بالرغم من أن المسرحية قامت على أكتاف هواة، إلا أنها عمل فني شامل استغل كل الأدوات الفنية التى يمكن أن تثري عرضًا مسرحيًّا، وأجاد مخرج النص استثمار كل الوسائل المسرحية بمهارة وإتقان، ولا يشوبها سوى بعض المبالغة أحيانًا في استثمار بعض الإمكانيات الفنية، بعد أن نجح في توفيرها والرجوع لتعاليم الإسلام؛ لأنها أساس نجاح العالم وإسعاده.

 

وبالرغم من ضعف الإمكانات المتاحة؛ فإن الديكور كان ثريًا وموحيًا باهرًا، برغم بساطته وبخاصة في مشهدي قصر الخليفة والبئر المهجور، ومما يُذكر للديكور أيضًا أنه كان دقيقًا؛ فلقد رأينا قرص الشمس على عرش السلطان العثماني، وهو فعلاً كان رمزًا للدولة العثمانية في حينها.

 

"تيمة" العرض أو موضوعه كان الإدمان بسبب المشاكل العائلية والتفكك الأسرى، وهو ما ركز عليه العمل طول العرض؛ حيث كنا دائمًا مع شباب مدمن، وهو صنف واحد من أشكال ضياع الشباب  فهناك الإغراق في السطحية، والتعصب الفكري، والاكتئاب، واللجوء إلى العنف، والشعور بالضياع والحيرة والاغتراب، والشعور بالتهميش، وهي تعم فئات كثيرة من الشباب دون أن يكون مدمنًا. ولكن النص اقتصر هنا على جانب واحد من الأزمة أو من السلوكيات السيئة، دون أن يبرز عددًا منها توجد بصورة أكبر من الإدمان، كما فوَّت فرصة كبيرة لإبراز إحباط الشاب القروي، وصدمته وشعوره بالظلم عندما اصطدم بالفئة الثرية، أو على الأقل لم يُشر لذلك كمقدمة لسقوطه في الإدمان معهم، فربما شعر الكثيرون أنهم أمام فريق موحد من الشباب دون تنوع، وهنا تزل قدم النص في تنميط الشخصيات وتبسيطها دون عمق أو تنوع، لكن ذلك لا يمنع من الإعجاب الشديد بنمطي شخصيتي ابن كاظم بك وابنته؛ حيث تم تقديمهما بعمق أكبر رغم أن شخصية الابنة لم يتح لها الوقت الكافي فوق خشبة المسرح.

 

ولقد فوجئنا قرب نهاية النص أنها فكرت في الانتحار دون أن تأخذنا تجربتها إلى هذه القناعة، لكن هذه السقطة تُستدرك بعد ذلك قرب الختام، وهي تكاشف أبيها بأزمتها المباشرة، والخطابية التي اتسعت بالمسرحية أحيانًا، وبخاصة قرب النهاية، ويمكن التسامح معها نقديًّا على أساس أن المسرحية ذات بعد أخلاقي محمود ومطلوب بإلحاح.

 

وعامة.. فالتجربة الوليدة كانت متميزة، والممثلون كانوا موهوبين فعلاً، وبخاصة آية جادو ومازن العزب وحليم عيسى وممدوح السنجيدي؛ بالرغم من مبالغة الأخير في الأداء أحيانًا، وبخاصة في نبرة الصوت، الممثل الذي أدى دور "عزيز" كوميديان بالسليقة، الممثل الذي أدى دور "الشيخ" كان معبرًا رغم قصر دوره، لكن كلمة تقال للإنصاف إن كل ممثلي هذا العرض كانوا نجومًا، يبذلون بتفان وجهد، والدليل هو هذا الإعجاب الشديد الذي شاهدناه في عيون المتفرجين، وهذا الإقبال الذي كان يتزايد يوميًّا على هذه المسرحية، التي لمست جروح المجتمع والأسر.

 

استخدم المخرج بذكاء عملية التداخل الزماني والمكاني؛ ليعبر أحيانًا عن الصراع داخل الشخصية، فصوت الأب يتداخل في حديث مع مشهد الابن؛ ليمثل صوت ضميره بل يتجاوز الأمر لنسمع صوت صفعات الأب، تقنية ذكية لتجسيد الصراع.

 

شخصية دكتور الجامعة جاءت هزيلة وغائبة تظهر الحيرة والارتباك والعجز أمام انحراف طلابه، وأظن أن المخرج قصد ذلك لإبراز غياب الدور التوجيهي في المجتمع، وإن كان هذا يُضعف الصراع داخل العمل.

 

الغريب أن صوت الحقيقة الذي تعتدل به كفة ميزان الصراع بين الشخصيات يأتي من شخصية تدخل النص من باب الحلم (شخصية الشيخ)، وهو ما يُضعف واقعية العمل، الحقيقة أن هذا العمل المسرحي الرائع كان سيكتسب مزيدًا من التألق لو اعتمد على نص أدبي جيد.

 

اللغة المستخدمة في النص ارتفعت هي أيضًا إلى الإتقان الذي ميَّز عناصر العمل الأخرى؛ فقد جاءت اللغة مناسبة لفئة الشباب ومتناسقة مع ظروفه وبيئته، كما أبرزت حالة الإحباط والعبثية التي يعيشها المجتمع.

 

وربما عوضت اللغة عن فقر الحوار أحيانًا بين الشخصيات، بينما تميز "المونولوج" أو حوار الشخصية مع نفسها في كشف الصراعات والأزمة بصورة أكبر مما فعله الحوار داخل العرض، كذلك أدى نفس الدور بتميز حوار الشخصيات مع الجمهور؛ حيث كان كاشفًا ومكثفًا وبخاصة قرب النهاية.

 

الإضاءة كانت موظَّفة هي الأخرى بصورة جيدة، تظهر حالة التشتت والدوار التي يعيشها الشباب، بخاصة في حال الإدمان فيما عدا مشهد الخاتمة التي كانت فيه الإضاءة مبالغة أحيانًا ومشوشة على لحظات الكشف.

 

استخدم المخرج كذلك كوميديا (الفارس) أو كوميديا تعظيم العيوب، ولكن لحُسن الحظ بنسبة يسيرة أضافت البهجة، ولم تفسد جوهرية العمل الذي قام على كوميديا الموقف في أساسه، ظهرت مبالغات (الفارس) في زي عويس الطالب القروي الذي كان زيًّا أقرب إلى زي المهرج، من كونه زيًّا رثًا أو وضيعًا.

 

من تقنيات العمل الباهرة كانت تقنية الحُلم؛ حيث يكتشف الواقع من خلاله، حال كون واقع أبطال النص مغيبًا أساسًا، فكان على الحقيقة أن تأتيهم من خارجه، كذلك يستدعي النص الأسطورة ويوظفها (العفريت)، ثم يجتهد أن يكون أقرب للواقعية عندما يمزجها بالتاريخ.

 

وبالرغم من كون مشهد الحلم ثم مشهد العفريت ثم مشهد الزيارة إلى الماضي ثلاثة مشاهد متعاقبة تفصلنا عن الواقع، وتبعدنا عنه لتعيدنا في نهاية العرض إلى الحل للأزمة, وبالرغم من كونها أضعف حلقات الدراما هنا إلا أنها كانت رغم ذلك أكثرها إبهارًا، وإلى حدٍّ ما خفف المشهد التاريخي من حدّة أسطورية الأحداث.

 

في الحقيقة أن الواقع يختلط بالأسطورة ثم يتداخل معه التاريخ حتى يلتبس على المشاهد إن كان يرى واقعًا مسحورًا أو خيالاً يقتحم الواقع المضطرب ليأخذ بيده، وربما كانت فضيلة هذا التداخل أنها تناسقت مع نفسية الشباب الحائر بين الواقع والحلم والتاريخ.

 

ربما يُؤخذ على المشهد التاريخي أنه ركز فقط على جانب التعلم دون الإشارة للتفوق الحضاري والسياسي في ماضينا بوجه عام، كذلك يُؤخذ عليه عدم التداخل مع التاريخ المصري باعتبار العمل مصريًّا وطنيًّا يجري على أرض مصر ويشاهده جمهور مصر، تقوم عليه آمال الأمة الإسلامية بأسرها؛ فقد تعددت مشاهد داخل قصر الخليفة العثماني كان يمكن إضافة مشهد آخر أو استبدال أحدها بمشاهد وطنية يعمر بها التاريخ المصري، وهنا أتكلم عن عمل وطني يجب أن يُقدَّم لجمهور مصر على سعته.

 

وبالنسبة لاستخدام عناوين تاريخية "كالدولة العثمانية" لتسمية مشهد من المسرحية؛ فإن ذلك يخفض من الصوت الواقعي للعمل، ويحوله إلى ما يشبه النص التاريخي.

 

الإسقاط السياسي كان حاضرًا أيضًا بقوة، وبخاصة قرب نهاية العرض؛ حيث تم استحضار الواقع السياسي بالنسبة لقضايا مثل تهويد القدس أو الجدار العازل، وهو ما أضاف للعرض حيويةً بتماسه الشديد مع الواقع المُعاش، ربما نقطة الضعف في العرض أن لحظة الإفاقة تأتي من خلال حُلم وأسطورة ورحلة عبر الماضي، وهنا يأتي الخطاب للجمهور بالرمز، وهذا ما أراد النص إبرازه من معنى، لكن ذلك جاء على حساب واقعية شخصيات المسرحية والقناعة بها.

 

تحية لمخرج هذه المسرحية الرائعة في مجملها، والذي كان متنوعًا وثريًا في وسائله الدرامية، والذي وظَّف جميع عناصر المسرح في خدمة عرضه المتميز.

 

مسرحية "عيال آخر شقاوة" مسرحية سَعِدت فعلاً بمشاهدتها، وهي جديرة بالمشاهدة، ومن حُسن الحظ أنه تم تسجيلها، تحية لمواهب دمياط الناشئة، وتحية للجنة التنسيق بين النقابات التي أثبتت أنها تسهم فعلاً، وتبني مشروعًا حضاريًّا في جميع جوانبه.