قامت فكرة العولمة على التوحيد القياسي لعددٍ من السياسات والإجراءات حول العالم، من خلال المواثيق والاتفاقات الدولية؛ حتى يسود نمط محدد في مختلف الدول، في العديد من المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، واستهدفت الدول الغربية من هذه العملية توحيد النظام الأساسي الذي تقوم عليه أنظمة دول العالم، بصورة تجعلنا بصدد نموذج حاكم موحد، تقوده الدول الغربية، وتوحيد النظام يسمح بإقامة علاقات بين الدول، تستند للتجانس الحادث في الأنظمة؛ فأصبح النظام المالي يستند للتجانس الحادث في الأنظمة المالية للدول، كما تستند التجارة الدولية لأنظمة تجارية متجانسة، وهكذا.

 

ولكن الغرب لم يقف عند حدود تجانس الأنظمة التي يستند عليها التعاون الدولي؛ حيث تمددت عملية العولمة إلى أوضاع اجتماعية شتى، مثل وضع المرأة والطفل والأقليات، وتلك الجوانب أريد منها توحيد طبيعة المجتمعات في دول العالم؛ مما ينتج عنه توحيد طبيعة المجتمع الإنتاجي والمجتمع الاستهلاكي؛ فيؤدي ذلك إلى تنميط السلع والخدمات بمختلف أنواعها، ويجعل السوق العالمي خاضعًا لنمط محدد.

 

وفي مقابل عملية التوحيد القياسي للعالم، والتي تتم تحت مظلة العولمة، أو الهيمنة الغربية، جاءت الحركة الإسلامية في أساسها كاستجابة لعملية الهيمنة بمختلف صورها، فبداية الحركة الإسلامية تزامنت مع نهاية الدولة الإسلامية وسقوط الخلافة، فكانت منذ بدايتها حركة في مواجهة الاستعمار والهيمنة الخارجية، كما أنها كانت استجابة لعملية الغزو الثقافي الغربي، وأيضًا كانت استجابة لكل شكل من أشكال التبعية للخارج، وهكذا رسمت الحركة الإسلامية مسارها في اتجاه التحرر الحضاري الكامل للأمة الإسلامية، من أي هيمنة أو تبعية خارجية.

 

وجوهر المشروع الإسلامي يستند على فكرة الخصوصية الحضارية، مناديًا بخصوصية الحضارة الإسلامية، وأهمية بناء الأمة الإسلامية على قيمها الخاصة، كما أن كل مسارات الحركة الإسلامية تجمعت عند بناء الدولة الحضارية الإسلامية، والمستندة للمرجعية الإسلامية، والتي تمثل البناء المميز للأمة الإسلامية، والمحقق لوحدة الأمة الإسلامية السياسية، وأيضًا المحقق لنهوضها الحضاري.

 

تلك الأسس المميزة للحركة الإسلامية، جعلتها تمثل حركة لاستعادة الخصوصية الحضارية، في مواجهة التغريب والغزو الحضاري، وبهذا أصبح مسار الحركة الإسلامية يسير في اتجاه معاكس لمسار العولمة، بل يمكن القول بأن الحركة الإسلامية تمثل القوة الأساسية المواجهة لعملية العولمة التي تقودها الدول الغربية؛ مما جعل المواجهة بين المشروع الإسلامي والعولمة، تمثل نتيجة طبيعية للتعارض بين فكرتين، فكرة تقوم على إخضاع العالم لنمط حضاري موحد، وفكرة تقوم على الخصوصية الحضارية.

 

مبدأ التعدد الحضاري

أول تعارض مهم بين مشروع العولمة والمشروع الإسلامي، يتمثل في فكرة التعدد الحضاري؛ فالعولمة تقوم على فرض نموذج موحد للعالم، ومن داخله يظهر التنوع الحضاري أو الثقافي، أي أن التعدد الحضاري محكوم بالخضوع لنموذج عالمي واحد مستمد من التجربة الغربية؛ لذا يصبح التنوع الحضاري فرعيًّا وليس أساسيًّا، وهو تنوع داخل نموذج عالمي غربي، يتم فرضه على العالم؛ ولكن الحركة الإسلامية قامت على فكرة التعدد الحضاري، معترفة بالتنوع الحضاري والثقافي في العالم؛ فالمشروع الإسلامي يهدف لبناء النهضة والتقدم للأمة الإسلامية اعتمادًا على تميزها الحضاري، وتنظر الحركة الإسلامية إلى الغرب بوصفه ممثلاً لحضارة أخرى، مثلها مثل بقية حضارات البشرية.

 

والخطاب الإسلامي مؤسس على أن التعدد الحضاري هو جزء من السنن الكونية، وهو بهذا طبيعة من طبائع التاريخ البشري، وعليه لم تمثل الحضارة الغربية مشكلة للحركة الإسلامية، من حيث تميزها واختلافها عن الحضارة الإسلامية، ولكنها مثلت مشكلة للحركة الإسلامية بقدر هيمنتها على المنطقة العربية والإسلامية، وبقدر محاولتها تغيير النمط الحضاري الإسلامي، أو الهيمنة عليه.

 

ورؤية الحركة الإسلامية للتعدد الحضاري، مستندةً أيضًا على التدافع الحضاري بوصفه جزءًا من السنن الكونية، فالاختلاف بين الناس هو الذي يؤدي إلى حالة التدافع بين الأفكار والأنماط والحضارات، وهي سنة كونية تقبلها الحركة الإسلامية وتؤمن بها؛ مما أكد لدى الحركة الإسلامية فكرة الاختلاف بين البشر، وجعلها تتعامل على أساس أن العالم متعدد حضاريًّا وثقافيًّا.  

 

الرسالة الحضارية

كل الحضارات الكبرى في التاريخ البشري، رأت لنفسها رسالة حضارية عالمية، ولهذا عملت المشاريع الكبرى على القيام بدور عالمي في تاريخ البشرية، لتسجل لنفسها إنجازها الإنساني الخاص، ولكن الاختلاف في مفهوم الرسالة الحضارية ومنهج تحقيقها، مثَّل مفارقةً بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية، فالحضارة الغربية ترى أن رسالتها الحضارية، هي أن تقود العالم من خلال نموذجها المتقدم، فتصبح قائدةً للتقدم العالمي، ومسيطرةً عليه، بوصفها مركزًا لهذا التقدم.

 

فالرؤية الغربية ترى أن ما حققته من تقدم يمثل الأفضل لحياة البشرية؛ لذا يصبح عليها فرض النموذج المتقدم الذي حققته على العالم، كما أنها ترى أنها الأقدر على قيادة العالم من خلال نموذجها المتقدم؛ حيث إنها صاحبة هذا النموذج، ولها فضل تحقيقه تاريخيًّا، بهذا ارتبطت الرسالة الحضارية الغربية بفكرة الهيمنة على العالم، أو فكرة قيادة العالم وإدارته، وتكرر هذا المشهد الغربي منذ الدولة اليونانية القديمة، وحتى الحضارة الغربية المعاصرة.

 

في المقابل نجد للحضارة الإسلامية رسالتها الحضارية، حيث تقوم الحضارة الإسلامية على مركزية دور الدين في حياة البشر، وعلى إعادة التوازن للعلاقة بين الجسد والروح، وإعادة سيادة القيمة الدينية، والحق الإلهي.

 

وبهذا تقدم الحضارة الإسلامية نفسها بوصفها مشروعًا صالحًا لحياة البشر، وطريقًا للخلاص الروحي والنهوض الحضاري، وتقدم الحضارة الإسلامية نفسها للعالم بوصفها نموذجًا يصلح لكل البشر، وتنادي الآخر الحضاري كي يتعلم من نموذجها ويقتدي بها.

 

ولكن النموذج الحضاري الإسلامي يقوم أساسًا على الدين، ومن ثم فهو يقوم على الدعوة؛ لذا تعتبر الحضارة الإسلامية نموذجًا يدعو الآخر لقبوله، ولكنه لا يفرض نفسه على الآخر، بل يحاول أن يكون نموذجًا جاذبًا ومؤثرًا على الآخر، حتى ينجذب له ويؤمن به؛ ولذا سنجد أن الحركة الإسلامية ترى أن مشروعها عالمي، وأنها تملك مشروعًا يفيد كل العالم، ولكن منهجها في نشر مشروعها في العالم يقوم على التبشير به، وليس على فرضه.

 

وهنا يظهر اختلاف مهم، فالحضارة الغربية ترتبط بقومية، أي الرجل الأبيض؛ ولذا ترى الحضارة الغربية أن منجزها مرتبط بقومية معينة، وهي تمثل القومية الأعلى شأنًا، والتي استطاعت تحقيق التقدم؛ مما ينتج عنه فكرة أحقية تلك القومية في قيادة العالم؛ لأنها الأقدر على قيادة النموذج الغربي، فعندما يسود النموذج الغربي، لا يمكن لأحد أن يقود العالم إلا الدول الغربية، كما أن الغرب في مساره التاريخي، لم يعرض نموذجه لمَن يؤمن به، ولكنه فرض نموذجه عن قناعةٍ مفادها أنه ما دام يملك النموذج الأفضل، يصبح عليه فرضه على العالم.

 

هنا يختلف منهج المشروع الإسلامي عن المشروع الغربي؛ حيث إن المشروع الإسلامي لا يرتبط بقومية معينة، ولكنه يمثل فكرةً يملكها مَن يؤمن بها، فأصبحت الفكرة الإسلامية تبشيرية، تنادي الآخر بفكرتها، ولكن لا تفرضها عليه؛ لأنه لا يوجد داخل منظومة المشروع الإسلامي جنس له تميزه على الآخرين، حتى يحق له نشر فكرته عليهم بالقوة، كما أن كل مَن يؤمن بالفكرة يتساوى مع مَن كان يؤمن بها؛ لذا عندما تأسست الدولة الإسلامية والحضارة الإسلامية، شاركت فيها كل الشعوب والقوميات التي انتمت لها، دون أي تمييزٍ لأي قومية على القوميات الأخرى.

 

لذا يمكنا القول بأن الرسالة الحضارية الغربية ليست اختيارية، بل تُفرض بالقوة، كما أن لها مركز قيادة عالمي واحد، وهو الغرب، فيصبح نشر الرسالة الحضارية الغربية مواكبًا لهيمنة الغرب على العالم.

 

أما الرسالة الحضارية الإسلامية، فهي رسالة اختيارية، يؤمن بها مَن شاء، ولا يمثل انتشارها أي هيمنة لقومية محددة، ولا يؤدي انتشارها أيضًا لتقوية مركز معين ليقود العالم، بل إن قيادة العالم الإسلامي نفسه يمكن أن تنتقل من مكانٍ إلى آخر، فهي عابرة للقومية والحدود.

 

بهذا تبلور الخلاف بين الحركة الإسلامية وبين الدول الغربية، في الفرق بين فكرة هيمنة نموذج حضاري اعتمادًا على قوته المادية، وفكرة نشر نموذج حضاري اعتمادًا على قوته المعنوية.

 

إدارة العالم

ظهر جليًّا وجود اختلاف في فكرة النظام الدولي بين المشروع الغربي والمشروع الإسلامي.
فالمشروع الغربي يقيم النظام الدولي على التوحيد القياسي؛ حيث يفرض توحيدًا للأنظمة في مختلف الدول، ولكن العلاقة بين دول العالم لا تستند على هذه القواعد، فالعلاقات الدولية لا تقوم على المساواة، كما أن إدارة المنظمات الدولية لا تقوم على الديمقراطية، وبهذا تصبح مجموعة القيم الغربية التي يحاول الغرب فرضها على دول العالم، غير مطبقة على مستوى العلاقات الدولية، فالنظام الدولي يقوم على الهيمنة الكاملة للطرف الأقوى.

 

في المقابل سنجد أن الحركة الإصلاحية الإسلامية، لديها رؤية مختلفة، فهي ترى أهمية وجود قواعد للنظام الدولي تقوم على العدالة والندية والاحترام المتبادل وتبادل المصالح؛ بحيث يكون النظام الدولي، هو نظام عادل للتعامل بين الدول المختلفة والحضارات المختلفة، وليس نظامًا للتوحيد القياسي لأنظمة الدول، وليس أيضًا نظامًا يقوم على هيمنة طرفٍ على الآخرين، ومن هنا سنجد أن الخطاب الإصلاحي الإسلامي، يُركِّز على أهمية التوافق على القيم والقواعد الحاكمة للعلاقات بين الدول، وليس على توحيد القيم والمعايير التي تقوم عليها كل دولة، فيصبح النظام الدولي قائمًا على الاعتراف بالتعدد بين الأمم والشعوب، مع توحيد القواعد العادلة للتعامل بين الدول.

 

بهذا نصل لتصور عن القيادة الجماعية الديمقراطية للعالم، في الخطاب الإصلاحي الإسلامي، في مقابل النظرة التي تقوم على هيمنة القوي وقيادته للعالم، في الخطاب الحضاري الغربي.

 

المقابلة الحضارية

تلك المقابلة الحضارية بين الخطاب الغربي الحضاري، والخطاب الإسلامي الحضاري، تجعل الحركة الإسلامية والدول الغربية في مواجهة بين مشروعين مختلفين، ومن تلك المقابلة تتحدد مسارات عديدة في التاريخ البشري، فنحن بصدد مواجهة بين مشروعين، لكل منهما أهميته الحضارية في التاريخ البشري، كما أنهما يتقابلان جغرافيًّا، فالحضارة الغربية هي الحد الشمالي الغربي لمنطقة الحضارة الإسلامية، كما أن الحضارة الإسلامية هي الحد الجنوبي الشرقي للحضارة الغربية.

 

لذا تمثل الحركة الإسلامية ردًّا مختلفًا على مشروع العولمة، وهي حركة رافضة للعولمة ومقاومة لها، وتمثل محاولة لبناء هوية حضارية مستقلة، ولكن الدول الغربية من ناحيتها، تحاول دمج الحركة الإسلامية في العولمة، وهذا هو التعبير الأدق لفكرة دمج الحركة الإسلامية في الحياة السياسية.

 

فيمكن القول بأن المطلوب هو دمج الحركة الإسلامية في مشروع الدولة القومية القطرية، وهي دولة قامت على النموذج الغربي، كما يمكن القول، بأن المطلوب هو دمج الحركة الإسلامية في نموذج العولمة، فتوجه الدول الغربية يقوم على الحفاظ على الهيمنة الغربية العالمية، ويحاول دفع الحركة الإسلامية إما إلى قبول العولمة والعمل من داخلها، أو الخروج منها بالكامل لتصبح الحركة الإسلامية في مواجهة مسلحة مع الدول القطرية الحاكمة أو مع الغرب.

 

ولكن الغرب يخشى من محاولة الحركة الإصلاحية الإسلامية، للعمل من داخل المنظومة الحالية لتغييرها، ويخشى من محاولة إصلاح المجتمعات العربية والإسلامية حتى تتمكن من الخروج من نظام العولمة، فالمنهج الإصلاحي الذي يعيد بناء الأمة ويحررها حضاريًّا، يجعل الحركة الإسلامية تعمل من خلال الوضع القائم لتغييره؛ مما يمكنها من إحداث تحولات سياسية وحضارية، تؤسس للمشروع الإسلامي في نهاية الأمر.

 

وفي المقابل سنجد أن الحركة الإسلامية، تأخذ مسارها الإصلاحي، وهي تحاول إعادة بناء الأمة، وبالتالي بناء الحضارة الإسلامية من جديد، فهي لهذا تمثل بديلاً حضاريًّا له نظرة مختلفة للعالم والتاريخ البشري، وله غايات نهائية تختلف مع مشروع العولمة، فأصبحت الحركة الإسلامية تمثل الخطر الأخضر؛ لأنها لا تخضع لمشروع العولمة، والذي يحقق هيمنة الغرب وقيادته للعالم.

 

وأصبحت الحركة الإسلامية هي العائق الأول أمام قيادة الغرب للعالم، وتعميمه للنموذج الغربي على مختلف دول العالم، فأصبحنا أمام نموذجٍ مهيمن على العالم يتمثل في الحضارة الغربية، ونموذج آخر يقوم على تحرير الأمة الإسلامية، وبناء نموذجها الحضاري الخاص، وهو النموذج الحضاري الإسلامي، فالحركة الإسلامية إذن، تقدم بديلاً حضاريًّا عن العولمة.