شاء الله سبحانه وتعالى أن يقضي الإخوان الشهور الثلاثة الأخيرة في ظروف غير عادية من الشد والجذب، والقيل والقال، والرأي والرأي المعاكس، وكان وراء ذلك كله وسائل الإعلام المختلفة مقروءة ومرئية ومسموعة.
وتسابقت هذه الوسائل لتغطية ما يظنونه أحداثًا، وقعت بين قيادات جماعة الإخوان المسلمين، وتباينت أشكال التغطية الإعلامية، وتلونت بألوان مختلفة تعكس اختلاف رؤى ومقاصد وتوجهات أصحابها، وتنبئ عن مخزون نفسي دفين وأحلام تراود البعض، أن تتفرق صفوف هذه الجماعة، وأن يحدث بين أبنائها عوامل الانقسام وأسباب التفرق، وينتهي بها الأمر إلى أنواع من المواجهات والانشقاقات تؤدي إلى تفكك هذا الكيان الكبير، وتمزيقه إلى كيانات متصادمة متصارعة، كل حزب بما لديهم فرحون، ويأبى الله أن يتم ذلك، أو أن تتحقق هذه الرغبات النفسية المخزونة، أو أن تظهر على سطح الأحداث أيٌّ من هذه التوقعات.
وشارك في هذه الحملة بعض منْ ينتسب إلى الإخوان قولاً أو ادعاءً لا حقيقة ومضمونًا، منْ وَهِم أن الإخوان شأن عام، ويحق لهم بناءً على ذلك مناقشة كل شيء داخل الصف الإخواني، وأخص خصوصيات ما يحدث بينهم من مداولات ونقاشات تتعلق بإدارة شئونهم، والاختلاف في تفسير ما يتعلق باللائحة المنظمة لأعمالهم، بل وتنصيب كل واحد منهم حكمًا في قضية يجهل عنها الكثير؛ لأنه ببساطة شديدة بعيد عن معايشة الصف، أو تراه يلبس منظارًا ملونًا يحول بينه وبين الرؤية الحقيقية للأمور، أو يقيمها بصورة موضوعية تتوافق مع مصلحة هذه الجماعة.
ونضرب لذلك مثالين:
1- أن اللائحة لم تشر من قريب أو بعيد إلى دور المرأة "الأخت المسلمة" في تشكيلات الجماعة المختلفة: مكتب الإرشاد، مجلس الشورى العام، المكاتب الإدارية.. إلخ، وعاب البعض وأكثرهم ينتسبون إلى الإخوان هذا الأمر وفاتهم- وهم الذين يدّعون أنهم أصحاب خبرة بالمجتمع المدني، ويمدون جسور التفاهم بالقوى السياسية المختلفة- فاتتهم قاعدة مهمة أن اللوائح إنما تتعامل مع واقع معين، وأن ظروف "الأخوات" قد لا يناسبها الأجواء الموضوعية والأمنية التي نعيشها الآن، وأي معالجة تتجاهل هذا الواقع تكون عواقبها وخيمة والعياذ بالله.
2- والانتخابات الأخيرة، قد تعاملت مع نصوص اللائحة كما هي، دون تعديل أو تغيير، وتدور صحة النتائج وفقًا للائحة المعمول بها الآن، أما إذا راق للبعض أن يطعن في الانتخابات على مظنة صحة أو بطلان "التعيين" فهذا اتهام يجافي الحقيقة، ويتعارض مع أبسط قواعد الفهم للنص اللائحي المعمول به وقت إجراء الانتخابات.
ولا مانع من فتح باب الحوار، ومساهمة ذوي الشأن في تعديل بعض النصوص، وتجميع هذه الرؤى والمقترحات، ثم إحالتها إلى لجان متخصصة؛ تمهيدًا لاعتمادها أو إقرارها من المؤسسات المعنية بذلك.
أما قبل هذا الإجراء فلا يحق لأحد أن يدعي مخالفة اللائحة بالتعيين أو غيره، ويصبح قوله باطلاً ولا يُلتفت إليه، ويكون من باب التشويش الذي لا مبرر له.
- المرشد السابق:
تعيش أغلب المجتمعات العربية والإسلامية تحت نظم شمولية، وأجواء استبدادية، وتحكم أمني في كل أمورها السياسية والاجتماعية والفكرية والثقافية، وانسداد في الأفق السياسي والمستقبلي لهذه المجتمعات؛ بحيث يعجز المتابع للواقع أن يرى بادرة انفراجة أو تعديلاً في النصوص الدستورية المكبلة للحريات العامة، أو التي تسمح بانتخابات حرة نزيهة تسمح للترشح في الانتخابات العامة ومنصب رئيس الدولة، أو بمعنى آخر إتاحة الفرصة لتداول السلطة، والسماح بدماء جديدة ودافقة لتجدد شرايين العمل السياسي العام وفي أعلى مستوياته.
في هذه الأجواء الضبابية العامة، يعطي الأستاذ محمد مهدي عاكف المرشد العام للإخوان المسلمين نموذجًا فريدًا، يحق لعموم الإخوان هنا في مصر وفي غيرها من البلاد أن يباهوا به ويسعدوا بحدوثه، ويستثمروه إعلاميًّا، ويسلطوا عليه الأضواء كحدث بارز وواضح هذه الأيام، إذ في الوقت الذي تحرص أغلب النظم المعاصرة على تكريس الديمومة والاستمرارية مصادمة لآمال الشعوب وتطلعاتها، ومعاندة للحراك السياسي وفق المستجدات التي وفدت على الساحة.
ويصبح الأستاذ عاكف بذلك هو أول من يُلقب بـ"المرشد السابق"، ويغادر مكتبه مترجلاً، ويسلم مقاليد أمور الجماعة لمن سيعلن اسمه مرشدًا قريبًا، بل ويصر على أن يكون هو أول من يعلن ذلك، وأول من يبايع المرشد الثامن الجديد.
ولم يشغل فضيلة المرشد بريق المنصب ولا أضواء الكرسي في الوقت الذي كانت كل الشواهد تدعوه إلى البقاء، والاستمرار في أداء مهمته- وما أعظمها من مهمة- وفي الوقت الذي يعتبر في كامل لياقته الصحية والفكرية والعقلية واللائحية، إذ لم يقض من ولايته إلا دورة واحدة فقط، ويبقى له دورة جديدة ثانية بعد يوم 13/1/2010م؛ وذلك بعد تعديل اللائحة الحالية بتحديد مدة شغل هذه المناصب بما فيها عضوية مكتب الإرشاد بدورتين فقط عند إقراراها واعتمادها.
إذن كل الظروف المحيطة كانت تخول استمرار الأستاذ المرشد في مكانه، والاعتذار عن التصريح الذي صدر عنه في بداية ولايته؛ وهو أنه سيكتفي بدورة واحدة فقط؛ خاصة أنه قد تعرَّض لضغوط شديدة وملحّة من كل من حوله من الإخوان القدامى منهم والشباب أن يبقى مدة أخرى أو عامًا واحدًا على الأقل، ريثما يتم ترتيب الأوضاع واستقرار الأمور للانتقال بشكل هادئ إلى من يخلفه، وأبَى الأستاذ عاكف ذلك اقتناعًا منه أن الخير كل الخير في الإخوان، وأنه سيأتي بعده من يقود السفينة إلى برِّ الأمان بحكمة وروية وإخلاص؛ حتى تحقق غايتها المرجوة خدمة للإسلام والمسلمين.
هل لنا أن نفرح ونسعد بإعلان اسم المرشد الجديد، ونودع بكل الحب والتقدير الأستاذ محمد مهدي عاكف، بعد أن سطَّر بحروف من نور نزوله طواعية واختيارًا، وانضمامه كفرد عامل في الصف الإخواني؛ وهل لنا أن نقول إنه يعطي بذلك درسًا لا يُنسى لكل من كان في وضعه أو شبيهًا لوضعه أو أي مستوى من مستويات العمل، أن يغادر مكانه بهدوء ودون صخب أو ضجيج.
وهل لنا أن نقول أخيرًا.. إن تصرف مرشد الإخوان بهذا الأسلوب الحضاري الرائع حجة على كل القوى الفاعلة والأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني في أن تعيد النظر في قياداتها، وتجدد شبابها وحيويتها، وتسمح بتداول المسئولية ليتحقق الخير للمجتمع كله، إذ سبقهم إلى ذلك الأستاذ عاكف؛ حيث سيصبح بعد يومين فقط مرشدًا سابقًا للإخوان المسلمين.
- مداخلات وتعقيبات:
1- أغلب الكتّاب والمحللين- حتى من نظنه منصفًا- راهن على أن الأحداث الأخيرة سيعقبها انشقاقات في الصف الإخواني، ولم نكن نأمل أن يقفوا هذا الموقف؛ حيث خانهم التوفيق في ذلك، وحبذا لو راجعوا أنفسهم، وعادوا إلى الحياد والموضوعية التي كانوا يتحلون بها؛ لتعود صورتهم في عيون المنصفين كما كانت.
2- قلت في مقال سابق: إن ما حدث من حوار بين الأستاذ المرشد ومكتب الإرشاد حول تفسير بعض بنود اللائحة يُعتبر قمة في الأداء الشوري أو الديمقراطي؛ وهو انقلاب على النمط الفرعوني في الحوار بين المسئول ومرءوسيه، فلم يعد شعار "ما أريكم إلا ما أرى" صالحًا لإدارة شئون الأمم والمؤسسات والجماعات، وهذا من الخير الذي أكرمنا الله به، بعدما انزعج البعض عندما دبَّ الخلاف في الرأي بين المرشد ومكتب الإرشاد، ولعل ذلك كان من العلامات المضيئة.
3- منهج الإخوان في التربية والسلوك وفي الحياة العامة منهج وسطي، يتحرى الشرع في كل ما يأخذ ويترك، وقائم على مرضاة الله أولاً وأخيرًا، فندور مع الإسلام حيث دار.
وفي إحدى الحلقات الحوارية في إحدى القنوات الفضائية أُثير موضوع الأغاني والطرب والموسيقى والسينما والمسرح وخلافه، وقيل إن الأستاذ عمر التلمساني- رحمه الله- كان يحب أغاني أم كلثوم، ربما يعتقد البعض أن هذا السلوك حجة لمن يجيز السماع إلى الطرب، وهو ليس كذلك فالأستاذ عمر لا يدعي أنه يفتي أو يشرع، وإنما الحكم الشرعي في هذه الألوان والوسائل الفنية عمومًا هو حكم ما تعرضه أو يُعرض فيها؛ فإن كان حلالاً فحلال، وإن كان حرامًا فحرام.
4- نحن دعوة إسلامية ربانية، قبل كل شيء، والسياسة فيها ليست هي كل شيء وقبل كل شيء؛ إنما هي في إطار منظومة متكاملة مترابطة متماسكة، ولا أعلم أن أحدًا يتربى على هذا المنهج عنده غلو أو تطرف أو إرهاب كما يزعم البعض؛ إنما هي سماحة وسهولة ويسر لا يصادم قاعدة شرعية أو يعطل أصلاً من الأصول، ولا نتزلف بذلك إلى القوى السياسية أو المجتمع المدني، إنما علاقتنا بالجميع قمة في التحضر والمدنية والسمو في إطار فهمنا لمهمتنا ودورنا في الحياة العامة، وتعاوننا مع الجميع فيما نتفق عليه، وعذرنا بعضنا لبعض فيما اختلفنا فيه.
وأخيرًا.. ألم أقل لكم أيها الأحباب إن ما تمخضت به الشهور الثلاثة الماضية كان هو عين الخير لدعوتنا ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُم﴾ (النور: من الآية 11).. والله من وراء القصد.