د. محمد عبد الفتاح دهيم

 

هناك ثوابت تحكم عمل جماعة الإخوان المسلمين وحركتها في المجالات المختلفة، وعلى الأخص المحاور الثلاثة الرئيسية: المحور التربوي، المحور الدعوي، والمحور السياسي، ومعرفة هذه الثوابت وفهمها وفقهها أشياء مهمة جدًّا للانطلاق إلى آفاق العمل بأبعاده المختلفة بمرونة وهمَّة.

 

ومن هذه الثوابت نختار سبعة ذات أهمية بالغة وهي:

1- المؤسسية: ضرورة الحفاظ على المؤسسية داخل الجماعة، وتفعيلها على مختلف المستويات، وأن يقوم كل مستوى بممارسة صلاحياته طبقًا للنظم واللوائح، فالحفاظ على المؤسسية وتفعيلها من مقومات الحفاظ على الجماعة، وضعف المؤسسية يعني ظهور الاستبداد وإفساح الطريق للأهواء.

 

2- الشورى: وهي فريضة إسلامية، قال تعالى:﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38)﴾ (الشورى)، وقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ (آل عمران: من الآية 159). والشورى تزيل الخلافات وتنظف الصدور، حيث يُعرض الأمر بكافة المعلومات الصحيحة المتوفرة عنه، ويناقش بأدب الحوار وأدب الاختلاف، ثم يكون القرار، وقرار الأغلبية مُلْزِم حيث الاختيار الفقهي للجماعة أن الشورى ملزمة، والشورى منهج للمشاركة الجماعية في الرأي والقرار، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة في التزامه بالشورى تحت كافة الظروف.

 

3- احترام النظم واللوائح: تقوم النظم واللوائح على تنظيم كافة أمور الجماعة على كافة المستويات، وبهذا تؤدي إلى وحدة الحركة واستقرار العمل في الأمور كلها صغيرها وكبيرها، ومن الالتزام احترام النظم واللوائح.

 

4- التربية ومناعة الصف: فالتربية هي السبيل إلى الإعداد والتكوين، وهي التي تكسب الصف المناعة ضد العلل والأمراض، وكلما زادت المناعة زادت المقاومة للعلل والأمراض، والصف يكتسب المناعة من خلال التربية على مراحل، والتربية بالأهداف، وباكتساب صفات وقيم عبر المحاور الإيمانية والخلقية والحركية، والتربية تسعى إلى الموازنة بين النواحي الثلاث: الروحية والعقلية والبدنية، التربية التي تخرج أجيالاً ربانيةً إيجابيةً تستعذب القوة في الحق، والجهاد في سبيل الله بالنفس والمال، كل هذا بمرجعية الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)﴾ (الشمس).

 

ومن هذه العلل والأمراض التي ترفضها مناعة الصف داء الفرقة والاختلاف، والذي قد يؤدي إلى التنازع والتدابر، والإسلام دين التوحيد قد حرص على تأكيد وحدة الأمة ونبذ الاختلاف بين أبنائها.

 

5- أركان البيعة ومنها العمل:

أركان البيعة عشرة: الفهم- الإخلاص- العمل- الجهاد- التضحية- الطاعة- الثبات- التجرد- الأخوة- الثقة. وعندما نتحدث عن العمل كأحد هذه الأركان، فإننا نعني العمل الجماعي، العمل كفريق على كافة المستويات لتحقيق الأهداف والغايات. هذا العمل لا يستقيم وهناك شوائب في الأخوة بين الأفراد، أو هناك قليل من هوى يضعف التجرد، أو هزة في الثقة، أو طاعة منقوصة. ومن هنا فإن العمل الجماعي الدعوي لتحقيق أهداف وغايات كبرى على مختلف المستويات محليًّا وإقليميًّا وعالميًّا له مقومات تسبقه يجب توفرها، وهي الأركان الأربعة: الأخوة، التجرد، الثقة، والطاعة.

 

الأخوة: فالحب في الله أساس الأخوة، وأقل الحب سلامة الصدر، وأعلاه مرتبة الإيثار. والأخوة في الله أعظم رابطة، والأخوة الصادقة تؤدي إلى الترابط والوحدة، وغيرها يؤدي إلى التنافر والتنازع والتدابر. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: من الآية10).

 

التجرد: التجرد لله تعالى من كل ما سواه. التجرد للفكرة والدعوة مما سواها من المبادئ والأشخاص، والتجرد يؤدي بصاحبه إلى علو الهمة، حيث يقول ابن القيم في تهذيب مدارج السالكين: "همة العبد إذا تعلقت بالحق تعالى طلبًا صادقًا خالصًا محضًا فتلك هي الهمة العالية". والتجرد في طلب الحق يتطلب الإخلاص والتحرر من الهوى. قال تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (الكهف: من الآية 28). والهوى مضاد للحق، والهوى يفسد الأمور لأن صاحب الهوى يريد إخضاع كل شيء لهواه.

 

الثقة: بين القيادة والجند على كافة المستويات. والثقة أساس العمل، وهي قوة للجماعة، والثقة بالقيادة نجاح للدعوة، والثقة في القيادة تقي الجماعة الفتن، الثقة تؤدي إلى الطاعة المبصرة.

 

الطاعة: والطاعة من أهم أركان البيعة وهي امتثال الأمر وإنفاذه توًّا في العسر واليسر، والمنشط والمكره، كما قال الإمام البنا رحمه الله: والسمع والطاعة لازمتان من لوازم الاجتماع. يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59)﴾ (النساء). ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أُمِر بمعصية فلا سمع ولا طاعة".

 

نعم، ركن العمل بعد الفهم والإخلاص، ويتطلب ذلك الأخوة والتجرد والثقة والطاعة حتى يستقيم العمل الجماعي ويحقق الأهداف والغايات.

 

6- التنسيق مع القوى الوطنية والأحزاب السياسية في المساحات المشتركة: الإسلام الدين الخاتم رحمة للعالمين، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلامُ﴾ (آل عمران: من الآية 19)، والإسلام نظام حياة شامل للبشرية جمعاء في كل الأزمان والعصور. ومن هنا فإنه مفروض على الجميع (العالمين) أن يكونوا على منهج النبوة بفهمه الصحيح، فإن لم يكن فمفروض على المسلمين أن يكونوا على منهج النبوة بفهمه الصحيح، ولكن يحدث أن يكون هناك قوى وأحزاب سياسية على غير ذلك بقناعات أخرى، مثل اليساريين والعلمانيين والليبراليين، وغير هؤلاء من البرامج والقناعات. ولكن إذا كانت هناك مساحات مشتركة بين هذه القوى والأحزاب وبين الإخوان المسلمين؛ فإن الإخوان تنسق معهم لتحقيق أهداف هذه المساحات المشتركة، مثل الإفراج عن المعتقلين السياسيين، وعدم التطبيع مع الكيان الصهيوني، وبرامج الإصلاح في المجالات المختلفة- وإن اختُلِف في التفاصيل- ورفض الانتقال العائلي للسلطة  (التوريث)،...... وهكذا. وهذا التنسيق في المساحات المشتركة لصالح المجتمع والأمة.

 

7- الاتصال الفعال بالمجتمع لإرشاده وحل مشكلاته وإصلاح قضاياه:

فالاتصال الفعال بالمجتمع والانفتاح عليه والتواصل معه ضرورة للتصدي للاستبداد والظلم والفساد، والذي أدى إلى التردي والتخلف، مما جرنا إلى التبعية لأعداء الأمة العربية والإسلامية، ودعوة الإخوان دعوة إصلاحية تعمل مع المجتمع وللمجتمع على طريق الإرشاد والإصلاح متحملة الأذى والعناء. وإنَّ رفضَ الاستبداد ومناهضته ومحاربته والظلم والفساد له ثمن، وله وقود وهو تحمل الأذى بمختلف أنواعه ابتغاء مرضاة الله وسيرًا على طريق الإصلاح.

 

هذه بعض الثوابت الدعوية للجماعة التي تضبط حركتها؛ حيث يتم تنفيذها برعاية الإيمانيات التي تعطيها الجماعة أهمية بالغة، فالإيمان يزيد وينقص، والجماعة تدفع دائمًا بوسائل زيادة الإيمان عند الأفراد على مختلف المستويات. ويرعى تنفيذ هذه الثوابت والضوابط ما يلي:

1- إخلاص النية لله "الله غايتنا":

أن نقصد وجه الله تعالى، وأن نبتغي مرضاته وحسن مثوبته في القول والفعل والجهاد، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)﴾ (الأنعام). والمخلص لله موصول بقوة وقدرة الله، يتمتع بطمأنينة القلب وسكينة النفس، والمخلصون هم جند الدعوات وحملة الرسالات، ليس لهم مطامع ولا أهواء، ولا ترهبهم قوة أو كيد.

 

2- حسن الصلة بالله:

وصدق التوكل عليه، ودوام اللجوء إليه، ورجاء الأجر والمثوبة منه سبحانه، وأن نكون دائمي الذكر، مستلهمين التوفيقَ والسداد، وحتى نكون ربانيين ومن المؤمنين الصادقين علينا المداومة والحفاظ على الوسائل الآتية:

* المداومة على أداء العبادات المفروضة: الصلوات الخمس في المسجد، إخراج الزكاة، صوم رمضان، أداء الحج والعمرة ما أمكن ذلك.

* التقرب إلى الله بالنوافل: صلاة التطوع وقيام الليل، صيام التطوع، إنفاق التطوع.

* الورد القرآني وتلاوة القرآن بتفكر وتدبر.

* الذكر المأثور.

* الدعاء، وخصوصًا في الثلث الأخير من الليل.

* بر الوالدين وصلة الأرحام وقضاء حوائج الناس.

 

والمؤمن الصادق يراجع نفسه ويحاسبها دائمًا، ويعلم أنه كلما ازدادت المحن فالملاذ في أمرين: حسن الصلة بالله وتقويتها دائمًا؛ والهمة العالية في العمل الدعوي الذي هو على قمة أولوياتنا، ونتذكر دائمًا ما تفعله قوى الكيد والعداء للإسلام والمسلمين من نهب منظم لثرواتهم واستباحة حرماتهم وإسالة دمائهم، وجرهم إلى الفتن والتمزق والفرقة والتخلف ومن ثَمّ التبعية. وعلى كل منا أن يذكر نفسه بحجم اهتمامه بأمر المسلمين، وماذا قدم للدعوة ولنصرة دين الله والتمكين له في أرضه. والتمكين أساسه الإيمان والعمل الصالح، ومن هنا فإن الإيمان يرعى ويضبط ثوابت العمل والحركة عند الجماعة،﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ (النور: من الآية 55).

والله من وراء القصد.