يقول الأستاذ عمر التلمساني- رحمه الله- إن حسن البنا شخصية لمعت بذاتها، ولا تزال تضيء بآثارها في تاريخ الدعوة، ولا يمكن لإنسان أن يذهب بها إلى مجاهل النسيان، وكيف يُنسى من اقترن اسمه بأكبر أثر في الدعوة الإسلامية في القرون الأخيرة، لا نقولها حبًّا، وإن كان الحب عاطفة نبيلة، ولا تقديرًا وإن كان تقدير الرجال صفة المنصفين، ولا تعصبًا وإن كان التفاني في الدعوة السامية شرفًا أي شرف، ولا تقديسًا إذ لا تقديس مع "لا إله إلا الله محمد رسول الله" صلى الله عليه وسلم، ولكننا نقولها من باب تقرير الواقع الذي شهد به الكل على السواء إلا من ران العمى على إنسان عينيه، إنه عجز العمى، وهذا العجز لا دخل للشمس فيه.
ويثير الأستاذ عمر التلمساني قضية في غاية الأهمية، أنه تعلَّم على يد حسن البنا استحالة الفصل بين العقيدة الراسخة في قلب المسلم وبين الشريعة التي تحكم حياتنا وتصرفاتنا اليومية، إذ كيف أكون مسلمًا حقًّا مؤمنًا بالله وقدرته وعلمه وحكمته، ثم لا أطبق شرعه في التعامل مع الناس؟ وفي تحري الأكل الحلال، وفي التزام الشرع في كل صغيرة وكبيرة، ومن هنا كان اقتران القول بالعمل، والكلام بالفعل مما يوصي به الإمام الشهيد؛ حيث يؤكد أن الداعية الذي تقتصر مهمته على الكلام داعية فاشل، لن يصل مع الناس إلى شيء.
فالقدوة عنصر مهم في تأصيل الدعوة ووصولها إلى الناس.. "حال رجل في ألف رجل خير من كلام ألف رجل في رجل واحد".
وعن التضامن الاجتماعي بين أفراد المجتمع
فالإيثار وإحساس الأخ بأخيه إحساسه بنفسه، وقيام التضامن والتكافل بين أفراد المجتمع الإخواني واضح بصورة لم يشهدها العالم الإسلامي منذ مئات السنين، وكان يتم بينهم التطبيق العملي لقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: من الآية 9).
يروي الأستاذ البنا- رحمه الله- طرفةً في هذا المعنى غايةً في النبل وسمو العاطفة والإيثار فيقول: ذهب صاحب إلى أخيه في جنح الدجى، يقترض منه أربعة آلاف درهم ولم يكن عنده سواها، فأعطاه إياها ورجع يبكي، فقالت له زوجه ما الذي حملك على إقراضه ما دام مالك يبكيك إذًا؟ قال: يبكيني تقصيري في تفقد حال أخي حتى اضطررته إلى المجيء مقترضًا.
وقد كان الأستاذ البنا يرسخ في قلوب الإخوان حب الشريعة والعمل لها، والدعوة إلى إقامتها وتطبيقها في الحياة، وقد أثمر ذلك ثمرة جعلتهم لا يقبلون في هذا المطلب نقاشًا يرددونه في أحاديثهم وفي خطبهم وفي كتاباتهم حتى أصبحوا أساتذة هذه القضية، وقد تعرَّض الإخوان في سبيل ذلك لما لم يتعرض له غيرهم، إذ إن غيرهم لا يطالبون بتطبيق الشريعة إلا إذا أمِنوا جانب الحكام، وأن لن يصيبهم من وراء ذلك بطش ولا أذى، ولقد بلغ من عمق إقناعه أنه لم يعد عند الإخوان المسلمين قضية أهم ولا أوْلى ولا أحق بالاهتمام والمطالبة العملية من تطبيق الشريعة الإسلامية.
لقد أعطى الأستاذ البنا دروسًا نافعةً للإخوان، ورباهم عليها، فجعل العقيدة أمامه يستلهمها ويصدر عنها، وبعد أن تلزمه العقيدة بالتزام ما يلتزم يأخذ عقله في التفكير والاستنباط والفهم والتقدير والتنفيذ مع الطاعة للشرع والالتزام بالأوامر، عقيدته أوَّلاً، ثم عقله ثانيًا "الحسن عنده ما حسَّنه الشرع والقبيح ما قبَّحته العقيدة"، يقول عنه الأستاذ عمر- رحمه الله-: وما وجدنا يومًا عملاً حسَّنته العقيدة إلا وجدناه مستقبلاً عند العقل السليم، أما إذا ما اختلف تقدير العقل مع أمر الشرع فرأي العقل مطروح ومستبعد.
إن الأستاذ عمر التلمساني يصور مشاعره تجاه الأستاذ البنا بدقة متناهية، ويفضي إلينا بحبه العميق لشخصه.. ذلك الحب الذي فاق كل حب لأي فرد آخر ممن عايشهم طوال حياته، منذ عرفه وتعرَّف على الدعوة، وحتى بعد استشهاده، إذ يقول "فلم أحب أحدًا كحبي لحسن البنا حتى ولا عاطفة الأبوة الغلاّبة لم تقو على هذا الحب"، ويقول "إنه تعلم منه كيف يحب اللهَ ورسوله صلى الله عليه وسلم حقًّا وصدقًا؛ لأنه هو نفسه يحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم قولاً وعملاً وعقلاً وعاطفةً، كان حب حسن البنا لله ورسوله صلى الله عليه وسلم يفيض نعمًا غامرةً على كل من يقترب حسًّا أو معنى، إنه أطاع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فالله نرجو أن يكون حسن البنا بسبب هذه الطاعة هو ومن ترسّم خطاه داخلين في قول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا (69) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنْ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (70)﴾ (النساء).
مواهب متعددة
وهدفنا من إبراز هذه المواهب والقدرات لدى الأستاذ البنا هو التعلم والاقتداء وفتح مجالات متعددة للحركة بالدعوة لدى فئات كثيرة من الناس، والوصول إلى القلوب بأبسط الوسائل وأيسر السبل.
يحكي الأستاذ عمر التلمساني أنه ذهب مع الإمام البنا إلى إحدى المدارس الابتدائية في لقاء مع التلاميذ، وطلب من الأستاذ عمر أن يتحدث إلى الأبناء، فاعتذر عن ذلك باعتبار أنه كمحامٍ تعوّد أن يخاطب الكبار من القضاة والمستشارين، وهو لا عهد له بهؤلاء الأطفال الصغار، عند ذلك وقف الإمام وتحدث، فما طرفت عين طفل، ولا ملّ منهم واحد، ولا تشاغل عن الاستماع، ولا قام واحد منهم بحركة توقف ذلك الفيض الذي أمتعهم به فضيلته.
وبالإضافة إلى ذلك، كان إذا التقى "أولاد البلد" من أهل بولاق وغيرهم أن يتكلم عن قوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن "روكانة" أقوى العرب الذي صرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات ومسابقاته مع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وغير ذلك من الأحاديث المحببة إلى قلوب الفتوات، ويبين لهم أن هذه القوة الجسدية الهائلة لم تأتِ إلا نتيجة للتمتع بقوة روحية خارقة والتزام كامل لأوامر الله واجتناب نواهيه.
وكان إذا تحدث عن العمال حسبته ربيب العَدد والآلات، والمعامل والمصانع والخبير بالنقابات العمالية، وينقدها برفق لاهتمامها بحالة العمال المادية، دون الاهتمام بحالتهم المعنوية والروحية التي تزكي النفس وتعين على اتقان العمل.
وكان- رحمه الله- في أسفاره يُمتع رفاقه طوال السفر بأعذب الحديث والتوجيهات التي كانت تحيي القلوب، ويوفر لهم كل ما يستطيع من ضروب الترويح والمسامرة الطاهرة البريئة، وكان حريصًا على تلبية الأذواق الخاصة في مسائل المأكل والمشرب بقدر الإمكان؛ نظرًا لاختلاف طبائعهم وعوائدهم ونشأتهم ووجوب التقارب بين هذه المتناقضات، وكانوا يحبونه حقًّا ولكنهم في نفس الوقت بشر يعرض عليهم ما يعرض للبشر، ولكنهم كانوا بشرًا متميزًا طيبًا.
كما كان- رحمه الله- ينظر إلى الاحتلال أيًّا كان على أنه أساس كل شر في مصر وفي البلاد الإسلامية، وهو وراء الفقر والتخلف والجهل الذي ترزح فيه هذه البلاد.
ننظر إليه عندما قام خطيبًا في المؤتمر الشعبي الأول بالقاهرة بعد عودة "النقراشي" باشا من الجمعية العمومية بالأمم المتحدة؛ حيث اجتمع له أكثر من نصف مليون مواطن، وكان مما قال: إننا نحن المصريين نطالب بجلاء القوات البريطانية عن الوطن العربي والإسلامي، وفي الوقت نفسه لا نزال نتعامل معهم ونجاملهم وليس هذا الأسلوب بمخرجهم من بلادنا، إننا في حاجة إلى شعور من البغض ينبع من قلوبنا ومن فقه عقيدتنا، أنه لا يمكن خروج الأعداء بالمعنى السياسي وحده ولا المصلحة وحدها.. ولكن لا بد من عامل العقيدة أولاً، فلا بد أن يدفعنا إلى ذلك شعور من البغض.. وهل الإيمان إلا الحب والبغض؟! ولهذا فأنا أقول لكم إذا سلّم عليكم محتل فاغسل يديك سبع مرات بالماء إحداهن بالتراب. ثم قال: إننا نحب أن نرضّع أطفالنا كراهية وبغض المحتل، ونقنت عليهم في الصلاة، ندعو عليهم وعلى كل الظالمين الذي طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، ويجب تعليم أولادنا الحرية والوطنية كما نعلمهم السورة من القرآن.
وهل يختلف أمر الاستعمار الإنجليزي في بداية ومنتصف القرن الماضي، عن حاله وممارساته وأساليبه الخبيثة في عصرنا الحاضر، خاصة وأننا نعايش الآن ما يفعله الصهاينة في فلسطين مدعومين بقوة هائلة مادية ومعنوية من أمريكا ودول أوروبا جميعها، وكذلك ما تفعله أمريكا ودول الاتحاد الأوروبي بالعراق وأفغانستان، والصومال وباكستان؟
هل من اللائق أن نقابل كل هذا البطش والإبادة بالانبطاح لهم وتصديق وعودهم وعهودهم، تحت دعاوى ثقافة السلام، والتطبيع، ونبذ العنف والإرهاب، والحرص على استمرار العملية السلمية، رغم أن عدونا الغادر هو مدمن نقض العهود وتحريف المواثيق وعدم الالتزام بها لا مع مصر ولا مع العرب ولا حتى مع الأمم المتحدة، وغير ذلك من الدعاوى التي شأنها ضياع القضية والاستسلام المطلق لمخططات الأعداء، وتسليم القدس والمسجد الأقصى للأعداء الصهاينة دون مقاومة أو حتى البغض مجرد البغض.
ألا لعنة الله على الظالمين..