- الأسعار تحلق في سماء مصر.. وتوقعات بطفرات قادمة

- المواطنون يعزفون عن العصائر والحلوى ويكتفون بالشاي

- أصحاب المخبوزات يهددون برفع الأسعار وتسريح العمالة

- الخبراء: الحكومة لن تضبط الأسواق والأزمة مستمرة

 

تحقيق- صالح الدمرداش والزهراء عامر:

واصلت أسعار السكر في مصر ارتفاعاتها الجنونية، حيث قفزت أسعار كيلو السكر الواحد من أربعة جنيهات إلى أربعة جنيهات ونصف ثم خمسة جنيهات فخمسة جنيهات ونصف، حتى وصلت إلى 6 جنيهات، وسط توقعات بارتفاعات جديدة في الأسعار.

 

وعزفت العديد من الأسر المصرية عن صناعة الحلوى في البيوت والحد من المأكولات والمشروبات التي تتطلب كميات كبيرة من السكر، فيما طلبت غرفة القاهرة التجارية من مصانع الحلويات بوقف تصنيع حلوى المولد النبوي الشريف لتوفير الكميات المستهلكة من السكر أو الحد من تصنيعها.

 

وتوقع الخبراء استمرار ارتفاع أسعاره بشكلٍ كبيرٍ خلال الفترة القادمة، مؤكدين أن السبب في ارتفاع أسعاره يكمن في سببين أولهما: ارتفاع أسعاره عالميًّا، والسبب الثاني نتيجة نقص محصول البرازيل والهند، والتي تعتمد عليهما مصر في الاستيراد بصفة رئيسية، وبالتالي انخفضت الكميات الموجودة في الأسواق.

 

وتفاقمت مشكلة السكر في مصر نتيجة أن 55% من استهلاكنا للسكر نعتمد عليها من الاستيراد وليس الإنتاج المحلي، وهو ما يعتبر المشكلة الرئيسية، إضافةً إلى أنه غير متوافر في الأسواق نتيجة أن التجار ممتنعون عن البيع لتوقعهم ارتفاع أسعاره خلال الفترة القادمة، ومن المعروف أن إنتاج مصر من السكر يبلغ 1.1 مليون طن سنويًّا ويتم استيراد نحو مليون طن أخرى لسد العجز بين الإنتاج والاستهلاك.

 

(إخوان أون لاين) قام بجولة ميدانية ليعرف كيف تعامل المواطنون وأصحاب المحلات مع ارتفاع أسعار السكر؟ وما رأي الخبراء والمتخصصين في ذلك؟ نعرضها في سطور التحقيق التالي:

 

أم حبيبة "ربة منزل" قامت بترشيد استهلاكها والاستغناء عن صنع الحلوى لأولادها حتى يكفي السكر المدعم رغم أن به شوائب لتوازن بين الإنفاق والاستهلاك، حتى وإن كان ذلك سيجعل أولادها يشعرون بالحرمان.

 

وتقول السيدة سهير "موظفة" إنها حاليًّا تطبق نظرية "الأهم ثم المهم"، والأهم هو توفير الطعام الأساسي للمنزل الذي لا يدخل فيه صناعة السكر، وتكتفي فقط بمشروب "الشاي" والاستغناء عن العصائر لحين انتهاء الأزمة.

 

ويضيف محمد سالم "عامل" أنه أصبح لا يستطيع أن يوفر لأولاده متطلباتهم الأساسية؛ لأنه أصبح لا يعلم ما هو الأهم ليشتريه ويترك المهم الآخر فكل متطلبات الحياة مهمة، مضيفًا: "كل شيء يرتفع سعره إلا البني آدم هو اللي بيرخص".

 

وتقول سوسن خالد "مهندسة": إن أولادها لا يستطيعون الاستغناء عن الحلوى فاضطرت إلى الاستدانة الشهرية لشراء الحلوى لأولادها وتوفير المتطلبات والضروريات الأساسية للمنزل.

 

وتشترك فاتن محمود موظفة بوزارة التضامن في جمعية شهرية مع زملائها الموظفين بمبلغ 20 جنيهًا للفرد شهريًّا يشترك فيها 5 آلاف موظف ويأخذون نصف الجمعية أموالاً والنصف الآخر سلعًا استهلاكية لتخزينها في المنزل.

 

محلات الحلوى

وعلى صعيد أصحاب المحلات والمخابز الذين يقومون بشراء السكر الحر لعمل الحلويات والمخبوزات، والذين أجمعوا على أنهم يفقدون أموالاً كثيرة من هامش ربحهم بسبب الزيادة المبالغ فيها، مهددين برفع أسعار الحلوى إن لم تضع الحكومة حدًّا لارتفاع أسعار السكر.

 

 الصورة غير متاحة

الحكومة وقفت عاجزة أمام منع ارتفاع أسعار السكر والسلع الغذائية

يؤكد الحاج خميس صاحب "مخبر السلسلة" أنه يفقد من هامش الربح اليومي مبلغ خمسين جنيهًا؛ نظرًا لارتفاع أسعار السكر، حيث إنه يقوم بشراء السكر بسعر الجملة الذي يتراوح ما بين 4.50 و4.75 جنيهات للكيلو بعد أن كان يشتريه بسعر 3 جنيهات، مشيرًا إلى أنه يستهلك أكثر من 60 كيلو سكر يوميًّا، وفي حالة استمرار الزيادة سيقوم برفع أسعار المخبوزات؛ لأن الربح الذي يحققه لا يكفي لشراء مستلزمات جديدة ودفع أجور العمال.

 

ويتساءل الحاج عبد الحليم علي صاحب "مخبز المبتديان" عن الإجراءات الحكومية منذ بدء الأزمة للحد من ارتفاع الأسعار؟!، حتى أصبح لا يثق في هذه الحكومة ولا يعرف ماذا يفعل في خسارته اليومية التي تصل 100 جنيه والأسعار ثابتة.

 

تراجع الشراء

ويقول مصطفى صاحب محل سوبر ماركت: إن هناك تفاوتًا في أسعار السكر، ويكون ذلك حسب الشركة المنتجة ويتراوح التفاوت ما بين 4.75 و4.50 مثل سكر "توشكا" الذي يشتريه المستهلك بـ5 جنيهات، موضحًا أن هناك ركودًا في حركة البيع ولا يوجد إقبال من المواطنين عليه، مؤكدًا أن التجار أخبروهم بزيادة سعر السكر في الأيام المقبلة ليصل إلى 5.5 جنيهات ويباع للمستهلك 6 جنيهات.

 

وتشير صابرين عبد السلام صاحبة سوبر ماركت إلى أن التجار يقومون بتخزين السكر بسعره الحالي ليتم "تعطيش السوق من السكر" ليرتفع سعره ويستفيدوا من فرق السعر، حتى أصبح سعر "البكتة" 43.5 جنيه ويتم بيعها للمستهلك بـ45 جنيهًا ولا تكسب الفتات في سبيل البيع.

 

ويقول محمود صاحب شركة أمن غذائي: إن الفروق الطبقية التي أصبحت سمة المجتمع صلت إلى السكر فيوجد الآن سكر الطبقة المتوسطة مثل سكر شهد الذي يباع بسعر 4.75 للمواطن العادي وسكر ضحى الذي يُباع 5.25 للطبقة الرفيعة؛ لأنها تريد زيادة نقاء.

 

الخبراء يحللون

يوضح الدكتور حسين شلبي أستاذ الاقتصاد الزراعي أن السكر التمويني لا يلبي سوى نصف احتياجات الأسر الذين لديهم بطاقات تموينية، مرجعًا ذلك إلى أن السكر المدعم سكر من الدرجة الثانية أو الثالثة من منتجات قصب السكر، ويختلف كليًّا عن السكر الحر لأن نسبة تكريره ضعيفة جدًّا، ولهذا لا يعطي النتيجة المطلوبة، بالإضافة إلى احتوائه على شوائب، موضحًا أن الحكومة لا تدعم إلا الحد الأدنى للسكر بسبب الضغوط الاقتصادية عليها.

 

ويدين معدومي الذمة الذين يستغلون أية أزمة اقتصادية في مصر لاستغلال نفوذهم لتحقيق أكبر ربح ممكن على حساب المواطنين، مؤكدًا أنه لو كانت مصر دولة منتجة وليست مستهلكة لحققت عائدًا اقتصاديًّا كبيرًا، ومن خلاله تستطيع أن تحكم في الأزمات وتخضع للسوق وتقلباته.

 

موجات موسمية

ويؤكد طارق توفيق رئيس غرفة الصناعات الغذائية أن مصر منذ فترة كبيرة تعتمد على استيراد السكر لسد العجز في الاستهلاك، موضحًا أن الكمية المستوردة لا تسد العجز، فالأمر الآن يحتاج للنظر إلى خطة إستراتيجية لزيادة الإنتاج.

 

ويقول: إن أسعار السلع الغذائية تخضع لموجات موسمية، مشيرًا إلى أن تلف محصول الهند من السكر ساهم بشكل كبير في ارتفاع الأسعار العالمية.

 

أما شريف المغربي رئيس المجلس التصديري للحاصلات الزراعية فيؤكد أن ارتفاع أسعار السكر نتيجة تغير خارطة استهلاك السكر عالميًّا، معتبرًا أن الحل ليس في تحقيق اكتفاء ذاتي، ولكن في ترشيد استهلاك السكر وتقليل تناوله واستخدامه، وأن ما يحدث في السوق المصري ما هو إلا إهدار وإسراف في عملية استهلاكه.

 

ويتوقع الدكتور مختار خطاب رئيس شركة الدلتا للسكر أن تستمر الأزمة الحالية لمدة عامين، معتبرًا أن الأسعار يتحكم فيها عاملان أساسيان هما تكلفة الإنتاج المحلي والأسعار العالمية.

 

التدخل الحكومي

 الصورة غير متاحة

ارتفاع أسعار السكر بشكل جنوني

ويوضح علاء البهي رئيس شعبة السكر أن مشكلة السكر في مصر ليست في أعداد المصانع، ولكن في وجود مساحات مزروعة تساعد على الوفاء باحتياجات الزيادة السكانية.

 

وقال إن الشركات هي السبب الرئيسي وراء الارتفاعات في أسعار السكر بالسوق المحلية، وأن هناك توقعات بزيادة الأسعار؛ لذا يجب تدخل وزارة التجارة والصناعة لمنع أي زيادات جديدة من قبل الشركات، وأنه لا يمكن للتاجر زيادة الأسعار إلا إذا حدثت زيادة من قبل الشركات أولاً، وأن حجة الشركات بأن التجار حصلوا على المخزون لديهم لتخزينه لا أساسَ له من الصحة، خاصةً أن التجار غير قادرين على شراء وتخزين الكميات التي لدى الشركات، وهذا كله مجرد حجج لزيادة الأسعار.

 

وكشف رئيس شعبة صناعة المشروبات في اتحاد الصناعات حمدي عبد الرءوف أن شركات صناعة السكر امتنعت عن توريد السكر للمصانع بالأسعار المتفق عليها. وقال إن معظم المصانع كانت قد أحجمت عن الشراء من الشركة الحكومية بسبب انخفاض مستوى الجودة ووجود أتربة وبرادة حديد في بعض الكميات الموردة، وأضاف أن جميع شركات المشروبات ستضطر إلى زيادة أسعارها حسب تكلفة استخدام السكر لديها.

 

كما توقع عبد الحميد سلامة رئيس مجلس إدارة شركة الدلتا للسكر أن تحدث ارتفاعات في الأسعار بالسوق المحلية، متوقعًا أن تؤدي إلى أزمة عارمة خلال الفترة المقبلة، محذرًا من أن تلك الارتفاعات وهمية في كثير من الأحيان من قِبل التجار، نتيجة قيامهم بشراء كل الكميات المخزونة بالشركات لتخزينها بمخازنهم بهدف زيادة الأسعار خلال الفترة المقبلة؛ وذلك بعد إحداث نقص في الكميات المطروحة من السكر في الأسواق؛ مما يؤدي إلى التحكم في الكميات التي يتم طرحها، وبالأسعار التي يتم الاتفاق عليها بين التجار أو حتى الشركات.

 

تحديات الصناعة

تقول الدكتورة عطيات السعيد أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة القاهرة: إن صناعة السكر تواجه تحديات ضخمة، فتكلفة إنتاج السكر من القصب والبنجر تبلغ 2300 جنيه لكل طن على حد سواء، أما تكلفة المستورد فتبلغ نحو 3200 جنيه لكل طن أي بفارق ألف جنيه بالنسبة للمنتج المحلي.

 

وتضيف أن مصانع إنتاج السكر لا تصلح لسد الفجوة القائمة؛ حيث إن السكر الخام يرتفع سعره مع ارتفاع أسعار السكر الأبيض، وبالتالي فلا مناص من إنشاء مصانع جديدة تعمل على سد الفجوة بين الاستيراد والإنتاج المحلي.

 

وتشير إلى أن مصر تحتاج إلى ما لا يقل عن ثمانية مصانع أخرى لإنتاج السكر من البنجر تعمل بطاقة 125 ألف طن سكر سنويًّا، ويتكلف إنشاء الخط الواحد نحو 750 مليون جنيه أي تبلغ تكلفة الخطوط الثمانية نحو 6 مليارات جنيه.

 

وتوضح أن هذا الحل هو الحل الأمثل للتخلص من مشاكل القطاع وتجنب تقلبات الأسعار التي نواجهها السوق من كل حدث موسمي، معتبرةً أن هذا ليس صعبًا خصوصًا أن الدولة تتحمل سنويًّا نحو مليار جنيه كفرق أسعار بين الإنتاج والاستهلاك التي تقدر بمليون طن سكر وزيادة في سعر السكر المستورد نحو ألف جنيه، وبالتالي فإن زيادة الإنتاج المحلي هو المفتاح للتغلب على جميع معوقات القطاع.

 

وتضيف أن ما حدث مؤخرًا كان أمرًا متوقعًا مع انخفاض المخزون العالمي من السكر بعد التزام أوروبا برفع الدعم عن إنتاجها وزيادة استهلاك السكر في الصيف واستخدامه كبديلٍ للطاقة من خلال زيادة الطلب على الإيثانول كبديلٍ عن الجازولين، وقد أثَّرت هذه التطورات بنقص إلى نحو مليوني طن من الإنتاج، بالإضافة إلى العوامل الموسمية التي ضربت الهند وأدَّت إلى خفض إنتاجها من السكر.

 

وفي ذات السياق يؤكد الدكتور محمد سالم مشعل أن الاستيراد لا بد أن يتوقف وضرورة أن نعتمد على أنفسنا في إنتاج السكر، مشيرًا إلى أهمية دور لجنة تطوير صناعة السكر خلال الفترة المقبلة؛ وذلك من خلال دراسة التوسع في زراعة البنجر من أجل تحقيق الاكتفاء الذاتي وتوفير كميات إضافية للتصدير؛ وذلك في ضوء صعوبة زيادة المساحة المحصولية لمحصول قصب السكر.

 

الاكتفاء الذاتي

ويرى الدكتور محمد فتحي النواوي الأمين العام لجمعية حماية المستهلك بالمنوفية أنه لا يوجد اكتفاء ذاتي لإنتاج السكر منذ أن استغنت مصر وهاجمت مزارعي قصب السكر لتوفير المياه؛ مما أدَّى إلى تقلص الكمية المنتجة من السكر سنويًّا، ولهذا لجأت إلى زراعة البنجر لأنه لا يحتاج إلى كميات كبيرة من المياه، ولكنها اصطدمت بالواقع، وهو زيادة الاستهلاك وقلة الإنتاج.

 

ويشير إلى أن هناك مبالغة في ارتفاع أسعار السكر الحر؛ مما أدَّى إلى تضارب وتفاوت أسعاره بين شركات السكر المختلفة في الفترة الذي استقر فيها السعر عالميًّا، موضحًا أن الحكومة فهمت مفهوم الاقتصاد والسوق الحر مفهومًا خاطئًا لإدارة التجارة الداخلية، وهو ترك المستهلك فريسة للاحتكار، بحجة إتاحة الفرصة للمستهلك لاختيار السلع التي يحتاجها وبالأسعار التي تناسبه دون تدخلها بصورة جبرية أو تخطيط شرائي.

 

 الصورة غير متاحة

 محمود العسقلاني

ويلقي النواوي المسئولية الكاملة على الحكومة لتخليها عن دورها في ضبط الأسواق بوضع تخطيط وضوابط لأسعار السلع الاستهلاكية بدءًا من السعر، وتكلفة المنتج إلى تحديد هامش ربح محدود للاجر.

 

ويدين الجهات الجمركية في حالة تهريب السكر إلى الخارج مصر كما يتوقع البعض لاستفادة التجار من فروق الأسعار، خاصةً إلى كلٍّ من "لبيبا وفلسطين وتشاد"؛ لأن هذا يعتبر اختراقًا لأمن الدولة، ويعمل على تفاقم الأزمة أكثر وأكثر.

 

ترشيد الاستهلاك

ويتهم محمود العسقلاني مؤسس حركة "مواطنون ضد الغلاء" الحكومةَ بالتواطؤ مع عصابات الاحتكار بقيام الشركات الحكومة، وعلى رأسها شركتَا "النوبارية، والدلتا" ببيع إنتاجها للشركات الخاصة مثل شركة "صافولا"، بجانب تعارض مواقف وزير الاستثمار الذي أعلن عن عزمهم لاستيراد السكر لحل الأزمة مع وزير التجارة الأول الذي أعطى الأوامر ببيع مخزون السكر للتجار.

 

وتساءل العسقلاني: هل حكومة نظيف التي تدير البلد حكومة واحدة أم عدة حكومات كل منهم له سياسته المستقلة؟! تلك الحكومة التي أقسمت أن تراعي مصالح الشعب والتحكم في أسعار السلع جزء من مصلحه هذا الشعب.