- الوحدة والفراغ مشاعر تهاجم الآباء
- مشكلات الأبناء.. زلزال للوالدين
تحقيق- سلمى ياسين:
بعد عناء، وشقاء في التربية والمعاونة لهم حتى يبنوا بيوتًا جديدةً.. هل يستريح الآباء بعد زواج الأبناء فيبدءون حياةً جديدةً خاليةً من المسئوليات، لا يعكر صفوها مشكلات.
الواقع مزدحم بالقصص التي تؤكد أن الحياة بعد زواج الأبناء تسيطر عليها متاعب ومسئوليات غالبًا لم يتدرَّب عليها الآباء، ففضلاً عن مشاعر الوحدة والفراغ بعد خلوِّ البيت من الأبناء تبدأ مشاعر القلق والخوف على الأبناء والأحفاد، ولكن ربَّما يتضاءل حجم هذه المشكلات أمام المشكلة الكبرى وهي طلاق أحد الأبناء؛ حيث إنها تمثل هزَّةً شديدةً وكارثةً كبرى لدى الآباء؛ فكم من الآباء أعياهم فشل زواج أبنائهم.
وإذا كانت ظروف الحياة وما طرأ على المجتمع من متغيرات قد أسهمت في زيادة معاناة الآباء بعد زواج أبنائهم؛ فلا بد من البحث عن الوسائل التي تخفِّف من معاناتهم، فكفاهم ما تذوَّقوه من تعب وعناء طوال حياتهم.
شعور قاتل
يقول الحاج إبراهيم (60 عامًا): إن زواج الأبناء والاطمئنان عليهم هو حلم كل أم وأب، ولكن هذا الحلم له ضريبة قاسية على الآباء، وهي الوحدة؛ حيث إنها شعور قاتل؛ فقد كان الأبناء يملؤون البيت بهجةً وسرورًا، حتى مشكلاتهم كانت تعطي للحياة معنى؛ أما الآن فقد أصبحت الأيام متشابهةً تسير على وتيرة واحدة، حتى الأبناء شغلتهم ظروف الحياة، فزيارتهم دائمًا تكون عابرةً ومتعجلةً ولكننا نقدِّر انشغالهم.
أما الحاج أحمد (62 عامًا) وقد زوّج بناته الأربع وابنه الوحيد، فيؤكد أن زواج الأبناء كما يخلِّف وراءه مشاعر قاسية على الآباء؛ فإنه أيضًا في ظل الظروف الراهنة أصبح يخلِّف مشكلات أخرى لا تقل قسوةً، وهي الديون؛ حيث إن ارتفاع نفقات بيت الزوجية وإجبار الأب على الالتزام بها؛ أمرٌ يضطر بعض الآباء إلى الاستدانة للوفاء بها؛ ما يورثه همًّا بالليل ومذلةًٌ بالنهار كما يعكِّر صفو ما بقي من حياته.
من أين تأتي الراحة بعد زواج الأبناء؟ هكذا تساءل الحاج عبد المنعم (59 عامًا)؛ حيث يقول إن ستر الأبناء بالزواج أمل ينشده الآباء ونعمة كبرى من الخالق، ولكن في بعض الأحيان تتحول هذه النعمة إلى نقمة إذا رُزق أحد الأبناء بزوج غير صالح؛ حيث إن هذا الأمر يكدِّر صفو الأبناء؛ ما يؤثر بالسلب في نفسية الآباء، والطامة الكبرى تكون حينما يصل الأمر إلى الطلاق؛ حيث إن الأب يعيش ما بقي من عمره حسرةً على الابن.
وتعتبر الحاجة أم محمد أن الأحفاد هم أجمل ما يثمر زواج الأبناء، ولكنهم أنفسهم مسئولية كبيرة يتحملها الأجداد؛ نظرًا لانشغال الأب والأم معًا بالعمل، وفي الحقيقة تربية الأطفال الصغار أمر صعب للغاية، خاصةً إذا كان المربي في سنٍّ متأخرة؛ حيث يتعبنا الصغار ويجهدوننا كثيرًا.
معاناة نفسية
تعلِّق على هذه الحالات د. هانم صلاح أستاذ الصحة النفسية بأنه يجب بالفعل أن تكون حياة الآباء بعد زواج الأبناء مرحلةً جديدةً من الراحة والتخلص من المسئوليات، ولكنَّ هناك في الواقع أمورًا كثيرةً تحول دون تحقيق ذلك؛ أهمها الشعور بالوحدة لدى أغلب الآباء، وهو شعور طبيعي لا يجب الاستهانة به؛ حتى لا تكون له تبعات نفسية سيئة فيما بعد، ولكن من الأمور التي من شأنها تدمير الحالة النفسية للآباء هو شعورهم بعدم استقرار حياة أبنائهم الزوجية؛ حيث إنه في ظل ارتفاع معدلات الطلاق الحالية ترتفع معها المعاناة النفسية ليس عند الأزواج فحسب؛ بل عند الآباء أيضًا، وربما تكون بصورة أكبر لأن الصدمات غالبًا ما تؤثر في الصحة النفسية والبدنية على المسن بشكل أكثر من المحيطين به.
وأضافت أنه إذا كان هناك تحذيرٌ من قبل خبراء النفس من صخب الأحفاد وما يسبِّبه لعبهم من ضوضاء على الصحة النفسية للأجداد؛ حيث يسبب لهم توترًا وعصبيةً فما بالنا بخطورة هذه المشكلات الاجتماعية عليهم؟! لذلك لا بد من البحث عن الوسائل والآليات التي بمقتضاها نستطيع حماية الآباء مما يؤثر سلبًا فيهم.
ومن هذه الآليات تشجيع مشاركة المسنين في العمل الأهلي والخيري للحدِّ من الشعور بالوحدة بعد زواج الأبناء، مع ضرورة توفير جرعات إعلامية مكثفة للأزواج الجدد حول كيفية مواجهة مشكلاتهم منفردين دون مشاركة الآخرين بها، وهو أسلوب ذو جدوى كبيرة من ناحيتين؛ أما الأولى فتتمثل في أن المشكلة تحل وتنتهي في أسرع وقت ممكن، أما الناحية الأخرى فهي أننا نحمي الآباء من المشاركة في العصبية والتوتر الناجمين عن المشكلة، وعلى الجانب الآخر لا بد من إعداد برامج تثقيفية خاصة بالمسنين أنفسهم، تشغلهم بكل ما يفيدهم، سواء من الناحية النفسية أو البدنية.
انحراف عن القيم
وحول الأسباب الاجتماعية التي أسهمت في تفاقم المشكلة تؤكد د. هالة غالب، الخبير بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، أنها تتمثَّل في أمرين؛ أولهما: الظروف الاجتماعية الراهنة والتي طغت فيها المادة على كل شيء، فعلى سبيل المثال أصبح الآباء يكلِّفون أنفسهم ما لا يطيقون في تجهيز أبنائهم من أجل إسعادهم وإشعارهم بأنهم ليسوا أقل من ذويهم، وهو ما يتحمَّل عاقبته الآباء فقط بعد زواج الأبناء من ديون أو نقص في الدخل أو ما شابه ذلك، مشيرةً إلى أن ذلك سلوك غير صحيح وأنه انحراف عن القيم الاجتماعية السليمة.
أما الأمر الآخر فيتمثل في سلبية الأبناء أنفسهم؛ حيث تفشَّت الاعتمادية على الآباء بشكل مبالغ فيه؛ ما أثقل كاهل الآباء دون تقدير من الأبناء، وهذا الأمر من أبرز أسباب ارتفاع معدلات الطلاق والتي تعود آثارها السلبية على الآباء أيضًا.
ومن ثم فهى ترى أنه لكي يتحقق حلم الآباء بالراحة بعد زواج الأبناء؛ لا بد أن يؤهِّلوا أبناءهم من البداية على الاعتماد على أنفسهم وتحمُّل مسئولياتهم؛ فهو أمر يوفر الكثير من الجهد والعناء الذي يبذله الآباء بعد زواج الأبناء.