- 15% فقط يحجون للمرة الأولى

- التفريط في حق الفقراء ضرر كبير

- علماء الدين: تكرار الحج سوء فهم

 

تحقيق- سلمى ياسين:

جاء رجل إلى نصر بن الحارث- أحد الزهاد الصالحين- وأخبره أنه يريد أن يحج، وكان قد سبق له الحج من قبل، فقال له: هل تريد تكرار الحج اشتياقًا ومتعة أم مرضاة لله؟ فأجابه: بل والله مرضاة لله، فقال له: أدلك على أمر تحقِّق به مرضاة الله عز وجل، وأنت في بلدك؟ خذ المال الذي أعددته للحج، وأعطه عشرة أنفس: فقير يتيم تقضي به حاجته؛ ومدين تسد عنه دَيْنه؛ ومعيل تخفِّف عنه أعباء عياله... وعد له عشرة، وقال له: لو أعطيتها لواحد فقط تسد به حاجته لكان خيرًا.

 

هكذا كان فهم السلف الصالح؛ حيث أدركوا وفطنوا إلى أولويات دينهم، فلم يُفْرِطوا أو يُفَرِّطوا، وهو إدراك غاب عنا اليوم، فأفرط كثير من المسلمين في أداء فريضة الحج، وفَرَّطوا في حق الفقراء والمنكوبين.

 

اعتاد مئات الآلاف من المسلمين الذهاب للحج سنويًّا إلى الحد الذي بلغ أن تجاوزت عدد مرات حج بعضهم العشرين مرة، فتشير الإحصاءات أن 15% فقط ممن يحجون سنويًّا يحجون للمرة الأولى، أما البقية الباقية فهم من سبق لهم الحج من قبل؛ ولعل من أسباب ذلك ما رسخ في أذهان الكثيرين من أن أكثر الناس أداءً لفريضة الحج هم الأكثر تقربًا وطاعة لله جل وعلا؛ وهو اعتقاد يؤكد علماء الدين أنه ترجمة عن قصور في إدراك المسلمين لأولويات دينهم؛ حيث إن هناك من أبواب الخير ما لو أنفق فيها المسلم لنال أجر الحج وقد يزيد؛ لأنه جهاد بالمال، وجنس أعمال الجهاد مقدم على جنس أعمال الحج.

 الصورة غير متاحة

د. يوسف القرضاوي

 

وتأتي فتوى الشيخ القرضاوي في هذا الصدد ترسيخًا لمبادئ التكافل الاجتماعي ودعوة مخلصة للنهوض بالأمة؛ حيث أفتى بترك تكرار الحج والاكتفاء بحجة الفريضة، وأنه إن كان لا بد من متابعة الحج، فيقيد ذلك بأن يكون قد مر على آخر حجة حجها الحاج خمس سنوات، وأشار فضيلته إلى أن الأجدى للأمة أن يرصد مئات الألوف من الذين يتطوعون سنويًّا بالحج أو بالعمرة هذه الأموال لإقامة مشروعات إسلامية خيرية، أو الإسهام في تطوير الموجود منها.

 

وأكد أن كل من يتطوع بالحج والعمرة ويبخل بإخراج الزكاة المفروضة عليه؛ فحجته وعمرته مردودتان عليه.

 

وقريبًا من هذا الرأي جاء رأي الشيخ علي أبو الحسن رئيس لجنة الفتوى السابق بالأزهر الشريف، والذي قال: إن المسلم إذا أدَّى فريضة الحج، ثم أراد أن يكررها وفي جواره فقير ليس له من يسد حاجته فهو آثم في هذه الحالة، وذلك وفق ما أسماه تقديم بعض الفضائل على بعضها.

 

ومن ثَمَّ؛ على من تقع مسئولية قصور فهم المسلمين لإدراك أولويات دينهم؟ وما السبيل لإحياء قيمة الشعور بالمسئولية من قِبَل أغنياء المسلمين تجاه دينهم وأمتهم؟

 

المسلمون المستضعفون

 الصورة غير متاحة

د. أحمد العسال

يوضح د. أحمد العسال أستاذ الفقه المقارن ورئيس الجامعة الإسلامية بإسلام آباد سابقًا أن تكرار الحج أمر مستحب؛ ولكن بلا إفراط، فقد أوصانا الرسول صلى الله عليه وسلم بالمتابعة بين الحج والعمرة بقوله: "تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد"، والمتابعة لا تعني الإفراط في الأمر، بل هي حث على مداومة الطاعة، مشيرًا إلى أن مرعاة المسلمين المستضعفين في الأرض، والجياع والعراة منهم، وإحصان الشباب المسلم، كلها أمور ينال بها المسلم جزاء الحج والعمرة، ولنا في قصص السلف الصالح أسوة حسنة فها هو عبد الله بن المبارك- رضي الله عنه- الذي كان يحج عامًا ويغزو عامًا، وفي عام من أعوام حجه خرج ليودع أهله، فوجد في الطريق امرأة تبحث في أكوام القمامة عن طعام لأولادها؛ حتى وجدت دجاجة ميتة، فأخذتها، فاقترب منها وقال لها: ألا تعلمين أن الله حرَّم علينا أكل الميتة؟ فقالت له: بل أحلها لنا باضطرارنا إليها؛ وأنا أرملة وأم لأربع بنات، غيّب راعيَهم الموتُ؛ فأعطاها ماله الذي أعده للحج، وعاد لبيته، وعادت هي لبيتها شاكرة، وعاد الحجاج يقولون له: رحمك الله يا ابن المبارك، ما ذهبنا إلى  موضع في الحج إلا وجدناك فيه أكثر الناس تعبُّدًا لربك؛ فهكذا يكون جزاء المخلصين لربهم، الذين يبتغون فضلاً من الله ورضوانًا في كل أعمالهم، وهذه القيم الجليلة لو أحياها المسلمون اليوم لتبدَّل حالنا ولتغير واقعنا.

 

ويضيف أن القران الكريم حثّ في مواضع كثيرة على الأعمال الاجتماعية الصالحة، وما لها من جزاء كبير يوم القيامة، ففي قوله تعالى في سورة البلد: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كَانَ مِن الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (18)﴾ (البلد).

 

والعقبة حقيقة في الآخرة، لا يتجاوزها المؤمن بعمله الصالح، والتي بيّنت الآيات بعضًا منها، ومن ثم لا بد أن تتسع مدارك المسلمين لهذا الأمر؛ لأن فيه الخير للفرد والجماعة على حد سواء، مؤكدًا أن ترسيخ مثل هذه المفاهيم العظيمة تحتاج إلى جهد ومصابرة من العلماء والدعاة، ولهم أيضًا الأجر العظيم في حال استجابة الآخرين لهم.

 

جهاد بالمال

وتؤكد كريمة عبد الغني الداعية بالجمعية الشرعية أن مبالغة بعض المسلمين، وإفراطهم في أداء فريضة الحج قصور في إدراكهم لأولويّات دينهم؛ حيث إن الأولى بالأموال التي تنفق سنويًّا للحجّ لو تُوجّه إلى مشروعات وأعمال خيريّة لسدّ حاجات فقراء المسلمين على مستوى العالم، والذي كاد الفقر أن يزلزل عقيدتهم، وهو ما تستغله بعض الجهات المناهضة للإسلام، وتعمل ليل نهار من أجل الترويج لأفكارها المسمومة، ومن المؤسف أن هذه المؤسسات تجد من يرصد لها مليارات الجنيهات؛ من أجل ضمان استمراريتها، ومن ثم أليس أحرى بنا كمسلمين أن نكون أكثر غَيرة على عقيدتنا وهويتنا الإسلامية، مشيرةً إلى أن إنفاق المسلمين على المشروعات الاجتماعية النافعة؛ كتيسير الزواج لشباب المسلمين، والإنفاق على الفقراء والمساكين واليتامى، وكذلك مساعدة المسلمين المنكوبين في فلسطين وغيرها من أبواب الخير المتعددة إنّما هو جهاد بالمال، وجنس أعمال الجهاد مقدم على جنس أعمال الحجّ، وذلك ما أكّده القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ (20)﴾ (التوبة).

 

ومن ثم إذا أدرك المسلمون قيمة الجهاد بالمال، وقَدر ذلك عند الله عزَّ وجلَّ؛ لتمكنّا من الارتقاء بأمتنا الإسلامية قيميًّا وماديًّا، حيث إن مجرد شعور أغنياء المسلمين بالمسئولية تجاه مجتمعهم وأمتهم، وسعيهم إلى تحملها هو في حد ذاته ارتقاء ومحاولة جادة للنهوض بالأمة، كما أنّهم سينالون الأجر العظيم عليها في الآخرة؛ حيث إن العبادة التي يعم نفعها على المسلمين أفضل عند الله من العبادة مقصورة النفع.

 

وأضافت أن هذا الأمر يحتاج إلى تضافر الجهود من قبل كافة المؤسسات الدينية والإعلامية لتوعية المسلمين بأولويات دينهم.

 

صدقة جارية

 الصورة غير متاحة

وفي تفسير لظاهرة تكرار الحجّ أكّد د. عبد الفتاح بدور أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة أن هناك عدة أسباب وراء هذه الظاهرة؛ أهمها فهم بعض المسلمين الخاطئ لوعد الرسول صلى الله عليه وسلم أن العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، وأنّ الحاج يعود من الذنوب كيوم ولدته أمه؛ حيث إن منهم من يرتكب المعاصي والآثام، معتمدًا على أن لديه القدرة المادية التي تمكنه من التطهير منها بذهابه إلى الحج والعمرة، وهو فكر مغلوط بل هو في حد ذاته معصية؛ لأن حسن الظن بالله يقتضي إخلاص المؤمن في أقواله وأفعاله ومراقبة الله في سريته وعلانيته.

 

ومن الناس من يحج من باب الترف؛ حيث كثرت في الآونة الأخيرة عبارة بدلاً من الذهاب للمصيف أو السفر للتنزه في الخارج نذهب للعمرة أو الحج، وبالرغم من الحج أو العمرة هم بالفعل البدائل الأفضل؛ لكن لا يجب اعتبارهم نوعًا من الطرف أو مجرد باب لإنفاق الأموال عليه؛ لأنها بذلك تكون مجرد عادة وليست عبادة.

 

ومن هذا المنطلق نجد التوسع في تكرار الحج، ساهم في ذلك غياب الوعي لدى الكثيرين بأهمية المشاركة الاجتماعية، وما لها من أجر عظيم لا يقل عن أجر الحج؛ فالمساهمة في المشروعات الخيرية مثل بناء المستشفيات وإيواء المحرومين من أطفال الشوارع وغيرهم، وكذلك سد حاجة الفقراء، وما شابه ذلك من أعمال طيبة تعود بالنفع على الفرد والمجتمع هي الأولى لا شك من التكرار للحج، كما أنها صدقة جارية تنفع المؤمن، ولا ينقطع أجرها بانتهاء أجله.