- مصرع سيدة وإصابة 6 أفراد من عائلة واحدة للحصول على أنبوبة الغاز

- سعر الأنبوبة يصل إلى 70 جنيهًا في السوق و12 جنيهًا بالمستودعات

- المواطنون يلجئون للوسائل البدائية التي عفا عليها الزمن لإعداد الأطعمة

- رئيس الاتحاد العربي للمستهلك: الناس ضحية مؤامرة لصالح الشركات

 

تحقيق- الزهراء عامر:

دخلت أزمة أنابيب البوتاجاز التي تشهدها مصر حاليًّا أسبوعها الرابع على التوالي، ودفعت الأزمة العديد من المواطنين، سواء في المناطق الشعبية أو الراقية؛ إلى العودة للوسائل البدائية التي عفا عليها الزمن لإعداد الأطعمة، في ظل النقص الشديد الذي تعانيه المستودعات في كميات أنابيب البوتاجاز، وارتفاع أسعارها إلى مستويات قياسية وصلت في السوق السوداء ما بين 40 و70 جنيهًا للأنبوبة الواحدة على حسب كل منطقة والمستهلك.. في حين ارتفع سعرها في المستودعات الحكومية- إن وجدت- من ثلاثة وخمسة جنيهات إلى 12 جنيهًا للأنبوبة؛ ما أضاف ذلك عبئًا ماليًّا جديدًا على ميزانية الأسرة المصرية المطحونة التي تعاني يوميًّا من ارتفاعات جديدة في الأسعار.

 

المسئولون الحكوميون برروا في تصريحاتهم أن هذه الأزمة تتكرر كل عام في هذا التوقيت؛ نظرًا لازدياد استهلاك المواطنين لأنابيب البوتاجاز؛ خاصة في فصل الشتاء عن بقية الفصول الأخرى، ورغم ذلك لم تحاول الحكومة منع تكرار حدوثها.

 

وعَزَتْ بعض التصريحات أن وزارة البترول عجزت عن استيراد كميات غاز الصب المستخدم في تصنيع البوتاجاز من السعودية والجزائر؛ نتيجة عدم سداد ثمنه لهذه الدول التي رفضت سداد الآجل، فتعطل الاستيراد لحين توفير التدابير المالية؛ حيث إن احتياطي البوتاجاز في مصر لا يكفي أكثر من أسبوع، وأن الاحتياطي انخفض بنسبة 65% تقريبًا، بعد سحب كميات كبيرة لتلبية احتياجات مستودعات البوتاجاز، خصوصًا أن الحصة اليومية من البوتاجاز اقتربت من مليون و100 ألف أسطوانة يوميًّا.

 الصورة غير متاحة

الحصول على أسطوانة البوتاجاز بسهولة أصبح حلمًا

 

وتأتي هذه الأزمة في ظل تخطيط وزارتي البترول والتضامن؛ لتمرير مشروع كوبونات أنابيب البوتاجاز، عن طريق "كوبونات" سنوية، تحدد عدد الأسطوانات التي تُصرف شهريًّا لنحو ١٥ مليون أسرة أو عن طريق بطاقة التموين الإلكترونية؛ بحيث يتم صرف أسطوانة واحدة شهريًّا للأسرة المكونة من ٣ أفراد فأقل، وأسطوانتين للأسرة المكونة من ٤ أفراد فأكثر.

 

وفي الوقت الذي يُحرم فيه المواطن المصري من "غاز الصب" غاز البوتاجاز تسهم وزارة البترول في توفير الرفاهية والدفء والكهرباء للمواطن الصهيوني بتصدير الغاز له بأسعار مدعومة على حساب الشبكة المحلية للغاز "شبكة المنازل"، بل إنها تضمن أن تتسلم الحكومة الصهيونية حصتها بالسعر المدعوم ما بين 1.75 دولار و2.97 دولار، والالتزام بتصدير حصة الحكومة، ولو بالشراء من حصة الشريك الأجنبي بـ9 دولارات على حساب المواطن المصري.

 

والسؤال الذي يطرح نفسه: هل الاستعانة بمواد الطهي البدائية سيحل من هذه الأزمة، كما قال أحد المسئولين بحكومة نظيف؟ ومن المستفيد من تلك الأزمة؟ ومتى ستنتهي؟

 

الحصول على أنبوبة بوتاجاز أصبح حلم أي أسرة مصرية تنفد أسطوانة الغاز الخاصة بها، وقد تدفع أسرة حياتها مقابل الحصول على أنبوبة بعد المشاحنات والمشاجرات التي شهدتها طوابير الأنابيب أمام المستودعات ومنافذ البيع، مثلما حدث عندما أُصيب 6 أفراد من عائلة واحدة بإصابات بالغة، ومصرع سيدة بإمبابة نتيجة المشاجرات، على خلفية الحصول على أنبوبة بوتاجاز تجاوزت إلى حد استخدام الأسلحة النارية.

 

تقول سحر مخلوف (ربة منزل )- وهي نموذج للعديد من الأسر المصرية في رحلة البحث عن أنبوبة-: إنها ضحَّت بإحضار الطعام إلى أولادها طيلة يومين، حتى تستطيع أن توفر ثمن الأنبوبة؛ لأن مصروفها اليومي كله لا يتجاوز 15 جنيهًا، ومع ذلك لم تستطع الحصول على الأسطوانة، على الرغم من تواجد زوجها باستمرار عند منفذ البيع، ولكن يتم تهريب الأسطوانات ليلاً لبيعها على "المحاسيب".

 

وتقول: إنها لجأت إلى الاستعانة بأدوات طهيها القديمة "بابور الجاز"، على الرغم من خطورتها على أولادها، قائلة: "ما باليد حيلة"، مشيرة إلى أن كل فرد لديه أسطوانة غاز يخفيها عن عين جاره؛ حتى لا يستعيرها منه لقضاء حاجته، وكأن الأنابيب أصبحت سلعة أثرية يخفيها المواطنون عن العيون.

 

وتسرد في مأساتها قائلة: "إن الرجوع إلى القديم سيحقق لي الوافر المادي، حتى تنتهي الأزمة؛ لأنها لو قامت بشراء لترين من السولار سيكفيها لمدة يومين؛ من أجل طهي الطعام لأولادها، بينما شراء أنبوبة يحرم أولادها من قوتهم اليومي.

 

وسطاء للشراء

 الصورة غير متاحة

د. إبراهيم زهران

   ومن ناحيته، يقول إبراهيم زهران عضو معهد بحوث البترول والمستشار الفني لحركة "لا لنكسة الغاز": إن الحكومة لم تتعلم، ولم تقم بالتخطيط السليم للأزمة التي تحدث وتتكرر كل عام؛ لتقوم بزيادة المخزون الاحتياطي من الغاز ليكفي 10 أيام أو 15 يومًا لسد العجز بدلاً من الـ7 أيام التي تتحدث عنها.

 

ويوضح أن الأزمة جاءت من تخلي وزارة البترول عن دورها؛ وهو قيامها باستيراد وشراء الغاز الصب من الجزائر والسعودية، بعدما امتنعت الجزائر والسعودية عن بيع الغاز لمصر لعدم تسديدها أموالاً متأخرة عليها للبلدين، واكتفت بالاستعانة بوسيط، وهي "الشركة العربية" التي تستورد الغاز من الخارج، والتي لا تضع مصلحة المواطن في حسبانها، بل تضع حجم الربح الذي تحققه في حسبانها؛ لأن المسئولية لا تُلقى على أكتافها، ولا تحاسب أمام القانون.

 

ويؤكد أن الحكومة تأخذ ثمن أسطوانة الغاز التي تستوردها من الخارج من المواطن المصري من تحصيلها للضرائب، وبالتالي لا تمن على المواطن إذا قامت بحل الأزمة، مدينًا الاعتماد على "بلطجية" التوزيع؛ لتحقيق مصالح أشخاص بعينهم لشرائهم الأسطوانة بـ2.75 جنيه، ويتم بيعها بـ42 جنيهًا سعر استيرادها، وبالتالي يجبر المواطن على دفع ثمن الأنبوبة مرتين.

 

ويضيف أن الحل الأمثل لهذه الأزمة هو مد الغاز الطبيعي للمنازل، ولو تمَّ القيام بهذا وأُنشئ مربع لمد الغاز منذ عقد التسعينيات أي منذ بدء تصدير الغاز للكيان الصهيوني؛ لحلت الأزمة، مبررًا أنه في حالة تعذر إمداد المنازل بالغاز الطبيعي، في هذه الحالة لا بد من إنشاء مستودع؛ ليتم تخزين الغاز فيه لفترة طويلة، وتنفيذ فكرة بناء مستودع خليج السويس لتخزين غاز البوتاجاز "غاز الصب" لمدة 6 أشهر.

 

ويهاجم تصريحات المسئولين الهرائية التي تستخفُّ بعقول المواطنين المصريين، أو تعمل على إعطائهم مسكنات للسكوت على الأزمة؛ مثل تحفظ الحكومة على 10 آلاف أنبوبة يتم تهريبها، في حين أن عدد الأنابيب المتداولة في مصر يصل إلى 770 مليون أسطوانة، ولو تم ضبط مليون أنبوبة وليس 10 آلاف لن يتم حل الأزمة.

 

ويؤكد أن قانون 20 لسنه 1977م ألزم هيئة البترول بإيصال المنتجات للمواطنين؛ سواء كان المواطن صاحب "مزرعة دواجن أو مصنع لعمل الطوب" أو مواطنًا عاديًّا؛ لأنهم في النهاية مواطنين أدوا ما عليهم من ضرائب، ومن حقهم استخدام المنتج، فلماذا يتم تحويله إلى مجرم وهو المسئول الأوحد عن الأزمة؟

 

ويتعجب زهران من دولة تقوم بتصدير الغاز للكيان الصهيوني بمبلغ 164 مليون دولار في السنة، وتقوم بدعم المصانع الصهيونية والمواطن الصهيوني لتغطية احتياجاته من الكهرباء والغاز، وفي المقابل تستورد غاز البوتاجاز بتكلفة 3 مليارات دولار سنويًّا، ولا تدعم مواطنها في غاز البوتاجاز.

 

فقدان الثقة

 الصورة غير متاحة

عمرو كمال حمودة

   ويفنِّد عمرو كمال حمودة الخبير في شئون النفط أسباب تفاقم هذه الأزمة في هذا العام عن الأعوام السابقة إلى زيادة الاستهلاك، ووجود عجز داخلي يُقدر بنحو 17%؛ ما أدَّى إلى تفاقم الأزمة أكثر وأكثر، بجانب عدم كفاية الاحتياطات من الغازات الطبيعية مع الاستمرار في تصدير الغاز للخارج، بالإضافة إلى سوء عملية التوزيع في الداخل للأنابيب.

 

ويرى أنه لا يوجد حل لهذه الأزمة المستمرة منذ العديد من السنوات في عدم استجابة الحكومة لتحذيرات الخبراء والمتخصصين بنفاد المخزون الاحتياطي لغاز البوتاجاز إن لم تضع حلاًّ جذريًّا لهذه الأزمة، والحكومة تسمع الآراء والحلول والبدائل التي طرحتها المجالس القومية المتخصصة، ولا تلقي لها بالاً رغم معرفتها حجم الأزمة.

 

ويدين إصرار مصر على تصدير الغاز الطبيعي إلى الخارج عقودًا طويلة الأمد، في حين أنها لم تستكمل إمداد الشبكة القومية للغازات "منازل ومصانع ومواقع الخدمات" بالغاز الطبيعي، ما أدَّى إلى زيادة الطلب على أسطوانات الغاز، وفي نفس الوقت يتم استيراد مليون و200 ألف طن من غاز البوتاجاز بالأسعار العالمية، وفقًا لمناقصة يتم إجراؤها كل عام، ويصل فيها الطن إلى ما يزيد عن ألف دولار للطن الواحد.

 

وفيما يتعلق بالتوزيع الداخلي للأنابيب؛ فيوضح كمال أن وزارة البترول "نفضت يدها من مسألة التوزيع، وقامت بإغلاق العديد من مراكز التوزيع الخاصة بها، وأعطت المسئولية لبعض الجمعيات والتابعين للحزب الوطني في المناطق المختلفة، وخاصة الشعبية؛ ما أدَّى إلى التحكم في أسعار البيع، وحجب الأسطوانات عن الجماهير.

 

ويقول: إن فقدان الثقة بين المواطن والدولة وأي إجراء تتخذه الدولة يكون الكل مبالغًا فيه، ويحمل معاني الزفة والاحتفالات الكاذبة، ودائمًا ما يكون للتغطية على المشاكل الحياتية الغليظة، وهذا ما فعلته عند فوز المنتخب في ظل وجود كوارث السيول، وارتفاع أسعار السكر، والضغوط من أجل الدعم ورفع أسعار المحروقات، وأنه لا يصح المبالغة في الاحتفالات على حساب الألم للجماهير.

 

السوق السوداء

 الصورة غير متاحة

د. إبراهيم الجعفري

   ويؤكد النائب الدكتور إبراهيم الجعفري عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب أن الوزارات المعنية بحل أزمة غاز البوتاجاز تتنصل من المسئولية، وكل منها يلقي اللوم والمسئولية على الآخر، ويقدم حلولاً، لا يمكن تطبيقها بحال من الأحوال على الواقع المصري الحالي، وهذا ما ظهر في تصريحات وزارة البترول والتضامن الاجتماعي والإدارة المحلية ووزارة الداخلية.

 

ويؤكد أن المشكلة الحقيقية تكمن في عدم وجود رقابة من قِبل الحكومة، ممثلة في وزارة التضامن الاجتماعي على توزيع حصص تلك الأسطوانات على المواطنين؛ ما أدَّى إلى استغلال العديد من المستغلين هذه الآونة، وقيامهم بالتلاعب في الأسعار بالأسواق.

 

ويتهم النائب المسئولين عن توزيع أسطوانات الأنابيب على المواطنين بالاتجار والتلاعب بهذه الأسطوانات التي يتم استخدمها في المستشفيات ومزارع الدواجن والورش؛ لتحقيق أرباح خيالية على حساب المواطن، موضحًا أن الحكومة المتمثلة في المحافظين ووزارة التموين هي المسئولة الأولى على حسن توزيع الأنابيب، ولا تستخدم سلطتها في إغلاق المستودعات التي يظهر بها الاستغلال، وتترك المواطن فريسة للسوق السوداء والمستغلين.

 

ويتساءل عن حصة الدعم التي تتحدث عنها وزارة البترول الخاصة بزيادة وتوفير 16% من أسطوانات البوتاجاز في الأسواق؛ فأين هذه الحصة، وكيف يتم توزيعها على المواطنين لحل الأزمة التي تستمر طوال فصل الشتاء.

 

الرجوع للوراء

 الصورة غير متاحة

رحلة شاقة تخترق شوارع القاهرة للفوز بأسطوانة البوتاجاز

   وتؤكد سعاد الديب نائب رئيس الاتحاد العربي للمستهلك أن هناك مؤامرة تتم على حساب المستهلك لصالح بعض رجال الأعمال والشركات الخاصة التي تركت العمل في مجال الاستيراد والتصدير، واتجهت إلى التجارة بأنابيب البوتاجاز؛ لأنهم رأوا أنها تجارة رائدة، وبالتالي يحتكرون السوق بأساليب مختلفة.

 

وتشير إلى أن المواطن المستهلك يعاني من كارثة حقيقية؛ ليحصل على أنابيب الغاز وحتى وإن وصل الأمر إلى المشاجرة أو قتل الآخر لعدم كفاية الكمية التي يتم توزيعها، ومع ذلك تقف الحكومة موقف المتفرج الذي لا يستطيع فعل شيء سوى التصريحات المختلفة من كل مسئول.

 

وتستنكر تصريحات المسئولين، وعلى رأسهم تصريح وزير التضامن الذي طالب المواطنين بالرجوع إلى استخدام معدات الطهي البدائية، متناسيًا أنه يتحدث عن عام 2010م، وصل الرقي إلى كل المناطق حتى الأحياء الشعبية؛ فكيف يطلب من المواطنين الرجوع للوراء واستخدام "الكانون" والمجتمعات كلها تتطور من حولنا.

 

وتوضح أن الحكومة يُعاب عليها في هذه الأزمة وفي كل الأزمات التي تخص المواطنين بأنها لن تتوقع حدوث مثل هذه الأزمة في حالة سوء الأحوال الجوية أو ارتفاع أسعار الغاز عالميًّا لتتحرك، ولكنها تنتظر حدوث الكارثة، وبعد ذلك تبحث عن وسيلة لزيادة المخزون الاحتياطي، خاصة أن هذه الأزمة تتكرر كل عام في فصل الشتاء وحاجة المواطنين لطاقة أكبر، سواء كان للتدفئة أو لأغراض أخرى.

 

وتدعو المواطنين إلى ترشيد استهلاكهم لتخطي الأزمة الحالية، ومحاولة استخدام السولار رغم ارتفاع سعره مساندة مع أنابيب الغاز حتى تنفرج الأزمة.