- د. محمد الشحات الجندي: ضعف الوازع الديني هو السبب
- إمام حسين: إعلام يشوه الوعي ويهيج الغرائز
- هشام البحيري: تردي الأحوال ومضاعفة الغضب
- عزة كريم: الفرد في بيته لا يستطيع حماية نفسه
تحقيق- الزهراء عامر:
لم تشهد مصر منذ سنوات عديدة هذا الكم الهائل من جرائم القتل والعنف الذي شهده الشارع المصري طوال عام 2009م الذي سجل جرائم يشيب لها الولدان، ليس فقط من بشاعتها ولكن لوقوعها في محيط أسري يفترض أن تغلفه علاقات المودة والمحبة والرحمة بدلاً من الانفعالات الإجرامية.
وتنوعت هذه الجرائم ما بين جرائم التعذيب والقتل والاغتصاب، فذلك شاب يعرف بالقيم والأخلاق، قتل أمه وأباه بفأس وقام بإلقاء جثتيهما بعد ثلاثة أيام في بالوعة الصرف الصحي بالمنزل، ووالد قتل ابنتيه شنقًا بواسطة سلك كهربائي لفه على عنقيهما لمجرد تأخر إحداهما عن معاد دخولها المنزل، وعم يقتل طفلي أخيه لحاجته إلى السرقة، وآخر يقتل ابنه الذي يبلغ من العمر 6 سنوات شنقًا لأنه اعتاد سرقة متعلقات زملائه في المدرسة، وشكا منه الجيران.
ونظرًا للظروف الاقتصادية السيئة التي يعاني منها أفراد المجتمع قرر رب أسرة مكونة من ثلاثة أفراد، وبعد أن فاض به الكيل وفشله في توفير نفقات أسرته اليومية تطليق زوجته وخاف على نجليه من الفقر لعدم مقدرته على توفير أموال والإنفاق عليهما فقرر العامل دفن أولاده أحياء داخل مقبرة بمحافظة قنا.
وكشفت دراسة حديثة للمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية أن 92% من جرائم القتل التي وقعت في الفترة الأخيرة تندرج تحت ما يسمى بجرائم الشرف، وهي الجرائم التي يرتكبها الأزواج أو الآباء أو الأشقاء بدافع الغيرة على الشرف وغسل العار.
وأوضحت الدراسة أن 70% من هذه الجرائم ارتكبها الأزواج ضد زوجاتهم و20% ارتكبها الأشقاء ضد شقيقاتهم، بينما ارتكب الآباء 7% فقط من هذه الجرائم ضد بناتهم، أما نسبة الـ3% الباقية من جرائم الشرف فقد ارتكبها الأبناء ضد أمهاتهم.
وأخطر ما جاء في الدراسة هو تأكيد أن 70% من جرائم الشرف لم تقع في حالة تلبس وإنما اعتمد على ارتكابها سواء كان الزوج أو الأب أو الأخ على الشائعات وهمسات الجيران والأصدقاء حول سلوك المجني عليها.
وأضافت الدراسة أن تحريات المباحث في 60% من هذه الجرائم أكدت سوء ظن الجاني بالضحية وأنها كانت فوق مستوى الشبهات.
وتؤكد الدراسة أن 52% من هذه الجرائم ارتكبت بواسطة السكين أو المطواة أو الساطور وأن 11% منها تمت عن طريق الإلقاء من المرتفعات، وحوالي 9% بالخنق سواء باليد أو الحبال و8% بالسم و5% نتيجة إطلاق الرصاص و5% نتيجة التعذيب حتى الموت.
وحذرت دراسة لمركز حوار للتنمية وحقوق الإنسان من ارتفاع معدلات الجريمة خلال العام الماضي 2008م وحتى بداية عام 2009م، خاصةً التي ارتكبت بدافع الفقر. وكانت نتائج الدراسة التي أجريت على تحليل لصفحات الحوادث في الصحف القومية والحزبية والمستقلة ارتكاب 254 جريمة في تلك الفترة فيما بلغ عدد المتهمين في تلك الجرائم 402 متهم.
وأكد تقرير حديث أصدرته الجمعية الوطنية للدفاع عن الحقوق والحريات تزايد العنف الأسري في مصر بشكل غير مسبوق خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة. راصدًا 82 جريمة قتل في نطاق الأسرة.
ومع عدم إنكار حقيقة أن المجتمع يتغير بفعل الزمن والسياسة والسلوك والبيئة ومع انتشار الثالوث المرعب الفقر، البطالة، الفراغ فقد زادت معدلات العنف والجرائم خلال هذا العام.. (إخوان أون لاين) قام بتسليط الضوء حول أسبابها ونتائجها وطرق علاجها.
قيم العيب
![]() |
|
د. محمد الشحات الجندي |
ويوضح أن ضعف الوعي والمستوى الثقافي ووجود الأمية لدى البعض يؤدي إلى ارتكاب الجرائم لأن هؤلاء لا يملكون ثقافة بسيطة لكي يقدروا أهمية الاستقرار الاجتماعي والأمان النفسي مما يؤدي إلى سلوك طريق الجرائم.
ويدين انحدار القيم والأخلاق في المجتمع وتراجع "قيم العيب" وأصبح كل ما يقدر على فعل شيء يفعله قائلاً: "إذا لم تستح فافعل ما شئت"، بجانب عدم التزام الناس بالحياء وارتكاب الإنسان الجريمة بلا مبالاة.
ويؤكد أن زيادة عدد أحكام الإعدام في الجرائم المختلفة مؤشر قوي على أن المجتمع يدخل في انحدار دينيًّا، وإن ردع المشتركين في هذه الجرائم ينبغي أن يكون بصورة حاسمة تتناسب مع ظلمهم في حق الناس والمجتمع، موضحًا أن هذه الأحكام تشكل ردعًا خاصًّا وعامًّا نحتاجه حتى يتم تحسين الوضع الاجتماعي وتحقيق الأمن الاجتماعي المطلوب.
ويضيف على الرغم من أن العقوبات الخطيرة يصعب تدارك الخطر فيها، لكن مع ذلك تبقى عقوبة الإعدام وسيلة مجزية لمن تسول له نفسه إنهاء حياة أبرياء.
وطالب بضرورة أن يكون هناك عمل تضامني من جانب الأسرة والمؤسسة الدينية والمؤسسة التعليمية ومنظمات المجتمع المدني وأن تقدم الدولة كل ما عليها من مسئولية لإشباع حاجات الأفراد وتحقيق إحساسه بالأمان.
جرائم العنف
ويرى إمام حسين أستاذ القانون الجنائي بمركز البحوث الاجتماعية والجنائية أن عام 2009 يعتبر من الأعوام النادرة الذي شهده المجتمع المصري ويسمى هذا العام بعام "جرائم العنف" حيث شهد على المستوى العلمي مجموعة من الجرائم الإنسانية الغريبة عن هذا المجتمع، والتي اصطحبت هذه الجرائم عقوبات الإعدام مما يجعل هذا العام شديد الصعوبة.
ويؤكد أن هذه الجرائم نالت البعد الإعلامي الكبير بسبب ارتكاب شخصيات عامة ورجال أعمال وناس مثقفين معظم الجرائم وأصبحت الآلة الإعلامية قادرة على أنها تؤثر في الرأي العام بشكل كبير، وتضخم هذه الآلة يؤدي إلى سرعة انتشار الأخبار، موضحًا أن الانتشار الإعلامي للجريمة أعطى انطباعًا أكثر عن شكل الجريمة وجعل إحساس رجل الشارع بهذه الجرائم وتفاعله معها كبيرًا.
ويوضح أن الضغوطات اليومية الواقعة على المواطن بجانب الزحام الشديد لحركة والمرور تعد أحد الدوافع وراء نظريات علم الإجرام علاوة عن الإدمان والانحلال الأخلاقي إذ إن المدمن يرتكب جرائمه في سبيل حصوله على المخدرات أو تحت تأثيرها أبشع الجرائم مثل زنا المحارم وقتل الآباء والأمهات.
ويشدد على أن ما حدث طوال هذا العام جرس إنذار لأجهزة القائمة لضرورة أن تتخذ المزيد من الاحتياطات والاهتمام بالأمن الاجتماعي، ومحاولة ضبط الشارع المصري وأن تعي الأجهزة الأمنية أن المجتمع يمر بحالة من العنف الداخلي، بجانب اتخاذ الأجهزة المحلية الإجراءات التي تحمي المواطنين من ارتكاب هذه الجرائم.
الغضب
ويوضح هشام البحيري رئيس قسم علم النفس جامعة الأزهر أن مصطلح "الجريمة" يعني حدوث عدوان خارجي على الآخرين متمثلاً في جرائم الاعتداء على النفس، وذلك نتيجة غضب مستمر ومتزايد داخل نفس الإنسان.
ويعرف الغضب قائلاً: "الغضب هو التعبير الغريزي، والطبيعي للرد على أي محاولة تعدٍ وتجاوز وامتهان لإنسانية الإنسان والتعدي على حقوقه، وهو حالة طبيعية ضد أي تهديد خارجي يهدد وجود الإنسان ومعتقداته الفكرية والعقائدية، فكمية من تعبير الغضب تكون مهمة أحيانًا للبقاء".
ويؤكد أن الانفعال قد يبطش بصاحبه من خلال التفاعلات تحدث في الجسم نتيجة التغيير المفاجئ في تدفق الدم وارتفاع نسبة دقات القلب وانخفاض السكر في الدم وقد لا يجد متنفسًا فيرتد كل ذلك التفاعل إلى الذات، ولكن قد يفلت الأمر من يد المنفعل الغاضب فيأتي بفعل يؤدي إلى الجريمة بحق الآخرين فتسير الأمور من سيئ إلى أسوأ.
ويرجع أسباب زيادة الغضب داخل نفس الإنسان إلى الضغوط النفسية والاجتماعية في ظل وجود قمع وعدم وجود فرصة للتنفيس عن النفس لا عن طريق منابر سياسية ولا ساحات رياضية لأنها إلى حد ما ضعيفة.
ويشير قائلاً: "إن الجريمة وتنوع أشكالها لم تكن وليدة هذا العام ولكنها معروفة من زمن بعيد عندما كان الفلاح يقتل جاره لأكله من ثمار فقد شهدها المجتمع عبر السنون".
الجرائم الانفعالية
وترى الدكتورة عزة كريم أستاذ علم الاجتماع ومدير مركز البحوث الاجتماعية أن أفراد المجتمع في ظل الواقع الحالي يعيشون أزمة كبيرة بسبب وجود المشاكل والضغوط الاقتصادية وعدم التوازن بين الدخل والإنفاق للأفراد، وحرمان المواطنين من مبدأ العدالة الاجتماعية والاقتصادية، بجانب زيادة الفقر في المجتمع وعدم وجود تشريعات تحمي الفقراء.
وتضيف أنه نظرًا لعدم إحساس المواطن بالأمان داخل مجتمعه وإتباع الجهاز الأمني مبدأ "خذ حقك بذراعك" فكانت النتيجة المتوقعة لهذا الأسلوب ظهور جرائم من أبشع الجرائم لمجرد تعدي الجار أو الأب أو الابن على الآخر كلاميًّا أو حتى فعليًّا وإعلان الآخر نتيجة الجولة بموت احداهما، مشيرًا إلى أن مشاكل العمل والمشاكل الأسرية لها دور كبير في زيادة الحالة الانفعالية للأفراد.
وتدين ظهور فئات مهنية لم تكن موجودة من قبل في قائمة الجناة، وعلى رأسهم أطباء ورجال دين ومدرسون ورجال شرطة وهو ما ينذر بكارثة ويهدد سلامة وأمن المجتمع.
وحذرت "كريم" في الوقت ذاته من خطورة انتشار ظاهرة اغتصاب المحارم والأطفال الذين تقل أعمارهم عن 18 سنة والاغتصاب الجماعي والاغتصاب المقترن بقتل الضحية، مطالبة بتغليظ الرادع القانوني وسرعة إجراءات التقاضي في جرائم الآداب حتى تتم معالجة هذا الخلل.
وتتوقع أن تزداد الجريمة الاقتصادية والانفعالية مما يعطي الإحساس بعدم الأمان أو يجعل الفرد غير قادر على أن يحمي نفسه داخل بيته لأن الجريمة جريمة غير محددة وغير مخططة، موضحة أنه كلما زادت الضغوط الاجتماعية والنفسية، زادت معدلات الجريمة.
