استطاع الإمام البنا عبر سعيه الحثيث وعمله الدءوب وجهده المتواصل أن يؤسس لعمل إسلامي، بدت بصماته وبانت تأثيراته على كل فعاليات التيار الإسلامي منذ عام 1928م وحتى الآن؛ بحيث يصعب نكرانه أو تجاوزه- رحمه الله- حتى من قِبل أولئك الذين يقفون في الاتجاه المعاكس من المشروع الإسلامي.

 

ذلك المشروع الذي أراد له الإمام البنا أن يتسم بكل الصفات التي تجعله قادرًا على الوفاء بالاحتياجات المعاصرة، وتلبية طموحات وتطلعات أبناء الأمة ومتمكنًا من الوقوف في وجه التحديات- وما أكثرها-.

 

ويعتبر الإمام البنا- بحق- داعية عصره ورجل مصره، يقول عنه الأستاذ سيد قطب- رحمه الله-: (لا يعرف حسن البنا من لم يعرف مصر قبل حسن البنا وبعده أنه عاش حياة قصيرة، ولكنها شامخة مليئة بجلائل الأعمال لما كان يتمتع به من الشمائل التي حباه الله إياها، وقلما تجتمع في رجل واحد، فهو القائد والجندي والمخطط والمنفذ والعالم وطالب العلم والمعرفة، وهو الخطيب الأديب وهو المجاهد والشهيد، عرف زمانه فاستقامت طريقته، فكان ربانيًّا في سائر أحواله).

 

ويهمنا في هذه المناسبة أن نذكر بعضًا من المواقف واللمحات الخاطفة، نستخلصها من سيرته الثرية ومسيرته الميمونة مع الدعوة التي أضاء نورها في عام 1928م وحتى لقي ربه شهيدًا في عام 1949م.

 

1- احتاج الإخوان إلى دار فسيحة، بعدما ضاقت دار المركز العام للإخوان المسلمين بالحلمية الجديدة بالقاهرة، ووقع اختيارهم على فيلا كبيرة تُقابل مركزهم العام، وبعد حيرة خاطفة في تدبير المبلغ المطلوب وهو عشرة آلاف جنيه، أمكن بفضل الله جمعه من جيوب الإخوان على مدى ثلاثة شهور، كما أمكن تأثيثها بالمناسب من الأثاث.

 

ودائمًا ما يلفت نظر الإعلام، وكل من يرصد أمور الإخوان وتصرفاتهم وخاصة ما يتعلق بالأموال والإنفاق على متطلبات الدعوة سواء في الماضي أو الحاضر.. ثم يكون الجواب الشافي الحقيقي، أن كل ذلك من جيوب الإخوان، ففي الحديث لمجلة (مسامرات الجيب) مع فضيلة المرشد، بحسب رواية المرحوم الأستاذ عباس السيسي في كتابه (حسن البنا.. مواقف في الدعوة والتربية)؛ سأل مندوب المجلة فضيلته فقال: هل أنت غني؟ وكان جوابه- رحمه الله-: نعم أنا غني بهذه القلوب المؤمنة التي تحابت معي في الله، فقال مندوب المجلة: أقصد الناحية المادية، فقال فضيلته: نعم غني والحمد لله، فكل أموال الإخوان التي في جيوبهم ملك للدعوة.

 الصورة غير متاحة

 سيد نزيلي

 

وشبيه بذلك، ما أعلنه الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، عندما سُئل في إحدى القنوات الفضائية عن مصدر تمويل حفلات الإفطار التي ينظِّمها الإخوان في مواسم رمضان، فكانت إجابته الواضحة والصريحة.. "إن الإخوان ينفقون على متطلبات أنشطتهم من جيوبهم، ولا يدخل إليهم جنيه واحد من غير الإخوان ولا من الخارج".

 

2- ويوم تُوفي إلى رحمة الله والد أحد الإخوان الفضلاء في إحدى محافظات جنوب الصعيد، وكان على خلاف مع الإخوان منذ سنين، أسرع فضيلة المرشد مسافرًا من القاهرة إلى بلدته، وحين وصل استُقبل أحسن استقبال، وحين جاء وقت صلاة العصر توجه جموع المعزين إلى المسجد وبعد أداء الصلاة- طلب المصلون من فضيلته أن يلقي عليهم موعظة فوقف المرشد وشكرهم وقال: لقد جئت معزيًا ولم آت داعيًا، وكانت هذه الكلمات المخلصة الكبيرة المعنى هي أعظم دعوة.

 

3- وحين تقدَّم الإمام المؤسس إلى لجنة الامتحان الشفوي في مدرسة دار العلوم، وعندما جلس أمام اللجنة يسأله الممتحن: ماذا تحفظ من الشعر القديم؟

فأجاب: أحفظ المعلقات السبع.

قال: أسمعني معلقة طرفة بن العبد.

 

فأخذ البنا يقرأها في فصاحة وثبات، ولما تأكد الأستاذ الممتحن من جودة حفظه قال له: على رسلك، أريدك أن تختار بيتًا أعجبك من هذه القصيدة، فأطرق حسن البنا قليلاً، ثم قال:

إذا القوم قالوا من فتى خِلتُ أنني                     عُنيتُ فلم أقعد ولم أتبلَدِ

 

فما كان من الأستاذ الممتحن وزميله في لجنة الامتحان إلا أن أبديا إعجابهما، وتوقعا أنه سيكون له شأن كبير، ودور رائد في إحياء الأمة.

 

ولا شك أن الأستاذ البنا- رحمه الله- كان موهوبًا وملهمًا، كما ذكر الأستاذ عمر التلمساني رحمه الله، ولكن ألا يدعونا ذلك إلى أن يحاول كل من ينتمي إلى هذه الدعوة صغيرًا أو كبيرًا، أن يكون مهمومًا بها منشغلاً بتحقيق أهدافها، وأن تكون في بؤرة شعوره، وأن يعطيها أغلى ما عنده من فكر، وصحة، ومال، ووقت، وسعي، وحركة ونشاط، عند ذلك ستتحقق الآمال وتفتح الأبواب، ويعم الخير كل الناس، بل كل الأمة من أقصاها إلى أقضاها ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5)﴾ (الروم).

 

4- ويحكي الأستاذ عباس السيسي في كتابه السابق الإشارة إليه، أنه كثيرًا ما كان هذا الرجل القوي يبكي بدموع غزار، فقد استلم ذات يوم بدار الشهاب برقية من والد أحد الشهداء في فلسطين، ردًّا على برقية من فضيلة الأستاذ له، وكانت برقية والد الشهيد مؤثرة، فيها تضحية وفدائية واستبسال، بكى الأستاذ كثيرًا وبكى معه الحاضرون، وكانت لحظات من الحساسية المرهفة والشعور العميق الجياش.

 

ولا تعليق لي على هذه اللقطة المؤثرة والإشارة الموحية، إلا أن نتمثل هذه العاطفة في تعاملنا بعضنا مع بعض، وأن نحيط إخواننا وأحبابنا بشحنة غامرة من الحب والعطف والحنان، نحزن لحزنهم، ونفرح لفرحهم، ولا يكون ذلك في محيطنا الإخواني فحسب، بل نتوجه بالحب والعاطفة إلى الناس، كل الناس.

 

ونحقق المعنى الشامل لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".

 

5- وكان دائمًا يحافظ على جوهر الدعوة، ويربط الإخوان بالمبدأ والمنهاج، ويوحي دائمًا بالتعلق بالدعوة في شمولها واستيعابها لكل جوانب الحياة ويحذر من التعلق بالأشخاص- ولو كان شخصه هو- فالإخوان لا يقدسون الأشخاص.. وإن كان لهم الاحترام الكامل والتقدير والتوقير، إذ الحي لا تؤمن عليه الفتنة.

 

ويدعونا ذلك إلى ذكر حدثين في هذا الصدد:

الأول: في مؤتمر الطلاب للإخوان المسلمين بدار جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة 1938م، حين وقف الإمام يخطب، إذ تحمس أحد الإخوة من الطلاب فهتف بحياة حسن البنا- ومع أنه لم يردد الحاضرون هذا الهتاف- إلا أن فضيلته غضب، فقال: (أيها الإخوان إن اليوم الذي يُهتف في دعوتنا فيه بأشخاص لن يكون ولن يأتي أبدًا، إن دعوتنا إسلامية قامت على عقيدة التوحيد فلن تحيد عنها، أيها الإخوان لا تنسوا في غمرة الحماس الأصول التي آمنا بها- الرسول قدوتنا-).

 

الثاني: في حفل بمناسبة ذكرى الإسراء والمعراج، وحين جاء أحد المتكلمين في الحفل، وقد كان من المتحمسين لنشر دعوة الإخوان، قام متحدثًا إلى الناس فقال: (إن مثلنا الآن من فضيلة الأستاذ المرشد وهو يشير إليه كمثل رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه)، وما كاد المتحدث ينتهي من هذه العبارة حتى قفز الإمام البنا إلى المنصة، ثم اتجه إلى الناس قائلاً: (أيها الإخوة معذرة إذا كان الأستاذ المتحدث قد خانه التعبير، فأين نحن من تلامذة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نزل من مكانه، ولم يستطع المتحدث إكمال الحديث كما بدأه).

 

لم يكن في استطاعة "البنا" السكوت عن هذه التصرفات، ذلك أنها كانت تمس الأصل الكبير الذي قامت عليه دعوته وجماعته، فقام ليعتذر إلى الله في التو واللحظة، ويقطع مسلكًا من مسالك الانحراف في طريق الدعوة وأساسها الرباني؛ فهو الذي علم الإخوان ألا يهتفوا باسم أحد إلا الله، ولا يعظموا شخصًا، ولا يحيوا إنسانًا إنما تحيتهم لله سبحانه وتعالى، تحيتهم هتاف لله وحده.

 

وبعد..

فهذه بعض لقطات خاطفة من حياة الأستاذ البنا، وهو يتحرك بدعوته بين إخوانه ومع الناس بصورة طبيعية غير مفتعلة، تعبر عنها الأفعال والمواقف قبل الخطابة والبيان.

رحم الله الأستاذ البنا، وجميع مرشدينا وشهدائنا ورموزنا، وألحقنا بهم في الصالحين.