- فوائد القراءة تفوق الحصر عمليًّا وإنسانيًّا
- مكتبة المنزل شرفة الأبناء لرؤية العالم
- الإنترنت لا يهدِّد الكتاب الورقي بل يدعمه
حوار- هدى سيد:
تتنوَّع الوسائل والطرق التي يحصل بها المرء على المعرفة، ولكنَّ القراءة من أهم تلك المصادر، ولعل ما يؤكد ذلك هو أن أول ما نزل من آيات الذكر الحكيم كلمة ﴿اقْرَأْ﴾ بكل ما تحمله من معاني العلم والمعرفة والحكمة، ولتشمل قراءة آيات الله الظاهرة في كونه العظيم أو ما سطَّره العلماء بأيديهم على الأوراق وفي الكتب على مدى القرون.
ولأن القراءة هي التي تكوِّن فكر الإنسان والذي يشكِّل بعد ذلك سلوكه وتصرفاته؛ كانت لها قيمةٌ عاليةٌ في حياتنا بشكل عام وحياة أبنائنا الذين هم أجيال المستقبل، والأمانة تقتضي أن ننمِّي لديهم تلك العادة الطيبة، التي بدونها لن يكون لهم في الوجود مكانة، ولَمَا استطاعوا حمل الأمانة الملقاة على عاتقهم.
وقبل بداية الدورة الـ42 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، كان لنا هذا الحديث مع الأديب والشاعر نشأت المصري؛ لإلقاء الضوء حول هذا الموضوع قبل ساعات قليلة على افتتاح معرض القاهرة الدولي للكتاب في نسخته الـ42، والأسئلة تتكرر لدى الكبار والصغار عن أمثَل الطرق لقراءة مفيدة وسليمة وأقصرها لتكوين ثقافة واسعة؛ لذا كان حوارنا مع الكاتب والشاعر نشأت المصري، الذي وضع للأسرة برنامجًا مفصلاً للاستفادة المثلى من المعرض، سواء في زيادة ثقافتها ووعيها الفكري، أو في تنمية الألفة بين أفرادها.
![]() |
|
نشأت المصري |
** القراءة ليست ترفًا، وإنما هي ضرورةٌ لكل إنسان في موقعه، سواء كانت ضرورةً مهنيةً أو عامةً، فهي تخدم عمله، وتحقق الثقافة اللازمة لرفع شأنه بالحياة وجعله أقدر على الفهم والاستيعاب، كما ترتقي بمشاعره وتجعلها أكثر إنسانيةً وتدفعه لنفع نفسه وأسرته ومجتمعه.
* وكيف يعوِّد الآباء أبناءهم على القراءة؟
** الأسرة هي اللبنة الأساسية للمجتمع؛ فهي البيئة الأولى التي ينشأ فيها الطفل، ومنها يستمد كيانه ووجوده، ويكتمل بناؤه العقلي والنفسي والاجتماعي وتترسَّخ فيه القيم والتعاليم والأسس التربوية السليمة؛ وإن على الأسرة أيضًا الجهد الأكبر في تعليم الأبناء المهارات الجديدة والمفيدة، ومنها حب القراءة، فمن المهم أن يتعاون الآباء في تعويد أبنائهم على القراءة وحب المعرفة، وكذلك أن يوجد في البيت دومًا الكتاب الهادف، ويراه الابن في يد أبيه وأمه حتى يعتاد القراءة وتكون الهواية المفضلة لديه.
والقراءة تبدأ عادةً من الطفولة، ويمكن تنميتها بعيدًا عن الأوامر، وبمشاركة الآباء أبناءهم في مناقشة قضية ما، وتشجيعهم على التفكير، وعرض وجهات نظرهم حولها، والأم التي تقرأ لرضيعها بصوت حنون أو تُطلعه على كتاب يحتوي صورًا ملونةً وأشكالاً جميلةً إنما ترسِّخ في ذهنه وعقله أولى مراحل حب القراءة.
ويستطيع الأب بعد ذلك في المراحل العمرية التالية أن يشجِّع أبناءه على القراءة بإجراء المسابقات حول قراءة كتاب ما أو تلخيص أجزاء منه أو أوجه الاستفادة التي خرج بها، وذلك بتقديم حوافز مادية أو بشراء بعض الحاجات التي طلبها الابن، ومن ثم بعد فترة يعتاد الابن القراءة ويمارسها كعادة جميلة ويستغني عن الحافز المادي، ومن المهم أن نعوِّد الطفل على أن يحكي ما قرأ حتى ننمِّي لديه القدرة اللغوية والابتكارية، ولا يكون مجرد متلقٍّ وغير متفاعل مع العلم الذي حصَّله؛ ما يؤكد معلوماته ويزيدها ثراءً.
للكبار فقط
معرض الكتاب فرصة سانحة لتكوين مكتبة للأسرة
* كيف تنشئ الأسرة مكتبة المنزل؟

** المكتبة في المنزل لا بد أن تكون مناسبةً لمراحل الأبناء العمرية وتتفق مع اتجاهاتهم وميولهم واهتماماتهم الثقافية، فإذا فرضنا ما نحبه فقط على الأبناء وجنَّبنا ما يرغبون فيه من الكتب فإن ذلك قد يصرفهم كليةً عن القراءة، فالمشكلة عندنا في الدول النامية أننا لا نحسن اكتشاف ميول أبنائنا واتجاهاتهم وقدراتهم، ويجب أن تكون متنوعةً في كافة مجالات العلم والمعرفة، ما بين الكتب الدينية والأدبية والثقافية والعلمية والرياضية وغيرها، فلا تكون كتبنا للكبار فقط.
والتنوع يفيد، فقد يجد الطفل نفسه في مجال ما، وقد يشكِّل نقطة انطلاق للتفوق والنبوغ في علم من العلوم، والعلم الديني لا نحصِّله فقط من الكتب الدينية، ولكن الكتب العلمية والتي تتناول خلق الكون والإنسان وعلوم الفلك والطبيعة وغيرها تدعم الجانب الديني في عقل الطفل، وتوسِّع مداركه ليفهم الدين بشكل أكبر، ومثال على ذلك تأثر العديد من علماء الغرب بما توصَّلوا إليه من علم، ودخولهم الإسلام عن اقتناع ويقين.. وكما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: من الآية 28)، وبذلك يتضح أن ترسيخ التعاليم الدينية في نفوس الأبناء لا يأتي بالتلقين النظري من الكتب دون التطبيق العملي والسلوكيات المتزنة والقدوة الصالحة من الآباء والمربين.
* ومتى يختار الأبناء كتبهم؟
** يبدأ الطفل في اختيار الكتاب بنفسه في مرحلة عمرية مبكرة، فطفل ما قبل المدرسة قد تجذبه الأشكال والصور والألوان الجميلة والزاهية للكتب، وكلما زاد إتقانه القراءة والكتابة تمكن من الاختيار الأفضل لما يناسب سنَّه واتجاهاته وميوله، ومن المهم أن يشترك الآباء في اختيار الكتب النافعة لأبنائهم، وذلك بشكل غير مباشر، تاركين لهم حرية انتقاء ما يريدون، مع توجيه النصح والإرشاد إذا كان الاختيار غير مناسب.
وتعد المرحلة العمرية (من 12 إلى 15 سنة) مرحلة مثالية، كما يصنفها علماء النفس والتربية، وتسمَّى مرحلة "التحليل العقلي"؛ حيث تكون لدى الطفل القدرة على الاختيار وتكوين رأي مبدئي في أمر ما، ومن المفيد توجيه الطفل إلى اختيار الكتب المبسطة والشائقة، والتي تقدِّم المعلومة بشكل جذاب ومبهر في نفس الوقت.
الكتاب أبقى
* هل من الممكن أن يقلِّل استخدام الإنترنت الإقبال على الكتاب؟
** الإنترنت من أكبر وسائل الجذب للكبار والصغار على حد سواء؛ إذ ينطلق بهم إلى عالم يتحقق فيه كل شيء بنقرة زر، وهذا سلاح ذو حدَّين، ولكنها تقل عندما يتسم مناخ البيت بالاهتمام بعادة القراءة وممارستها، وإذا نظرنا إلى الغرب فسنجد أن مبيعات الكتب تزداد كلما حقَّقت شهرةً على الإنترنت وليس العكس؛ لأنهم سبقوا في استخدام هذه التكنولوجيا واستفادوا بها بشكل أكبر من الدول الأخرى، وبذلك لن يتأثر الكتاب الورقي عندنا لقلة مستخدمي الإنترنت.
كما تظل الحاجة الماسة إلى مصاحبة الكتاب ووجود الارتباط القوي بينه وبين القارئ، وخلق درجة من المشاعر والصلة الحميمية بينهما؛ مما لا يتوفَّر في الإصدار الإلكتروني، ولكن من الممكن استخدام الإنترنت كوسيلة لزيادة المعرفة وتنمية عادة القراءة، فقد يجد الأب من ابنه اهتمامًا بموضوع ما وشغفه بالبحث عنه، فيقوم بإحضار الكتاب في هذا الموضوع؛ ما يزيد الترابط بين الوسيلتين، ويطوِّر استخدام الأبناء لهما ويجعل بينهما نوعًا من التوازن، والذي يأتي من خلال زيارة معارض الكتب والتردُّد على المكتبات العامة التي تعدُّ نافذةً كبيرةً للثقافة بجذب الكبار والصغار إليها، والتي يتحمَّس فيها الطفل للقراءة عندما يجد كل من حوله كذلك يقرءون، ومن المفيد أيضًا إعادة الدور الحيوي لمكتبات المدارس لما تحققه من فائدة للأبناء.
برنامج المعرض
* ما البرنامج الذي تضعه الأسرة للاستفادة من معرض الكتاب الحالي؟

** يعدُّ معرض الكتاب مهرجانًا صغيرًا به العديد من الأنشطة والفاعليات الممتعة والمفيدة، ويستطيع الأب أن يغري أبناءه بالذهاب إليه إذا كانت الرحلة شائقةً، وتتضمن صورًا من الترفيه، وليس بالضرورة أن يتجه إلى شراء الكتب مباشرة، وهناك العديد من الندوات التي تقام ضمن برنامج المعرض وتتناول العديد من القضايا المهمة، ومن المفيد مشاركة الأسرة في مثل هذه الندوات واختيار الأفضل منها وما يناسب عمر الأبناء واهتمامهم وطرح الموضوع للنقاش؛ مما يخلق جوًّا من المشاركة والفواصل الإنسانية بين الأب وأبنائه ونوعًا من الحوار المتصل بينهم، مع عدم فرض الرأي وأن يتمَّ ذلك بشكل حيادي وديمقراطي من الآباء، والحوار المثمر والبناء بين الآباء والأبناء على درجة كبيرة من الأهمية؛ إذ ينمِّي فيهم تكوين الآراء والقدرة على الحوار والشجاعة في عرض الأفكار؛ حيث يعدُّ سلوك الأبناء داخل البيت تجربةً لهم؛ لما يمكن أن يتبعوه في التعامل مع المجتمع الخارجي.
* برنامجكم يجعل المعرض فرصةً للتواصل بين أفراد الأسرة؟
** نعم، وفرصة طيبة للغاية، وإن كان البعض يعترض على من يتخذ زيارة المعرض كأنها رحلةً ترفيهيةً، فما العيب في ذلك؟ فما أجمل أن تكون الرحلة بين الكتب ومصادر العلم والمعرفة بدلاً من أن تكون في مكان آخر! وقد تكون نقطة البداية لأسرة تحب القراءة وتعتادها بعد ذلك.
وتعد زيارة المعرض من أروع الفرص لزيادة التواصل بين الزوجين من ناحية وبينهما وبين الأبناء من ناحية أخرى، فمع الانشغال الدائم لكل منهم وقلة التواصل بينهم؛ أصبح من النادر أن يجتمع أفراد الأسرة على شيء ما، فقد تكون تلك الأيام مناسبةً لإعادة التواصل الأسري وتجديد العلاقة بينهم.
