د. حلمي محمد القاعود

 

بعد هزيمة اليونسكو يحاول وزير الثقافة أن يقدم شيئًا جديدًا في الواقع الثقافي فأعلن عن مؤتمر للمثقفين، وأسند مهمة المؤتمر إلى أحد كبار مساعديه.. وقد شعر الناس بأن الأمر لن يعدو أن يكون تكرارًا لما سبق من احتفاليات أو مهارج تعود عليها المجتمع المصري منذ قرابة ربع قرن تقريبًا، والحصاد معروف مسبقًا، فالجبل تمخض وولد فأرًا، أو أن الفأر لم يلد شيئًا من أساسه.

 

وكي لا يكون الكلام مرسلاً أو على عواهنه، فقد نشرت جريدة الوزير 27/10/2009م حوارًا مع من وضعه الوزير على رأس المؤتمر المتوقع، تحدث فيه عن تصوراته للمؤتمر وتفاعلاته ونتائجه.

 

قال رئيس المؤتمر المتوقع عن الهدف من عقده: الهدف أن يقول المثقفون ما هي أحلامهم للمستقبل والسلبيات التي حدثت والإيجابيات التي ينبغي أن تحدث؛ وذلك بشكل مفتوح وحر، فالمؤتمر يدعو إليه كل مَن ينتسب إلى الثقافة المصرية، دون استبعاد فئة من كُتَّاب وأدباء وصحفيين ومفكرين وأساتذة جامعة ومسرحيين وسينمائيين وغيرهم.

 

وردًّا على سؤال حول مشكلات الثقافة المصرية في الوقت الراهن، أجاب: أولاً- التطرف الديني ثم تقلص حرية التعبير، وتدهور الوعي الثقافي العام، وأشكال التمييز الثقافي والاجتماعي، كما أجد نوعًا من العنف في الخطاب الثقافي، والاهتمام بالثانويات دون الأساسيات فنحن نشغل أنفسنا بقضايا عفا عليها الزمن.

 

وهذا كلام في مجمله لا بأسَ به، ولكنه يحتاج إلى بعض التأمل، ففي سياق الهدف من المؤتمر، نجد أن المثقفين تحدثوا طوال ربع القرن الماضي عن أحلامهم وآمالهم بالنسبة للثقافة العربية الإسلامية في بلادهم، وألحوا فيما قالوا وكرروه كثيرًا، ولكن أحدًا لم يستمع إليهم أبدًا، أو كان السماع وفقًا لمنهج قل ما تشاء ونحن نفعل ما نشاء؛ ولذا فقد انهارت معالم الحياة الثقافية في بلادنا، ولم يطف على السطح غير "الهالوك" الذي لا جذور له ولا يصمد في المكان أو الزمان، مع أن الدعاية تصاحبه وتنفخ فيه ليل نهار، لا نجد أدبًا جيدًا ذا قيمة دائمة، ولا فكرًا يأخذنا إلى تحريك العقل والوجدان ويشدنا إلى البحث والدرس، ولا نجد فنونًا بصريةً أو سمعيةً تستحق عناء المشاهدة أو السماع بل نرى أعمالاً تجاريةً بائسةً رخيصةً يسعى أصحابها إلى الكسب الرخيص؛ لأنهم في الأصل تجار بالحرام، ولا يعرف الحلال فضلاً عن رسالية الفن طريقه إلى أعمالهم، وتصوراتهم، والاستثناء الجيد في هذه المعمعة يثبت القاعدة ولا يقاس عليه.

 

السبب واضح في عدم الجدوى؛ وهو أن السادة الذين سيكونون نجوم مؤتمر المثقفين القادم هم الذين استمعوا على مدى ربع القرن الماضي إلى أحلام المثقفين وآمالهم وسلبيات الوزارة وإيجابياتها بحكم توليهم المسئولية العليا، ولم يستجيبوا لما استمعوا إليه ولم ينفذوا رغبة واحدة بل كان رد الفعل لديهم هو التحدي وفعل العكس تمامًا، فلا تجد مجلة أدبية ذات وزن، ولا نشاطًا ثقافيًّا ذا مفعول إيجابي، ولا عملاً فنيًّا يُثري الروح والوجدان، لقد كان العمل الثقافي الرسمي- ولما يزل- تعصبًا قبيحًا للشلة أو الفريق أو التيار، وقد ظلت الوزارة يحكمها التيار الذي أطلق عليه ثقافة الحظيرة هو الحاكم الذي يرفض ما عداه من تيارات، وخاصةً تيار الأغلبية الذي يمثل تيار الثقافة العربية الإسلامية، بل إن المغالاة في الخصومة واللدد جعلت مثقفي الحظيرة يصرون على أن يصموا ثقافة الأمة بالإظلام والظلامية، فضلاً عن صفات أخرى غير دقيقة علميًّا أو لا تليق بوصف الثقافة التي تشكل هويتنا وخصائصنا، وهو أمر لا يفعله أعداؤنا ولا خصومنا بثقافتهم!

 

من المتوقع بالطبع أن يكون المؤتمر قاصرًا على مثقفي الحظيرة وحدهم، وإن حضر مغاير لهم فسيكون فردًا أو أفرادًا قلائل لا يمثلون تأثيرًا حقيقيًّا في حركة المؤتمر؛ ولذا لن يتمخض الجبل عن فأر ولا صرصار!.

 

ولا شك أن مشكلات الثقافة لا ترتبط بما يسمى التطرف الديني (والمقصود هنا التطرف الإسلامي وحده)، وإن كانت ترتبط بحرية التعبير، وتدهور الوعي الثقافي.. إلخ.

 

لقد صار الحديث عن التطرف الإسلامي أسطوانة مشروخة وقبيحة، ولا محل لها، فأحداث العنف التي جرت في الفترات الماضية كانت لها أسبابها، وقد انتهت بحمد الله؛ لأنها لا تتسق مع طبيعة الشعب المصري الطيب الوديع الذي يكره العنف والدم والشر، ويتسامح إلى درجة لا يصدقها بعض الناس،  والأجدى دراسة أسباب الفراغ الديني، والتدين غير الصحيح، والوعي الديني غير الناضج، أما تعليق شماعة التخلف الثقافي على ما يسمى التطرف الديني فهو حجة ساذجة وغير مقنعة، ثم إن حرية التعبير تطرح مشكلاً أساسيًّا يتعلق بمثقفي الحظيرة أنفسهم الذين احتكروا وسائط التعبير والنشر، وإتاحتها لمَن يرضون عنه، وكذا الجوائز والتفرغ والندوات والمؤتمرات.. إلخ.

 

إن القوم لا يبدون أي نوعٍ من التسامح مع المخالف في الفكر والتصور، بل يقومون بهجاء المخالفين وتسفيههم وحرمانهم من أبسط حقوق التعبير، بل يمارسون تمييزًا فجًّا وغير مقبول مع أن وزارة الثقافة ووسائطها وإمكاناتها ملك للناس جميعًا؛ الذين يمولونها من دمهم وعرقهم، وإذا كان القوم يطبقون لغة الغفران والحرمان وفقًا لمشيئتهم، فإن هذا يمثل نكبةً حقيقيةً للثقافة.

 

ولعلي أصل في ختام كلامي إلى المطالبة بمطلبين محددين: الأول هو إلغاء وزارة الثقافة، وتخصيص ميزانيتها لدعم الجمعيات الأدبية والثقافية التي تمثل تيارات المجتمع المختلفة، وإنشاء وزارة خاصة بالآثار والتراث والترجمة، وأعتقد أن ذلك يفيد الأمة بحفظ آثارنا القومية وتراثنا الوطني والإنساني ونقل ما وصلت إليه الإنسانية من علوم وأفكار وتصورات تصبُّ في ترقية الوعي الثقافي للشعب والأمة.

 

المطلب الثاني يخص حرية التعبير، بالسماح بإنشاء المجلات الثقافية والأدبية التي يرغب الأفراد أو الجمعيات في نشرها، دون سدود أو قيود، مع دعم الجاد منها عن طريق الوزارات المختلفة بالاشتراك أو الإسهام المادي أو المعنوي، فقد كانت هناك مجلات الرسالة والثقافة وغيرهما في النصف الأول من القرن العشرين تقدم مثالاً ناجحًا للمبادرات الفردية والجماعية التي دعمتها وزارة المعارف والشئون الاجتماعية آنئذ، ومن المؤسف أن الدكتور شكري عياد- رحمه الله- مات كمدًا بعد أن أنفق مدخراته لإنشاء مجلة ثقافية أصدر منها بعض الأعداد التجريبية، وفي النهاية لم يحظ بالموافقة المطلوبة، وظل المجتمع أسيرًا لبعض المنشورات الرسمية التي تعبر عن أصحابها ولا تعبر عن المجتمع.

 

وليت الوزارة توفر ميزانية المؤتمر المتوقع انعقاده في شهر مايو القادم، وتحويلها إلى قرية البرادعة بالقليوبية التي أصيب أهلها بالتيفود نتيجة شرب المياه الملوثة.

-----------------

* drhelmyalqaud@yahoo.com