﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (73) وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً (74) إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75) وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنْ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً (76) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً (77) أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78) وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79) وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (80) وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81) وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا (82)﴾ (الإسراء)
في أوقات المحن والاختبارات تهتز بداخلنا الحقائق, ويكون إيماننا بها وفهمنا لها وقدرتنا على تطبيقها والالتزام بها هو الميدان الحقيقي لهذا الاختبار, والموفق هو من ثبته الله بفضله ورحمته؛ فتزيده المحن فضلاً على فضل وإيمانًا إلى إيمان.
ولقد عنى الإسلام بالتربية الوقائية للنفس صيانة لها وعونًا على تخطي هذه العقبات, فجاء القرآن الكريم والسنة المطهرة بقدر وافر زاخر من العواصم المنجية من فواصم المحن والأزمات، تمثل حوائط صد منيعة ضد مكائد الشيطان، وواحات وظلال وارفات ينعم المؤمن فيها بالأمن والاطمئنان، حين يحار غيره ويضطرب بل وتعصمه وتأخذ بيده إلى بر الرضوان والهداية، وتقيم له ميزانًا يتبين به الحق والصواب، وتتضح لديه معالم الطريق ودروب الفتن والمهلكات, وليس بين المؤمن والدخول إلى ذلك الحصن الرباني المنيع إلا أن يعيش بقلبه صادق العزم قوى الإرادة مستعينًا بربه أن يأخذ نفسه بما يحبه الله في هذا الباب, وفي الآيات الكريمات نموذج تفصيلي لما يجب على المؤمن عند المحن والابتلاءات, وهو منهج رباني حكيم يستدعي التواصل المباشر منك؛ لعل الله يفتح لك من خيره وفضله أبوابًا لا تفتح لغيرك ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54)﴾ (المائدة).
ومما أرشد الله إليه في الآيات أن يهرع المؤمن ويفزع إلى الصلاة ولا سيما قيام الليل, وأن يلازم الدعاء والتذلل لرب العالمين بالثبات والنجاة والحفظ من كل سوء, ثم الثقة في نصر الله عزَّ وجلَّ للحق وهزيمة الباطل وخذلانه, وأخيرًا اللجوء إلى حصن القرآن الكريم والاستشفاء به وبحقائقه وأصوله وعواصمه.
ونستعرض بعضا من هذه العواصم وقد أردنا أن تكون هذه الكلمات تذكيرًا للمؤمنين الذين تنفعهم الذكرى، وميزانًا يقيس به كلٌّ منَّا نفسه، ودعوة لمراجعة المواقف؛ ذلك أن كل عاصم من هذه العواصم لا يخلو أن يكون أصلاً لا خلاف عليه أو أدبًا لا يستغنى عنه من صفات المؤمنين وأخلاقهم فما هذه العواصم؟.
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عدوا فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ (فاطر: من الآية 6)
فهذه الحقيقة القرآنية من أول العواصم وأخطرها أثرًا, ولا نقصد بالطبع أن يعلمها الناس, وإنما تتحقق العاصمية بهذه الآية حين يؤمن بها المؤمن ويعيشها كل ليله وكل نهاره, ويستحضر الشيطان عدوًا متربصًا يتحين ويترقب وينتظر الفرصة تلو الفرصة؛ فيلقى بأسلحته المختلفة المتجددة المناسبة لكل نفس ولكل حدث, وأن يوقن الإنسان أنه لم يستثن من هذه العداوة، ولم يخرج من ميدان الشيطان كهدف ثابت لا يرضى منه الشيطان بأقل من مرافقته في جهنم, فحين يتذكر الإنسان هذه العلاقة بل هذه العداوة يدفعه ذلك إلى ما يدفعه من حذر ويقظة وخوف ومراجعة واستغفار، وقد يكون ذلك هو المقصود من قوله تعالى: ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ وقد بين الله منهج الشيطان في الإغواء, وأنه طريق متدرج ذو مراحل يفضي أوله إلى منتهاه بلطف قد يخفى على الكثير فوجب الانتباه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ (النور:من الآية 21) ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اتَّقَى (32)﴾ (النجم).
وذلك عاصم لو تعلمون عظيم, فحين لا يزكي الإنسان نفسه إنما يلقيها في غياهب الضياع, ويطلب لها من الدنيا ما لا تستحق, ويحرمها خيرات الإصلاح والمراجعة, ويلزم عدم تزكية النفس غمط الآخرين حقوقهم, أما حين يعتصم الإنسان بهذا العاصم الكريم فهو المؤمن المتواضع الذي يرى إخوانه أولى منه بكل فضل، وأقدر منه على كل خير, ويرى نفسه عالة على إخوانه فهو بهم, ولا قيمة له بدونهم, أما إخوانه بدونه لا ينقصون إلا عبئا, وهم به وبغيره, فلا يملك إلا أن يلقي بنفسه بينهم لا يرى له حياة بعيدًا عنهم. ومن ناحية أخرى فلا فضل ولا حق له عند أحد فلا موهبة ولا قدرات ولا خبرات ولا رؤى إنما هو الله وفضله وتوفيقه ورحمته ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللهِ﴾ وهو كذلك- أي الإنسان- قرين كل خطأ, فلا تزكية لرأي ولا تصور ولا لفهم ولا استنباط, بل هو المتهم نفسه وما يصدر عنها بدءا من النيَّة والقصد إلى العمل والحكم, حينها يسلم الإنسان من كثير من الموبقات ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا (28)﴾ (النساء) ويرتبط بذلك العاصم ما يعد مقابلاً واقعيًّا له ألا وهو النظر إلى كل مؤمن والتعامل معه على أساس أنه من أهل الجنة، فكيف تتعامل مع رجل من أهل الجنة؟ وكيف تستقبل أخطاؤه وأعذاره؟ وكيف ترى تقصيره وعجزه؟ وكيف تفسر ما جهلت من أمره وما يحتمل أكثر من محمل؟ ثم اسأل نفسك من المستفيد من هذا الاعتبار؟ ولا تنس أن تسأل نفسك سؤالاً آخر أكثر خطورة أليس من المحتمل الراجح فعلاً أن يكون أخي من أهل الجنة؟ ألا تتمنى وتدعو له بذلك؟ اللهم اجمعنا فيها بفضلك ورحمتك آمين. ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ (الأعراف: من الآية 85).
وهذا التوجيه القرآني يمثل حقًا إنسانيًّا لدى المؤمن مطالب به أمام الله عزَّ وجلَّ, فهو يؤدي لكل حقه لا فرق بين إنسان وإنسان في كل حالات المرء من رضا وغضب وحب وبغض وعند مختلف المتغيرات، لاسيما وقت الفتن والاختلاف ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: من الآية 8) ويقتضى ذلك أن يقر المؤمن لأهل الفضل بفضلهم، ولكل ذي معروف بمعروفه وخيره، ولا يحمله شيء من متغيرات الحياة والنفوس أن يمنع أحدًا حقًا من حقوقه المادية أو الأدبية.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: من الآية 10).
وهذا الأصل من أعظم العواصم قاطبة حين يلتزم به المؤمن وبمقتضياته، ويحيا به في حياته مع المؤمنين، وقد بنى الرسول صلى الله عليه وسلم دولة الإسلام على هذا الأصل، ورعاه في نفوس الصحابة الكرام رضي الله عنهم لعظيم أثره وبالغ أهميته، ومن مقتضيات هذا الأصل العظيم جملة من العواصم منها: أن الله سبحانه أمر المؤمن أن يغلق أذنيه عن كل شر يصل إليها عن إخوانه ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ (النور: من الآية 12) وإن سعى أحد لديه بشيء يسيء إلى إخوانه فهو متهم َ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (الحجرات: من الآية 6) ولا يجوز له أن يسرح بخيالات وظنون تنال من إخوانه في نية أو قول أو عمل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (الحجرات: من الآية 12) وهو يعلم علم اليقين حرمة لحوم إخوانه فلا يذكرهم إلا بخير مهما بلغ صدق أو يقين ما بلغه عن إخوانه ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ (الحجرات: من الآية 12) ولا يتناولهم بسخرية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ (الحجرات: من الآية 11) ولا حتى يلمزهم ولو من بعيد ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾ وإنما يتحقق بوصف الله للمؤمنين مع إخوانهم ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولك أن تعيش مع هذا الوصف القرآني ودلالاته وما يحويه من صور وإيحاءات تختفي معها كل مطالب النفس من أسباب الفتن، ودواعي المحن بين الناس, ثم هو غير ذلك إن تيقن لديه سوء تأتي ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ثم دعوة العلي العظيم مالك الملك ذي الجلال والإكرام لعبده الصغير الضعيف أن يرتقي مدارج الرفعة والسمو ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22)﴾ (النور).
لتزيل أي احتمال لشر أو فتنة يقع المؤمن فيها، بل ولتفتح له أبواب السماء يعرج فيها على قواعد ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ويكون ما بينه وبين إخوانه ذلك التنافس الشريف العظيم في مجاورة النبي العظيم صلى الله عليه وسلم في الفردوس الأعلى ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ (26)﴾ (المطففين) وهذه الآية وحدها تمثل عاصمًا من أشد العواصم التي تحفظ على المؤمنين حيويتهم الإيمانية، وتصرف هممهم لما ينفعهم. ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (22) عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ (23) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (25) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ (26) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (27) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (28)﴾ (المطففين).