سمعنا بعض العلماء الذين يتحدثون عن النقاب فيرون أنه واجب وأن المرأة التي لا تلبسه عاصية آثمة، وبعض العلماء يرى أنه لا أصل له، وأنه بدعة مستحدثة، فما الصواب في هذا؟
* يجيب عنه د. رجب أبو مليح- دكتوراه في الشريعة الإسلامية بكلية دار العلوم جامعة القاهرة:
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه..
فالقول بأن النقاب بدعة سيئة فيه غلوٌّ وتجاهلٌ لأحكام الشرع القولية والعملية على حدٍّ سواء، وكذلك القول بأن النقاب فرضٌ واجبٌ فيه تجاوزٌ وتحميلٌ للنصوص غير ما تحتمل.
فقد اتفق العلماء على فرضية الخمار، وهو كل ما يستر جسد المرأة عدا الوجه والكفين، ولا يصف ولا يشفّ عما تحته، ولا يكون فيه تشبُّهٌ بالرجال، واختلفوا حول النقاب، وهو ما يستر كل المرأة سوى عينها أو عينيها، فقال بعضهم هو واجب أو فرض، وقال بعضهم هو مباح أو مندوب في بعض الحالات، ولكن لم يقل أحد من الراسخين العلم أنه بدعة أو محرم.
والأَولى ترك الناس وما يريدون، فمن اكتفت بالخمار فلا إثم عليها، ومن أرادت النقاب فلا اعتراض عليها، فالنقاب موجود بصرف النظر عن كونه فرضًا أو مباحًا.
أما أقوال الفقهاء في هذه المسألة فهي متفرعة عن اختلافهم حول عورة المرأة، وما يجوز كشفه منها وما لا يجوز.
جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية ما يلي:
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن جسم المرأة كله عورة بالنسبة للرجل الأجنبي عدا الوجه والكفين؛ لأن المرأة تحتاج إلى المعاملة مع الرجال وإلى الأخذ والعطاء، لكنَّ جواز كشف ذلك مقيَّدٌ بأمن الفتنة.
وورد عن أبي حنيفة القول بجواز إظهار قدميها؛ لأنه سبحانه وتعالى نهى عن إبداء الزينة واستثنى ما ظهر منها، والقدمان ظاهرتان، ويقول ابن عابدين: إنَّ ظهر الكف عورة؛ لأن الكف عرفًا واستعمالاً لا يشمل ظهره.
وظاهر مذهب أحمد بن حنبل أن كل شيء من المرأة عورة بالنسبة للأجنبي عنها حتى ظفرها، وقال القاضي من الحنابلة: يحرم نظر الأجنبي إلى الأجنبية ما عدا الوجه والكفين، ويباح له النظر إلى هذين العضوين مع الكراهة عند أمن الفتنة.. أ. هـ.
ومن خلال ما سبق نرى أن جمهور الفقهاء، ومعهم بعض الحنابلة، يرون أن الوجه والكفين ليسا من العورة التي يجب سترها؛ حيث لم يرد دليل صحيح صريح على القول بوجوب ستر الوجه والكفين، ولذلك اختلف العلماء المعاصرون أيضًا حول وجوب النقاب، فالأكثر على أنه ليس واجبًا، وبعض العلماء يرى الوجوب عملاً بقول الإمام أحمد.
والذي نستطيع أن نرجِّحه أن النقاب مباحٌ في الأمور العادية، ومندوبٌ إذا خُشِيت الفتنة، فالذين يقولون إنه واجبٌ لا يسندهم الدليل، والذين يقولون إنه بدعة مستحدثة يتجاهلون الواقع الفقهي والواقع العملي، فلا هو واجب ولا هو حرام، وقد يكون مباحًا أو مندوبًا، شريطة ألا تنظر المنتقبة إلى المختمرة على أنها متبرجة عاصية، وكيف تكون عاصية ومعها جمهور الفقهاء من القدامى والمحدثين؟! ولا تنظر المختمرة إلى المنتقبة على أنها مبتدعة أو متشددة، وكيف تكون مبتدعة من تأخذ برأي إمام من أئمة الفقه العدول؟!
والله أعلم