- من أين تأتي الدافعية للعمل والتضحية والعطاء؟

- القوة الروحية والتغيير المنشود

- مؤشر الانحدار

- بوصلة الانتماء والعمل الإسلامي

- دور رواد النهضة وأفراد المجتمع

لم يعد من الصعب رصد ما تعاني منه مجتمعاتنا من اضمحلال في القيم وسطحية في الفكر وضعف في السلوك الإنساني، رغم زخم واضح في القدرات والمهارات الفردية والمؤسساتية، وأصبح التغيير حلمًا يراود كل الشعوب ومبحثًا مهمًّا لطلاب النّهضة والإصلاح في أرجاء الوطن العربي الإسلامي.

 

فكيف السبيل إلى تغيير بيئة هي مجتمع كبير، يضم أفرادًا وأسرًا، مؤسساتٍ وهيئاتٍ، أحزابًا وجماعاتٍ، كلها تعاني من قناعاتٍ وثقافاتٍ وقيمٍ تراكمت وأثرت سلبًا في سلوكها مع الحياة من حولها، فأصبح تناول كلمة "التغيير" بلغة التنمية البشرية وما يصاحبها من مهارات وقدرات لا يؤتي بثماره.

 

إن القيم والقناعات هي المحرك لتلك المهارات والقدرات، وإن لم يكن لدى الفرد القيم الصحيحة والقناعات والإرادة الدافعة لأن يكون فردًا صالحًا في بيئته لَمَا تحرَّك قيد أنملة في اتجاه التغيير.

 

بل سيقف أمام عقبات ونوائب إن لم تكن لديه القوة الدافعة التي تُضعف من شأن تلك الصعاب، وتبعث في المرء طاقةً هائلةً للاستمرار قدمًا لتحقيق غايته.

 

القوة الروحية.. والتغيير المنشود

إن التغيير الذي ينشده رواد النهضة وأبناء مجتمعاتنا العربية والإسلامية يمرُّ بمستويات عدة؛ أهمها المستوى الروحي الذي يتعلق بإجابة سؤال: من له علاقة بهذا التغيير على مستويات العلاقات الإنسانية والكونية؟

 

إنّ الصلة الروحية يجب أن تكون واضحةً جليةً، وليست مبهمةً حتى يدرك الإنسان إلى أين تسير به الحياة، وعندها تؤثر قيمه ومعتقداته في مهاراته وسلوكياته ومن ثم في بيئته بعد أن أدرك بتلك القوة الروحية لماذا هو في حاجة لأن يقوم بالتغيير والإصلاح ونهضة أمته؟
سرُّ هذه القوة فقهه الإنسان الأول عندما هان على هابيل ما لم يستطِع قابيل أن يضحي به في سبيل الله، فكان قمة العطاء والبذل.

 

هي ذاتها التي ألقت في قلب إسماعيل عليه السلام الرضا والقبول بأمر الله، فكانت أسمى قصص التضحية.

 

وهي العامل الذي دفع بالشعوب لتتوحَّد وتضحِّي في سبيل الحصول على حريتها على مر العصور.

 

إنه الانتماء.. انتماء قويٌّ يحرِّك في القلب الإرادة والقناعة اللازمة للفعل.. إنها قوة من نوع آخر، ما إن يتفاعل الإنسان معها تفاعلاً صحيحًا يكون لها الأثر العظيم عليه.

 

جبل الله الإنسان على الحاجة إلى الانتماء

- فهو يميل بالفطرة إلى البحث عن الـ"أنا" الجماعية التي يذوب معها، ويضحي من أجلها.
- وهو حاجة من الحاجات الإنسانية التي تقود المرء إلى الاستقرار النفسي؛ لذا تجده دائمًا يبحث عن كيان يذوب داخله وتكون الـ"أنا" الذاتية جزءًا من الـ"أنا" الجماعية، فتجده يقول "نحن" و"هم" مميزًا جماعته أو عائلته أو موطنه عن غيرها.

 

- تدفعه إلى العطاء والتضحية، فإن انتمى الفرد إلى عائلة أو أسرة تجده يضحي ببعض مطالبه في سبيل الاندماج مع مجتمعه الصغير والحفاظ عليه، بل ويعتبره امتدادًا له يجعله لا يفكر إلا في النهوض به والالتزام بقيمه وبمبادئه، فيشعر بالقوة، ويقوده انتماؤه إلى مزيد من العطاء والتصحية في سبيل أن ينتصر له.

 

وإذا فقد الفرد الانتماء من أي نوع تجده هائمًا على وجهه في الدنيا، ليس لديه ما يوجِّه مسار حياته، فيتخبَّط بين الأفكار والتيارات، ولا تجد له موطنًا يبكي على فراقه.

 

تعدَّدت أشكال الانتماء ومآربه، فهناك انتماءٌ للوطن، للقبيلة، للعائلة، أو انتماءٌ لفرق ومذاهب أو تيارات وحركات، أو انتماء إلى كيان صغير كانتماء لنادٍ رياضي، لمدرسة... إلخ.

 

 الصورة غير متاحة
كل هذه الأنواع من الانتماءات محمودة، طالما فقه المرء العلاقة بينهم والمساحات التي تتفق فيها، فهي كدوائر متداخلة، تبدأ من الانتماء للذات، ثم للمجتمعات الصغيرة، مرورًا بالوطن، ثم الانتماء للإسلام، وتبقى الدائرة الأوسع وهي الانتماء إلى الإنسانية.

 

مؤشر الانحدار

المشاهد لحقب التاريخ الإسلامي يجد أن الركيزة التي قامت عليها الحضارة الإسلامية اعتمدت على الولاء والانتماء المتين للعقيدة، ثم بدأت فترات الانحدار عندما انشغل المسلمون بالانتصار لانتماءاتهم المذهبية على حساب الانتماء للأصل، وهو ما يصفه الدكتور ماجد الكيلاني في كتابه (هكذا ظهر جيل صلاح الدين) المرحلة التي بدأت فيها الأمة في الانحدار التي تزامنت مع وجود صراعات مذهبية وفكرية، كما حدث بين الحنابلة والأشاعرة، وانصراف كل فصيل إلى الانتصار لمذهبه على حساب انتمائه إلى أصل الإسلام.

 

وضاعت الصلة الروحية بل القوة المؤثرة الدافعة للتضحية والعطاء، ما بين نزاعات وصراعات وحروب فكَّكت الأمة، وأصبح من واجب الوقت أن يبحث طلاب النهضة وروادها عما يوجه البوصلة نحو الوجهة الصحيحة.

 

تتمة الموضوع في الجزء الثاني والحديث عن:

بوصلة الانتماء والعمل الإسلامي

دور رواد النهضة وأفراد المجتمع