تحقيق- خالد عفيفي:

"لحظة فارقة في تاريخ جماعة الإخوان المسلمين.. نقطة تحول بمجيء مرشدها الثامن"، هكذا وصف المراقبون المرحلة المقبلة فور اختيار فضيلة الدكتور محمد بديع مرشدًا ثامنًا للإخوان؛ ليبدأ بذلك قيادة هذه الجماعة العريقة في محطة جديدة من محطاتها.

 

تحديات جسام، ومسئوليات عظيمة ملقاة على عاتق قيادة الجماعة، في ظروف قلما تجتمع في عصر واحد؛ حيث تموج البلاد داخليًّا بالأحداث، وينتظرها عامان متتاليان من الحراك الذي يوازي الانتخابات البرلمانية والرئاسية، فيما يعج العالم العربي والإسلامي بأزمات لا حصر لها، بدءًا من القضية الفلسطينية لب الصراع في المنطقة، مرورًا بالاحتلال الأمريكي للعراق وأفغانستان، وصولاً إلى المؤامرات الصهيوأمريكية التي تُحاك ضد الصومال والسودان واليمن.

 

(إخوان أون لاين) يطرح بكل موضوعية في التحقيق التالي تساؤلاً مهمًّا على مائدة المحللين والخبراء والمتخصصين؛ لمعرفة رؤيتهم لحجم التحديات والعقبات التي تواجه الجماعة:

 

مساران فقط!

 الصورة غير متاحة

د. عمرو الشوبكي

يقول الدكتور عمرو الشوبكي الخبير بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بـ(الأهرام): إن أهم التحديات التي تواجه جماعة الإخوان المسلمين في الفترة المقبلة؛ تتمثل في الرد على الانتقادات التي وجَّهها عدد من الخبراء والمثقفين لانتخابات مكتب الإرشاد، واعتبارهم أن الإخوان سوف ينسحبون من المجال السياسي والمجال العام.

 

ويرى الشوبكي أن الجماعة أمامها مساران لا ثالث لهما، إما أن يكونوا رقمًا في المعادلة السياسية العامة وطرفًا فاعلاً في الشأن العام، أو ينسحبون من المجال السياسي لصالح الخطاب الدعوي والديني وسياسة العزلة، والانسحاب من الميدان العام خلال العامين القادمين، واللذين تشهد فيهما مصر انتخابات برلمانية ورئاسية.

 

ويضيف أن الرؤية والأداء السياسي للجماعة يجب أن يكون على نفس القدر من ضخامة وكفاءة الأجهزة التنظيمية والإدارية لها، مطالبًا شباب الإخوان بالمشاركة و"مراقبة أداء قيادات الجماعة خلال الفترة المقبلة، والحكم عليها من خلال المسارين السابقين".

 

تغيير الانطباع

 الصورة غير متاحة

ضياء رشوان

ويقول ضياء رشوان الخبير ونائب رئيس مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بـ(الأهرام): إن الملامح الرئيسية لخطاب المرشد العام الجديد، وإن كان أزال إلى حد ما انطباع بعض المحللين والمثقفين عن المرشد بأنه صاحب تفكير متشدد ومنغلق، ومحسوب على تيار بعينه داخل مكتب الإرشاد؛ إلا أنه توقع أن يتخلى الإخوان عن المشاركة في الانتخابات القادمة لمجلسي الشعب والشورى لعام 2010م، خاصة أن الجناح المسيطر على مكتب الإرشاد غير متحمس بطبيعته للبرلمان.

 

ومن وجهة نظر رشوان أن الأزمة التي شهدتها جماعة الأخوان مؤخرًا هي التي رجحت كفة جناح التنظيم المحافظ للسيطرة على الجماعة.

إلا أنه عاد ليؤكد أن التحدي الأكبر أمام الإخوان في المرحلة المقبلة يتمثل في أن يكسر المرشد العام من حدة الانطباع السائد لدى الكثير من المراقبين والمحللين، فضلاً عن "قطاع عريض" من الجماعة بأنه قائد ما يسميه البعض "الجناح المحافظ" داخل الجماعة، بالإضافة إلى الرد العملي الصريح على شائعات انزواء الإخوان في الفترة المقبلة عن العمل العام، وتركيزهم على دعم وتنمية الصف الإخواني.

 

ويضيف رشوان أن المرشد العام ليس متوغلاً في العمل العام، ولكنه يتمتع بقرب شديد من النواحي التنظيمية والحركية للجماعة؛ الأمر الذي يعطيه ميزة إحسان التعامل مع شئون أفراد الجماعة بطريقة تجمعهم وتلم شملهم، وليس بطريقة تفرقهم.   

 

لمُّ الشمل

 الصورة غير متاحة

الأستاذ مهدي عاكف

ويقول الدكتور عبد المنعم المشاط الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية: إن يوم السبت 16 يناير 2010م شكَّل بداية مرحلة جديدة في تاريخ جماعة الإخوان المسلمين؛ لأنه لأول مرة يكون هناك مرشد سابق على قيد الحياة، وتخرج وجهات النظر المختلفة داخل مكتب الإرشاد وقيادات الجماعة إلى أجهزة الإعلام.

 

ويضيف أن خطاب المرشد العام الثامن اليوم لمس عددًا من النقاط المهمة وبالغة الحساسية، موضحًا أن أبرز التحديات التي تواجه الجماعة في المرحلة المقبلة هي لم شمل الجماعة، وتفنيد المزاعم التي قالت إن شرخًا وانشقاقًا حدث في صفوفها.

 

ويشير إلى أن تحديات أخرى تواجه الجماعة؛ منها: تحديد شكل علاقتها بالنظام السياسي، وما إذا كانت ستتقدم بطلب آخر للحصول على ترخيص حزب سياسي أم لا، بالإضافة إلى تحديد موقفها من انتخابات الرئاسة المقبلة؛ خاصة إذا كان المرشح الرئيسي فيها هو جمال مبارك نجل الرئيس مبارك.

 

وفي إطار الملفات الخارجية، قال المشاط إن علاقة الإخوان بحركة حماس وحزب الله تثير عددًا من التساؤلات حول شكلها في المرحلة المقبلة، وأسلوب تعاطي الجماعة معها.

 

وشدد المشاط على أن المرشد الجديد عليه أن يفند ما يُشاع حوله بأنه ينتمي لما يسمى "الجناح المحافظ" أو "المتشدد" داخل الجماعة، وذلك من خلال زيادة الانفتاح على التيارات السياسية والوطنية المختلفة والتعاون معها.

 

الجدية والتطبيق

من جانبها، تقول الدكتورة نادية مصطفى رئيس مركز الدراسات الحضارية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية إن أية رئاسة أو مسئولية جديدة في أي مكان أو مؤسسة تعتبر نقطة تحول في تاريخها، ولكن يتوقف ذلك على طبيعة الرئاسة الجديدة وخبراتها وخلفياتها.

 

وتضيف أن ممارسات المرشد العام الجديد وأعماله الفكرية قد تكون دافعًا لتقديم جديد على الساحة، على الرغم من وصف بعض المحللين له بأنه من أعضاء التيار القديم أو المحافظ داخل الجماعة.

 

وأوضحت أن التصريح المطول وخطاب د. بديع بعد إعلان توليه المسئولية؛ حاول أن يؤكد فيه عددًا من الأمور التي تسعى الجماعة إلى تأكيدها مرارًا وتكرارًا؛ "ولكن لا أذن صاغية تسمع لما يقولون"، مشيرة إلى أن أي تغير أو نتيجة لما طرحه المرشد الجديد يتوقف على عدة أمور؛ من أهمها جدية الجماعة فيما قاله، ومدى إمكانية توافق وتفهُّم النظام تجاه الإخوان.

 

وتقول د. نادية: إن الجماعة تحتاج إلى النظر جديًّا في العلاقة بين الجانب السياسي والدعوي، وكيفية الجمع بينهما؛ نظرًا لكون تلك النقطة من أهم العوائق التي تحتل نظرة المجتمع الخارجي والقوى السياسية للجماعة.

 

وطالبت د. مصطفى الإخوان بتطوير الجوانب التربوية والفكرية لدى أفرادها، فضلاً عن تعميق الفكر الإستراتيجي للجماعة، وتقديم حلول وبدائل يمكن أن تواجه الجماعة من خلالها حزمة من الضغوط الداخلية والخارجية.

 

انتخابات في عهد المحافظين

 الصورة غير متاحة

 د. محمد مرسي

وضعنا هذه الرؤى والأطروحات والأفكار والتوقعات أمام قيادات الإخوان؛ حيث أكد د. محمد مرسي عضو مكتب الإرشاد أن أول خطاب للدكتور بديع أكد فيه أننا جماعه من المسلمين، موضحًا أن الإخوان بشر يصيبون ويخطئون، إلا أنه ليس بينهم حسد أو ضغينة على الإطلاق.

 

وحول وضع الجماعة بعد تشكيل مكتب الإرشاد الجديد أكد د. مرسي أن العمل في الإخوان مؤسسي، ويقوم على الشورى، والدليل على ذلك الانتخابات التي جرت مؤخرًا وفق إرادة مجلس الشورى، حتى لو جاءت هذه الإرادة بأشخاص دون أشخاص.

 

وفيما يتعلق بتراجع العمل السياسي لصالح العمل الدعوي استبعد د. مرسي هذا الطرح، مشيرًا إلى أن الإخوان عندما أخذوا قرارهم بالمشاركة في الانتخابات كان رأيًا بناء على الشورى، ولو افترضنا وهو كلام ليس له أساس من الصحة أن مكتب الإرشاد كان به إصلاحيون وهم الذين دفعوا الجماعة للعمل السياسي؛ فإن تاريخ المشاركة السياسية للإخوان يؤكد أن هذا مفهوم خطأ؛ لأن كل قيادات الجماعة هم أعضاء في جماعة الإخوان المسلمين، وأن هذه التصنيفات من افتعال الإعلام؛ لمحاولة إظهار الجماعة كباقي الفصائل السياسية بها خلافات ومصالح.

 

وعاد الدكتور مرسي ليؤكد أن الإخوان عندما خرجوا من السجون في السبعينيات، وأعادوا ترتيب صفوفهم من أجل إعادة تنظيم الفكرة الإسلامية كان قرارهم بالمشاركة في انتخابات 1984م في عهد الأستاذ عمر التلمساني، وفزنا بـ6 مقاعد، ثم انتخابات 1987م، والتي فاز فيها الإخوان بـ37 مقعدًا في عهد الأستاذ محمد حامد أبو النصر، والذي كان يصفه المراقبون للجماعة بأنه أبو المحافظين، وقاطعنا انتخابات 1990م مع باقي الأحزاب السياسية عدا حزب التجمع لعدم ضمان نزاهتها، ثم شاركنا في انتخابات 1995م في عهد الأستاذ مصطفى مشهور الذي يطلق عليه البعض صقر الإخوان، وكانت المأساة التي شاهدها العالم أجمع ليقول القضاء المصري كلمته، ويلزم الحكومة بضرورة الإشراف القضائي على الانتخابات، فشاركنا بشكل كبير في انتخابات 2000م في عهد الأستاذ مصطفى مشهور أيضًا، وفاز للإخوان 17 نائبًا من بين 76 مرشحًا، وبعدها انتخابات 2005م في عهد الأستاذ محمد مهدي عاكف، والتي فاز فيها للإخوان 88 نائبًا من بين 161 مرشحًا، وكان العدد مرشحًا للزيادة.

 

وأضاف د. مرسي أنه مما يلفت النظر أن جميع أعضاء مكتب الإرشاد في كل هذه الانتخابات كان يطلق عليهم "محافظون".

 

وأكد د. مرسي أن الإخوان سوف يخوضون كل الانتخابات القادمة عدا الانتخابات الرئاسية؛ وهو قرار ليس جديدًا على الإخوان؛ لأنها تنطلق من الهدف الذي رسمه الإمام المؤسس حسن البنا بأننا كإخوان نريد أن نحكم بالإسلام، وهذا ليس معناه أن نكون نحن الحكام، وإنما ندفع الناس ومن بينها مؤسسات الدولة إلى الحكم بالإسلام؛ وهو أمر لن يتأتى إذا قاطعنا الانتخابات رغم علمنا المسبق بما يمكن أن تشهده من مهازل بعد إلغاء الإشراف القضائي عنها.

 

طريق لن يتغير

 الصورة غير متاحة

 د. عصام العريان

الأمر نفسه أكده الدكتور عصام العريان عضو مكتب الإرشاد، والذي أكد أن انسحاب الإخوان من العمل السياسي أمنية مستحيلة المنال، يريد النظام وبعض القوى السياسية تحقيقها، بعد أن هدَّد الإخوان تواجدهم، وأضعفوا إلى حد كبير من شعبيتهم وفعاليتهم على مسرح الأحداث.

 

وأكد أن الإخوان خرجوا بقوة إلى الحياة السياسية والبرلمانية، ولن يخرجوا منها؛ لأنه نهج واضح وموقف ثابت لن يتغير، مشيرًا إلى أن قواعد الإخوان الآن هم من يدعمون ويطالبون القيادات بالاستمرار في التواجد السياسي وخوض الانتخابات بكافة أشكالها.

 

وأضاف د. العريان أن التواجد السياسي للإخوان أو غيرها من القوى السياسية المختلفة ليس مرهونًا بإرادة الإخوان أو غيرهم فقط، ولكنه يتوقف على عدة عوامل من أهمها درجة المرونة والسماح التي يتركها النظام لها، بالإضافة إلى قدرة تلك القوى على الاتفاق على حدود دنيا مشتركة للتواصل فيما بينها، موضحًا أن الإخوان حرصوا كل الحرص على التواصل مع القوى السياسية منذ عام 1984م، واستمر التنسيق بينهم لفترات طويلة وما زال مع بعضهم.

 

وأشار إلى أن التنسيق والترابط بين القوى المختلفة على الساحة المصرية؛ وخاصة الأحزاب السياسية انعدم لأسباب كثيرة، منها: القبضة الأمنية للنظام، والخلافات المحتدمة بين قيادات الأحزاب، فضلاً عن شخصيات بعض هذه القيادات التي تصر على الفرقة والاختلاف ولا تسعى للتنسيق.

 

وقال د. العريان: إن يد الإخوان ممدودة باستمرار لأي حوار وتنسيق مع الأحزاب والقوى المختلفة، "ولكن على تلك القوى أن تنظر في أسباب ضعف العلاقات بينها وبين الإخوان، إذا أرادت بصدق أن تستمر مشاركة الجماعة في الحياة السياسية".

 

وأوضح أن موقف الإخوان من ترشيح جمال مبارك لرئاسة الجمهورية لم يتغير، فهم عمليًّا شركاء حقيقيون في الحملة المصرية لمناهضة التوريث، ويمثلها أحد القيادات وهو الدكتور محمد البلتاجي أمين عام مساعد الكتلة البرلمانية للإخوان، مشيرًا إلى أن الجماعة ليس لديها مرشح للرئاسة بحكم الواقع والدستور، فيما سوف تفاضل بين من يترشح على هذا المنصب في الانتخابات المقبلة.

 

وفيما يتعلق بموقف الإخوان من المرأة والأقباط، قال د. العريان: إن خطاب فضيلة المرشد العام الدكتور محمد بديع كان واضحًا وغير ملتبس في هذا الشأن؛ حيث طالب المرأة بمزيد من المشاركة السياسية، كما أن الإخوان سوف يشركون عددًا أكبر من الأخوات في الانتخابات المقبلة، كما فعل قبل ذلك ونجح عدد منهن إلا أن النظام رفض ذلك وأسقطهن.

 

وبالنسبة للأقباط قال إن الإخوان رشحوا أقباطًا على قوائمهم الانتخابية في انتخابات النقابات المهنية، وأيدوا ترشيحهم كمستقلين، فضلاً عن تأكيدات فضيلة المرشد أن الأقباط في مصر والعالم العربي والإسلامي هم شركاؤنا في الوطن وبناء حضارته، وزملاؤنا في الدفاع عنه، ورفقاؤنا في تنميته والنهوض به، والبر بهم والتعاون معهم فريضة إسلامية، مؤكدًا أن الإخوان يرون أن المواطنة أساسها المشاركة الكاملة والمساواة في الحقوق والواجبات، مع بقاء المسائل الخاصة (كالأحوال الشخصية) لكل حسب شرعته ومنهاجه.

 

ونفى د. العريان ما يتردد عن وجود تيارات متنازعة داخل مكتب الإرشاد، مشددًا على أن الجماعة لا تعترف بتقسيمات وسائل الإعلام ولكنها، رغم تنوع الأفكار والآراء؛ كيان واحد على منهج وثوابت وطريق واحد لا ينحرف، وأوضح أن خطاب فضيلة المرشد الثامن بارقة أمل وبداية طريق طويل على منهج الإخوان وأفكارهم ورؤاهم، بهدف تحقيق الإصلاح المنشود.