إن رسالة الإسلام لها ثوابت وأصول متفق عليها، تشكِّل إجماع الأمة والسلف الصالح، وبالتالي ليست فهمًا عند فصيل، يتغير عند فصيل آخر، وإذا دعا بها أحد فهو ليس يدعو بفهم يختلف معه فيه، وإنما يدعو للإسلام وثوابته؛ فشمولية الإسلام لتنظيم أمور الحياة، وأنه دين ودولة، وحرصه على وحدة الأمة الإسلامية، وضرورة تطبيق أحكامه وشريعته، وأنه الرسالة الخاتمة من الله للبشرية جمعاء، وأن كتاب الله القرآن الكريم نتعبد به ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.. إلخ؛ هي ثوابت لكل مسلم وكل فصيل إسلامي.
والمرجعية الأساسية للشريعة الإسلامية، بإجماع فقهاء المسلمين؛ قاصرة على مصدريها الأصليين وهما: القرآن الكريم، والسنة النبوية الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم- قولية وفعلية- وهي مبينة للقرآن ومفصلة لأحكامه.
وباستقراء نصوص القرآن والسنة النبوية، يتأكد أن الشريعة الإٍسلامية شريعة شاملة، تتناول بالتنظيم والتوجيه أمور الدين وأمور الدنيا معًا.
وهي بحسب المسائل التي تنظمها، أشار العلماء إلى أنها تتنوع إلى ثلاثة أنواع:
النوع الأول: نصوص تنظم أمورًا ثابتة، لا تتأثر باختلاف الأزمنة والأمكنة والبيئات، فجاءت مفصلة تفصيلاً دقيقًا، وهي الأمور الخاصة بالعقائد والشعائر والعبادات، وهي تطبق كما وردت بلا اجتهاد ولا زيادة، ولا نقصان.
النوع الثاني: نصوص تنظم أمورًا تتأثر بالمتغيرات تأثرًا قليلاً، فجاءت قواعده جامعة بين المبادئ العامة والتفاصيل الضرورية كمسائل الأحوال الشخصية والأسس الاجتماعية والأخلاقية، والقواعد التي يقوم عليها بناء المجتمع المسلم، ولا قيام له بدونها، وإذا فقدها فقد صبغته المميزة كمجتمع إسلامي.
النوع الثالث: نصوص تنظِّم العلاقات المدنية الحياتية الدنيوية بكل أنواعها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بين الأفراد وبعضهم وبينهم وبين الدولة.. إلخ.
وهذه المسائل هي التي تتأثر بظروف الزمان، وفي هذا النوع اكتفت الشريعة بوضع المقاصد العامة والأصول الكلية والمبادئ والأهداف المرنة التي تستجيب عند التطبيق للمتغيرات، وتركت الكثير من التفاصيل للاجتهاد البشري في نطاق المبادئ العامة والأصول الكلية؛ وذلك لمن تتوافر فيه شروط الاجتهاد مع الالتزام بوسائله الأصولية والفقهية.
ومن حيث النصوص، فهي تتنوع إلى:
أ- نصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة، وهذه لا مجال للاجتهاد فيها.
ب- ونصوص ظنية الثبوت أو ظنية الدلالة (وتشمل داخلها أيضًا قطعية الثبوت ظنية الدلالة)؛ وهي التي تحتمل وجوهًا عدة، وهي المجال الأوسع للاجتهاد وتعدد الآراء الفقهية فيها.
وظنّي الثبوت يكون في الأحاديث النبوية، حسب قوة السند وترجيح حديث على آخر، وكذلك في ظني الدلالة، تُفهم الأحاديث والآيات في إطار قواعد اللغة العربية، وفي الإطار العام لرسالة الإسلام؛ حيث يختلف الفهم والتفسير لمدلول بعض الآيات والأحاديث من عالمٍ لآخر، وتكون هنا مساحة الاختلاف الفقهي والاجتهاد البشري وفق قواعد وأصول الاجتهاد.
وقد يحدث مصاحبًا لذلك القيام بالتحقيق العملي ومناقشة الأدلة للآراء المختلفة وترجيح رأي على آخر أو الخروج بالرأي الفقهي الراجح وفق تلك القواعد.
وهناك كذلك مساحة أيضًا للاجتهاد؛ وذلك في المسائل التي لم يرد فيها دليل شرعي معتبر الدلالة، فيكون الاجتهاد البشري الفقهي، لمواجهة المستجدات واستحداث القواعد والإرشادات والوسائل التي تخدم المقاصد الأساسية للشريعة من حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وكذلك من الاستفادة مما لدى الآخرين من حكمة في مجال تنظيم أمور الحياة؛ بحيث يستخلصها ويصبغها بالصبغة الإسلامية، وتكون خادمة ومعينة لتحقيق هذه المقاصد، وفي الإطار العام لرسالة الإسلام وصبغته للمجتمع.
وعن قيمة العقل والنظر البشري وحدود عمله؛ يقول الإمام البنا في الأصل الثامن عشر والتاسع عشر من أصول الفهم في رسالة التعاليم:
"الإسلام يحرر العقل، ويحث على النظر في الكون، ويرفع قدر العلم والعلماء، ويرحب بالصالح والنافع من كل شيء، والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها".
"والشرع مقدم على العقل مطلقًا، كما أنه لا يصطدم معه في الحقائق العلمية أبدًا، وقد يتناول كل من النظر الشرعي، والنظر العقلي ما لا يدخل في دائرة الآخر، ولكنهما لا يختلفان في القطعي، فلن تصطدم حقيقة علمية صحيحة، بقاعدة شرعية ثابتة، ويؤول الظني منهما ليتفق مع القطعي، فإن كانا ظنيين فالنظر الشرعي أولى بالاتباع حتى يثبت العقلي أو ينهار".
ويقول أيضًا حول الخلاف الفقهي في الآراء: "والخلاف الفقهي في الفروع لا يكون سببًا للتفرق في الدين، ولا يؤدي إلى خصومة ولا بغضاء، ولكل مجتهد أجره، ولا مانع من التحقيق العلمي النزيه في مسائل الخلاف في ظل الحب في الله والتعاون على الوصول إلى الحقيقة من غير أن يجر ذلك إلى المراء المذموم والتعصب" (الأصل الثامن من أصول ركن الفهم).
وتبين لنا من مطالعة آراء الفقهاء في توضيح أحكام الشريعة أن هناك هذه المساحة المتنوعة:
1- مساحة اتفق عليها الفقهاء بالإجماع، وهي الخاصة بثوابت الإسلام ومبادئه.
2- مساحة من الرأي الفقهي الشرعي اتفق عليها غالب العلماء، أو أن التحقيق العلمي بضوابط رجَّح رأيًّا بصورة قاطعة مثلما كان مذهب أهل السنة والجماعة في أمور العقيدة والعبادة، وكذلك مسألة وجوب نصب الحاكم أو الإمام؛ حيث اتفق عليها علماء الأمة من السلف والخلف، ولم يشذ عن ذلك إلا فرقة صغيرة من فرق الخوارج، ليس معها دليل شرعي أو أصل علمي.
وبالتالي يكون من شذَّ عن ذلك كان رأيه مرجوحًا خاطئًا مخالفًا لرأي الأمة، وإن كان لا يخرجه من دائرة الإسلام.
3- ثم هناك مساحة من الاختلاف الفقهي في فرعيات المسائل، أو في كيفية تطبيق بعض الأمور الواجبة، أو في إسقاط الحكم الثابت على واقع موجود.
وتتعدد بذلك آراء الفقهاء حسب اجتهادهم البشري في استنباط الأحكام، كما أشرنا إلى ذلك.
ولا يعتبر رأي أي شخص كأنه رأي فقهي أو مذهب معتبر، يُضاف لوعاء الاجتهاد الفقهي إلا وفق قواعد وأصول في استنباط الأحكام ووفق توفر شروط الاجتهاد لمن يقوم بذلك.
كما أنه لكل فرد أو تجمع ما، أن يتبنى مذهبًا أو اختيارًا فقهيًّا من هذه الاختيارات والآراء الفقهية، فهو يلتزم بالاختيار الفقهي الذي رجح لديه هو، ولا يشترط أو يكون في فهمه أن يلغي رأي الفقهاء الآخرين، أو أن يتخلى عن اختياره الفقهي ما دام أنه معتبر بدليل شرعي لديه؛ لأن هناك من اختار رأيًا آخر.
يقول الإمام البنا مستكملاً توضيح هذا الجانب: "وكل مسلم لم يبلغ درجة النظر في أدلة الأحكام الفرعية أن يتبع إمامًا من أئمة الدين، ويحسن به مع هذا الاتباع أن يجتهد ما استطاع في تعرف أدلة إمامه، وأن يتقبل كل إرشاد مصحوب بالدليل متى صح عنده صدق من أرشده وكفايته، وأن يستكمل نقصه العلمي إن كان من أهل العلم حتى يبلغ درجة النظر". (الأصل السابع من أصول الفهم– رسالة التعاليم).
ويبقى الأمر كذلك في هذه المسائل الفرعية إلى أن يكون هناك توافق بقيام التحقيق العلمي من العلماء للترجيح بين الأقوال الفقهية، وفق قواعد الاجتهاد وأصول التحقيق العلمي للخروج بالرأي الراجح، وبالتالي تكون الآراء الأخرى مرجوحة ولكنها غير ملغاة، أو غير معتبره فقهيًّا.
وكذلك للإمام- أي الحاكم- المعتبر شرعًا والحائز على القدرة على النظر الشرعي في المسائل الفقهية (أو من خلال المؤسسة المؤهلة لذلك في المجتمع) أن يأخذ اختيارًا فقهيًّا، ويلزم المجتمع به؛ وذلك في أمور عملية يلزم فيها الاجتماع، منعًا للاختلاف، وتحقيقًا لوحدة الأمة؛ لكن مع بقاء باقي الآراء الفقهية الأخرى ضمن الرؤية والطرح، ويكون هذا اختيارًا فقهيًّا وليس إلغاءً لباقي الآراء.
أما في باقي الأمور التي لا يلزم فيها اجتماع الأمة في ممارستها، فلكل أن يأخذ بالرأي الفقهي المعتبر شرعًا مع اجتهاده في التعرف على الدليل الشرعي له إذا كان هذا ممكنًا عنده، فهذا حق شخصي له.
وقد منع الإمام مالك الخليفة أبو جعفر المنصور عندما أراد أن يفرض مذهب الإمام مالك على الأمة كلها.
قد يحدث أن يخلط الإنسان في فهمه بين ربانية الدعوة، وجهده البشري، ويسحب ذلك على نفسه كبشر يصيب ويخطئ.
فالربانية بالدعوة في المنطلق والغاية، وفي الأصول والقواعد، وفي رعاية الله لها وتأييده للدعوة، أما الإنسان الذي يحمل الدعوة، فهو يجتهد في أن يتمثل هذه القواعد والمبادئ، ويسعى لتحقيق الهدف والغاية الربانية.
وهذا الاجتهاد ليس له قداسة، فهو اجتهاد بشري قابل للخطأ، وقابل للمراجعة والتعديل والتطوير، ويحتاج إلى النصيحة فيه دائمًا.
وبمقدار التزامه بهذه الأصول، وبتلك الدعوة الربانية، وحمله لها بمقدار تحقيقه لرضا الله وتوفيقه له، طمعًا ورجاءً في ثوابه وخوفًا من عقابه.
وكل المسلمين- وليس هو فقط- مطالب بهذا الأمر، وهذا يفرض عليه أن يكون على مستوى عالٍ من السمو في الأخلاق والسلوك بما يتناسب مع سمو الدعوة وربانيتها.
وهذا الأصل في الدعوة يستمد إطاره من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وليس من أفكار ورؤية أحد، فالمفروض أن الجميع ينتسب إليها ويسعى لحملها وتطبيقها في نفسه وأسرته ومجتمعه وأمته.
ثم هناك مساحة أخرى تمثل اجتهاد الجماعة واختيارها الفقهي الراجح لديها وفق الأدلة والأسانيد في كيفية حمل هذه الدعوة والطريق الذي تسلكه وفقًا لما رجح لديها، بعد التمحيص والدراسة من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بهذا يمثِّل ثوابتها وصفة لازمة للجماعة التي تحمل الدعوة، وهي تخص به نفسها، ولا تلزم الآخرين به، وتعتبره من ثوابتها ورؤيتها وقناعتها بصوابه، ولها بهذا أن تدعو الآخرين إليه وتناقشهم، فمن استجاب عن فهم واقتناع كان معهم، ومن رفض فلكل الحق والحرية أن يختار ما يشاء مَن طرق ووسائل في مجال الدعوة.
مختصر القول: إن الاجتهاد البشري في هذا المجال يشمل: اجتهاد التطبيق للقواعد الأصول، واجتهاد الاختيار الفقهي في الفروع، واجتهاد الوسائل والبرامج في الحركة والمواقف.
وبالتالي نقول: والأصول والأهداف والغايات ليست محل مراجعة فكرية، فهي من ثوابت الدعوة، وكذلك أيضًا ثوابت الجماعة واختيارها لمنهجها وطريقها وفق ما قامت به من دراسة وتحقيق شرعي، هو كذلك من الثوابت عندها، ويُشكِّل الإطار والمرجعية الحاكمة لديها، ولا محلَّ للمراجعة إلا إذا كانت تريد أن تتخلى عن منهجها وجماعتها، أو قدرت أن دراستها لم تكن كاملةً، وتبقى المراجعة تختص بالوسائل والأمور الفرعية التي تواجه بها الواقع المتغير، وبمدى الجهد البشري المبذول في الالتزام بهذه الأصول، وتلك الثوابت، وقد تأتي النصيحة في هذا الشأن من داخل الجماعة أو من خارجها.
فنطالب الآخر بألا ينصح على شرط الإجابة (كما قال ابن حزم)، وأن يكون موضوعيًّا في نصيحته ونقده، ونطالب الجماعة بأن تنظر في النصيحة على أي وجه جاءتها، فالحكمة ضالة المؤمن، طالما كانت في إطار المساحة القابلة للاجتهاد والمراجعة، وأما المراجعة الداخلية من الأفراد أو وحدات الجماعة في الوسائل والفروع والخطط والمناهج.. إلخ، فهي قائمة ومستمرة، وتشهد تطويرًا وتحسينًا، وتحدد لها الجماعة المسارات والمؤسسات والآلية المناسبة لإتمام ذلك، وهذا أمر لا يحتاج معه إلى وجود تحزب داخلي أو تيارات وأجنحة، فهم كصف الصلاة؛ كل فرد مسئول عن ردِّ الإمام إذا تجاوز وأخطأ ومسئول أيضًا عن استقامة الصف، وعن نفسه كذلك، وتتم هذه النصيحة في إطار الشورى والمؤسسية وآداب النصيحة وثوابت الجماعة ورسالتها.
بعد هذا التوضيح لتلك الأسس والقواعد، يتساءل بعض الناس: هل ما يطرحه الإخوان من دعوة ورسالة وأهداف هي فهمهم الخاص للإسلام، وبالتالي لأي فرد أو جماعة أخرى أن تفهم الإسلام بغير ذلك؟ أم أن هذا هو الإسلام، وبالتالي لا يجوز الاختلاف عنه؟
نقول: إن ما يطرحه الإخوان من رسالة وأهداف ومنهج لا بد أن نعرضه على قواعد الإسلام؛ حيث تشكل هذه القواعد المرجعية والميزان الضابط الحاكم، وبالتالي يتضح لنا أن هناك ثلاث مساحات فيما يعرضه الإخوان:
أ- مساحة الثوابت والأصول.
ب- مساحة الواجب والرأي الغالب المجمع عليه من أغلب الفقهاء.
ج- مساحة الاجتهاد البشري في الاختيار الفقهي والتطبيق البشري.
إن ما تدعو إليه جماعة الإخوان من رسالة الإسلام العامة وأصوله المتفق عليها من وجوب تطبيق أحكام الإسلام ووحدة الأمة الإسلامية والاستقامة على شرع الله، وأن الإسلام دين شامل يوجه مجالات الحياة المختلفة والأهداف الإسلامية الكبرى التي تعمل عليها؛ بدءًا من تربية الفرد المسلم حتى تحقيق أستاذية العالم للأمة الإسلامية، وكذلك التزامها بمنهج أهل السنة والجماعة في الاعتقاد، كل هذا يمثِّل دعوة القرآن ورسالة الإسلام وليس فهمًا خاصًّا بالإخوان أو اختيارًا فقهيًّا من الاختيارات.
ومن خالف ذلك الفهم، وخرج عن هذه الأصول يكون رأيه مرجوحًا وشاذًّا وخارجًا عن الأصول.
وفي هذا الإطار والمعنى نفهم قول الإمام البنا عن دعوة الإخوان: ".. نحن الإسلام أيها الناس، فمن فهمه على وجهه الصحيح فقد عرفنا"- أي حملة رسالة الإسلام-. (رسالة اجتماع رؤساء المناطق صـ52).
"أجل دعوتنا إسلامية بكل ما تحتمل الكلمة من معانٍ". (رسالة دعوتنا).
"فإذا سألتهم عن أصول هذا المنهاج النظرية ما هي؟ فإني أُجيبك في صراحة تامة: هي الأصول والقواعد التي جاء بها القرآن الكريم، فإذا قلت: وما وسائلهم وخطواتهم العملية؟ أقول لك في صراحة كذلك: هي الوسائل والخطوات التي أُثرت عن الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها". (رسالة هل نحن قوم عمليون).
وبالنسبة للمساحة الثالثة؛ فإن الإخوان في دعوتها ورسالتها لا تتبنى رأيًّا أو مذهبًا فقهيًّا معينًا، وإنما هي تتوجه للأصول والثوابت، وما اتفق عليه غالب علماء الأمة في جوانب الدعوة والإصلاح؛ وذلك لتكون عامل وحدة للمسلمين وتجمعهم على أصل الدعوة للإسلام، وليس على الاختلاف في فرعية من الفرعيات.
يقول الإمام الشهيد مشيرًا إلى ذلك: "فاعلم- فقهَّك الله- أولاً أن دعوة الإخوان المسلمين دعوة عامة لا تنتسب إلى طائفة خاصة ولا تنحاز إلى رأي عُرِفَ عند الناس بلونٍ خاص ومستلزمات وتوابع خاصة، وهي تتوجه إلى صميم الدين ولبه" (رسالة دعوتنا).
وإذا كان للجماعة في بعض المواقف أو الأمور أن تختار رأيًا فقهيًّا من الآراء المطروحة وفق ميزان الترجيح عندها، فهي تلزم بذلك أفراد الجماعة؛ حيث يمثل ذلك تصورها؛ لكن لا تشترط إلزام الآخرين به أو إلغاء آرائهم أو عدم الاختلاف معها بشأنه.
وكذلك في مساحة التصور العملي لخطوات الإصلاح والمنهج الذي تضعه لتحقيق الأهداف، فهذه كلها من واقع الاجتهاد البشري الذي ينطلق عن فهمه لمبادئ الإسلام، وهو أمر يقبل التطوير في البرامج والوسائل (وليس الأهداف والمنطلقات)، ويجوز للآخرين الاختلاف معه، والجماعة تطور نفسها وتراجع خطواتها دومًا في هذا الشأن وتستفيد من كل جديد، ولها الحق أن تختار لنفسها ما تراه مناسبًا في هذا الشأن.
ودعوة الإخوان، كما أشار الإمام الشهيد، من خصائصها وسماتها أنها دعوة ربانية، وإنسانية، عالمية.. (راجع رسالة دعوتنا في طور جديد صـ226).
فالربانية: تعني أن منهجها وأهدافها ومبادئها مستمدة من دعوة الله رب العالمين، ومن رسالة الإسلام الخالدة، وأن هذا هو المرجعية والأصل لها، مع دوام الصلة بالله، والأمل والرجاء في تأييده لها، والسعي لنيل رضا الله.
والإنسانية: تشير إلى أنها جهد بشري يجتهد للالتزام بتعاليم الإسلام وحمل دعوته للعالم كله، فإن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر المجتهدين ما دام التزم بالأصول والثوابت.
ونذكر هنا كمثال: بالنسبة لتوضيح رأي الجماعة في مسألة الولاية العامة ورئاسة الدولة وعدم جوازها لغير المسلم أو للمرأة؛ فإن علماء الأمة وسلفها أجمعوا على اشترط الإسلام للإمامة والولاية العامة، وكذلك شرط الذكورة.
والاختلاف هنا الذي استحدثه بعض العلماء المعاصرين ليس في هذا الأصل، وإنما في التطبيق على الواقع، هل الدولة القائمة بمفهومها العصري الآن يمثل فيها رئيس الدولة الولاية العامة والإمامة المقصودة، حتى نطبق عليها هذا الشرط الرئيسي أم هي غير ذلك؟ وكذلك ذهب البعض القليل إلى قصر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في منع ولاية المرأة على الإمامة الكبرى؛ أي الخليفة فقط، وليس الولاية العامة.
والرأي الراجح عند الإخوان- وهذا حق لهم كاختيار فقهي ذهب إليه أغلب علماء الأمة- عدم جواز الولاية العامة (أي رئاسة الدولة) لغير المسلم أو للمرأة، وأن منصب رئيس الدولة في الحكومة الإسلامية التي تُقيم شرع الله، يمثل ولايةً عامةً، وله نفس اختصاصات الإمام من السلطة، ومهمة حراسة الدين وسياسة الدنيا، وبالتالي ينطبق عليه هذا الحكم الفقهي.
وهو يمثل بذلك الرأي الراجح عندها والاختيار الفقهي الذي يلزم أفرادها، مع حرية كل مَن هو خارج الجماعة أن يقتنع بذلك، أو يتبنى رأيًا فقهيًّا آخر؛ حتى ولو كان مرجوحًا ومخالفًا لما تراه.
وبهذه المناسبة نشير إلى أن الخليفة والإمام في تاريخ الأمة الإسلامية (الخلفاء الراشدون)، لم يكن ذا سلطة فردية مطلقة أو لا يوجد معه أي مؤسسة تحاسبه وتراقبه، فيحتج بذلك بعض العلماء الذين ذهبوا للرأي الآخر.. إن واقع التاريخ يذكر أن الدولة في الإسلام تقوم على مؤسسات، فمؤسسة أهل الحل والعقد كانت قائمةً بدورها طوال عهد الخلفاء الراشدين، وتكلم عنها الفقهاء بعد ذلك وحددوا اختصاصاتها وشروط عضويتها، وتركوا للأمة الاجتهاد في كيفية تشكيلها.
والمؤسسة التنفيذية "أولي الأمر" في الدولة ليست فردًا واحدًا، وقد أشار لذلك القرآن بتعبير أولي الأمر بصيغة الجمع.
وكذلك آلية "الشورى" من أركان الحكم الإسلامي ولها ضوابطها، وترك للأمة تحديد كيفية التنفيذ لهذا المبدأ.
هذه بعض الأمور دون الخوض في التفصيل الفقهي، أردنا أن نلفت النظر إليها حتى لا تختلط الضوابط والموازين، وتتضح الرؤية لبعض جوانب الدعوة ومواقفها.
والله الموفق، وهو الهادي لسواء السبيل.
---------
* عضو مكتب الإرشاد.