لا يمكن أن نصف مئات الطلبة داخل مؤسسة تعليمية من السهل جدًّا أن تلتزم بالقيم التربوية والأخلاق بل وتدعو إليها.. طلبة يمكثون أكثر من ست ساعات يوميًّا في مكان واحد مهيأ لعدد لا بأس به من الأنشطة التربوية، وهدير من التفاعلات الإنسانية بينهم وبين المدرسين وأولياء الأمور بما يجعلها تدريبًا يوميًّا على القيم والأخلاق وجوانب الشخصية الإسلامية المطلوب بناؤها؛ ما يحقق مسلمًا متوازنًا بين العبادة الصحيحة والسلوك الاجتماعي البنَّاء، والمستوى العلمي المتميز، لا يمكن أن نصف هذا المكان إلا أنه كنزٌ دعويٌّ، يشبه كنوز الذهب الأسود أو البترول في الصحراء، والذي تتسابق الشركات العملاقة على التنقيب عليها في أراضي الغير، حتى تحصل على نسبة من هذا الكنز.
وتكمن المشكلة في كنزنا الدعوي، والتي قد تصيبنا بالحسرة والألم أحيانًا، بأننا نعلم قيمة المدرسة من الناحية الدعوية، ونعلم أنه كلما زادت القاعدة الدعوية زادت معها المواهب والقدرات التي يصبح من السهل اكتشافها؛ فتصبح لديها سرعة أكبر في الاستجابة لمهارات الشخصية الإسلامية المطلوبة، بما يعود بسرعة بالنفع على الإسلام وعلى المجتمع وعلى نجاح الطالب في حياته شخصيًّا من الناحية العملية.
ونعلم أيضًا أن التعليم في أي دولة لا يمكن أن ينفصل عن منظومة قيم تلازمه وتصاحبه حتى يحقِّق هدفه في مجتمعة، من النشء المفروض أنهم سيكونون مسئولين عن المجتمع على صورة أب وزوج وموظف وإعلامي ومدرس وطبيب ومهندس.. إلخ.
كل ذلك يعني أن المدرسة كإدارة ومدرسين، من مصلحتها أن تشارك في إنجاح هذه المنظومة، فنجاحها يعنى نجاح التعليم نفسه.
وإذا أضفنا إلى ذلك رعية أولياء الأمور أنفسهم في أن تقوم المدرسة بدور تربوي يرفع جزءًا من معاناتهم مع أولادهم في سوء التعامل وتوتر العلاقات بينهم وسوء المستوى الدراسي؛ يكون قد شاركنا طرف ثالث بالغ القوة والأهمية في العملية التربوية.
ويبقى العنصر الأقوى والأهم، هو رغبة الطلبة أنفسهم في تغيير أنفسهم، وحلمهم بأن يحترمهم المجتمع ويقدِّر مشاعرهم وإمكاناتهم، وفطرتهم السليمة لأن يكونوا أشخاصًا محبوبين نافعين وصالحين.
إلا أنه رغم كل ذلك، فإن النجاح الدعوي في المدارس لا يكاد يُذكر أمام كل ما سبق، وتكمن الصعوبات في ضيق الوقت المتاح للدعوة، وعدم تعاون الإدارة والمدرسين مع العمل التربوي داخل المدرسة؛ باعتبار أن من يقومون بهذا الدور كيان منفصلٌ عن المدرسة، وتنتهي المجهودات الكبيرة وربما الصراعات بنتائج هزيلة وربما محبطة.
أعترف أن المشكلة كبيرة، ولكني أرى أن الكنز الكبير في حاجة منا إلى التفكير؛ علنا نجد وسائل أخرى لاكتشافه قبل أن يكتشفه غيرنا، فيستخدمه في إفساد المجتمع وتدمير أخلاقه وقيمه.
جوانب عملية
1- عدم اقتصار البرامج الدعوية على الجانب التعبدي فقط، من إقامة الصلاة وقراءة القرآن وخلافه، مع الإقرار طبعًا بأنه أساس العمل الدعوي والإسلام نفسه، ولكن ما أقصده ألا نظلَّ ندور في فلك الشعائر من الناحية الدعوية؛ لأن الناس مختلفون، وهناك من الطلبة من يستطيع (بدء الالتزام) بالجانب التعبدي، وهناك آخرون كثيرون يريدون الالتزام، ولكنهم يريدون أن (يبدءوا) من طرق أخرى مثل العمل الخيري أو النشاط الاجتماعي والمواهب، فلا تقطع عليهم الطريق، واتركهم يسيرون في اتجاهك، وأنت سِرْ في اتجاههم حتى تلتقيا بإذن الله.
2- عدم وضع البرامج الدعوية حسب رؤيتك فقط، بل ضَعْ البرامج الدعوية حسب رؤية الإدارة المدرسية والمدرسين وأولياء الأمور والطلبة أنفسهم، فكل طرف من هذه الأطراف له احتياجاتٌ يريد أن يحقِّقَها، ووضع رغباته في البرنامج الدعوي يجعل كل طرف حريصًا على إنجاح البرنامج، بل يجعله شريكًا فيه.
3- ضع منظومة قيم تحقق للإدارة رغباتها وتحل مشكلاتها، مثل نظافة الفصول، والحفاظ على أثاث المدرسة والمدرسين، مثل احترام العلم، والاجتهاد الدراسي، وأولياء الأمور، مثل بر الوالدين، وللطلبة أنفسهم، مثل المواهب، واعلم أن هناك مساحةً هائلةً من القيم والأخلاق داخل تعاملات المدرسة يمكن التحرك من خلالها.
4- حاول إشراك الجميع.. طلبة ومدرسين وأولياء أمور في العمل التربوي؛ بحيث يكون لكلٍّ دوره، وتصبح المدرسة بيتًا كبيرًا للجميع، يتعاونون معًا على إنجاز حلم مشترك.
5- ادْع المؤسسات الخيرية ومراكز التدريب إلى تنمية المهارات على التعاون مع المدرسة لتحقيق النفع للجميع.
إن المدرسة كنزٌ كبيرٌ، يستحق منا أن نحاول ونحاول، وربما نفشل، ولا عيب في ذلك، فلنحاول مرةً أخرى، هذا أفضل كثيرًا من أن نتحسَّر، ونحن ننظر إلى الكنز من بعيد.
----------