وعندما تتنصل الحكومات العربية والمنظمات العربية والإسلامية من المشاركة أو حتى المشاورة في اتخاذ ذلك القرار فإن من يتحمل المسئولية هو "أبو مازن" والحلقة الضيقة حوله المستفيدة من التعاون مع العدو وتمرير مخططاته.
والدور الآن يأتي على المرابطين في القدس والأقصى، والمقاومين في غزة والضفة، واللاجئين في الشتات في سوريا والأردن ولبنان؛ ليصَعِّدوا مقاومتهم ضد الاحتلال بكل الطرق والوسائل، وليحشدوا خلفهم جموع الشعب الفلسطيني الذي لم يفرط في حقوقه، ولن يتنازل عن ثوابته.
يجب على الجميع أن يدرك أن هذه الزمرة بقيادة عباس فقدت شرعيتها الوطنية بعد أن فقدت شرعيتها الدستورية، وإن محاولة الإبقاء عليها في سدة السلطة ستفشل، بل يجب إعادة النظر في النهج كله "نهج أوسلو"، وما أفرزه من سلطة وهياكل ومؤسسات؛ لبدء مرحلة جديدة من جهاد الشعب الفلسطيني.
الظروف الدولية الآن مواتية؛ فالخروج القريب من العراق، والفشل الذريع في أفغانستان، والأزمة الاقتصادية العالمية، والمشاكل التي تمسك بخناق العالم تحتم على الفلسطينيين والعرب والمسلمين الوقوف لمراجعة ما ضاع من سنوات في أوهام سراب المفاوضات عبر نفق أوسلو، الذي انتهى إلى طريق مسدود، والبحث عن مخرج لن يكون إلا عبر دعم صمود الشعب الفلسطيني في كل مكان، ودعم المقاومة الشجاعة التي أثبتت قدرتها على إفشال الصفقات والطبخات المسمومة حتى الآن.