- د. هاني رسلان: الأمن القومي أسطورة في مخيلة النخبة فقط

- اللواء حسن اللبيدي: خونة السلطة أخطر على أمننا العربي

- عبد القادر ياسين: الأنظمة ماتت منذ حرب الخليج الثانية

- أحمد بهاء شعبان: مطلوب جبهة شعبية لوقف الاختراق

 

تحقيق- عصام فؤاد:

بعد إعجاب شعبي كبير نالته شرطة دبي على إثر فضحها مسئولية الموساد الصهيوني عن اغتيال القائد القسامي محمود المبحوح، وكشفها أن الجناة موجودون حاليًّا في الكيان الصهيوني؛ فاجأنا قائد الشرطة ضاحي خلفان بمناشدته الكيان "خوض صراعاته مع الآخرين داخل حدوده وليس على أراضيه"، متناسيًا أن تلك الصراعات تدور حول وطن عربي ومقدسات إسلامية، وأن أولئك الآخرين هم شركاء العروبة والمدافعون عن الهويَّة والدين.

 

تصريحات خلفان ربما كانت النعيَ الرسميَّ لمصطلح "الأمن القومي" الذي بات مألوفًا، خاصةً عند المصريين، وإن صاحبته سمعةٌ سيئةٌ؛ نتيجةَ ترديده على ألسنة مسئولي النظام فقط لتسويغ التطبيع مع الصهاينة أو لتبرير بناء جدار العار وحصار غزة، وعقب كل حملة اعتقال في صفوف جماعة الإخوان المسلمين.

 

وأكدت التصريحات أن سعي شرطة دبي الحثيث لكشف الجناة؛ كان وراءه مصالح الآلاف من رجال الأعمال وبيزنس بمئات المليارات يتم استثمارها في الإمارة التي يشكِّل الأجانب 80% من سكانها، وتعجُّ بنحو 200 جنسية مختلفة، لا يجمعها سوى المصلحة المالية، ولا يشتِّتها مثل افتقاد الأمن الذي يقضي على الاستثمار.

 

ولتأمين ذلك تمتلك الشرطة إمكاناتٍ تقنيةً وبشريةً مذهلةً ومركزًا رفيعَ المستوى لجمع المعلومات وتحليلها، بالإضافة إلى مراقبة كافة المرافق والفنادق والأسواق إلكترونيًّا؛ لبسط سيطرة الإمارة على كافة العمليات داخلها، وهو ما أسهم في كشف خطة الموساد "المحكمة" تفصيليًّا وفضحها على الملأ.

 

شكَّلت عملية اغتيال المبحوح أنموذجًا لاختراق الأمن القومي العربي، الذي استُشهد عقب ساعات قليلة من وصوله إلى دبي قادمًا من دمشق بجواز سفر سوري باسم شخص متوفَّى، وكان الاغتيال عقب يومين فقط من مشاركة وزير صهيوني في مؤتمر دولي حول (الطاقة المتجددة) بالإمارات، والتي صاحبها نشاطٌ موساديٌّ مكثَّفٌ لتأمين الوفد الصهيوني، وهنا تبرز خطيئة استخبارية لأجهزة الأمن العربية التي غاب بينها التنسيق لمراقبة نشاط الموساد بالإمارات، ومن ثمَّ جاء الفشل في حماية المبحوح أو حتى تأمينه احتياطيًّا لكونه أحد أهم المطلوبين على قائمة الموساد.

 

 الصورة غير متاحة

والدة الشهيد محمود المبحوح تحمل صورة فوتوغرافية له في منزلهما

الاختراق الأمني استنفر دبي لكشفه وحماية "بيزنس" إمارتهم الطامحة في استضافة مقر الأمم المتحدة، وساعدها خطأُ الموساد في التقليل من إمكانياتها الأمنية في كشف منفِّذي العملية، ونشرت أسماء وصور 27 عميلاً للموساد دخلوا دبي بجوازات سفر أوروبية وأسترالية صحيحة، بالإضافة إلى تورُّط فلسطينيَّيْن اثنيْن؛ هما: أحمد حسنين (عضو سابق في المخابرات الفلسطينية) وأنور شحيبر (ضابط سابق في جهاز الأمن الوقائي الفلسطيني)، وكانا يعملان في دبي بمؤسسة عقارية مملوكة لمحمد دحلان عضو اللجنة المركزية لحركة فتح الفلسطينية.

 

وصاحب النجاح الأمني المنفرد صمتٌ عربيٌّ مطبقٌ، فلم تُدِن عاصمة عربية عملية الاغتيال، وبدا اتفاق غير معلَن بين السلطات وجامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي لإغفال طلب التحقيق الدولي في الحادث، ناهيك عن غياب أي ضغط رسمي أو دبلوماسي على مسئولي الكيان وحلفائه لوقف تلك الاختراقات، أو لطلب تسليم الجناة وإخضاعهم للتحقيق.

 

الصورة السالفة بدت مزريةً في عيون المتابعين حين راقبوا أهمية الدفاع عن "البيزنس" مقابل إغفال تأمين المقاومة، وتجدَّدت الأسئلة: إلى متى يبقى أمنُنا العربي مستباحًا أمام الاستخبارات الصهيونية؟! ولماذا تغيب وسائل الردع أمنيًّا ودبلوماسيًّا لإجبار الكيان على وقف تلك الاختراقات؟ وما سبل الدعم الشعبية والمدنية لقيادات المقاومة مع عجز الاستخبارات العربية؟!

 

النظرية والواقع

يرى د. هاني رسلان، الخبير بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، أن مفهوم الأمن القومي العربي موجودٌ نظريًّا فقط، وتؤمن به جماعات النخبة بالمجتمع العربي، لكنَّ الواقع يؤكد انقراض هذا المصطلح واستبدال أمن النظام الحاكم به، وتأمين بقائه على رءوس الرعية، وفي حالة التوسعة يتعدَّى مفهوم الأمن ليشمل القطر الذي يحكمه.

 

 الصورة غير متاحة

د. هاني رسلان

ويستبعد أيَّ تحرك رسمي أو تنسيق عربي يضغط على الكيان الصهيوني لوقف اختراقاته أمننا العربي، أو لطلب إخضاع المتورِّطين في اغتيال المبحوح للتحقيق؛ وذلك بسبب انشغال الأنظمة باستبدادها الداخلي على شعوبها، فضلاً عن تشدُّد الموساد الصهيوني في تأمين عملائه وبذل قصارى الجهد لحماية جواسيسه واسترداد من يتمُّ الكشف عنه منهم بأيِّ ثمن، كما تمَّ مع الجاسوس عزام عزام في مصر.

 

ويَعدُّ د. رسلان الصمت العربي الرسمي مفهومًا وليس جديدًا، ويفسِّره بأن الأنظمة العربية منقسمةٌ بين من تسمِّي نفسها بـ"المعتدلة"، وتلك لا تمانع في إقامة علاقات مع الكيان، سواء دبلوماسية أو أمنية، ويصل الأمر إلى حدِّ التنسيق الاستخباري مع الموساد، وأخرى تسمِّي نفسها قوى الممانعة، إلا أنها مع ما تعانيه من الاختراقات الصهيونية يصعب عليها الاعتراف بها، ولديها محاذير في التعامل المعلن مع تلك الاختراقات.

 

ويستنكر العجز العربي إزاء ضربات الكيان الصهيوني، رغم أن مجهود الشرطة بإمارة صغيرة مثل دبي نجح في فضح الموساد عالميًّا وسبَّب إحراجًا بالغًا للكيان الذي يواجه حاليًّا أزماتٍ دبلوماسيةً مع العديد من الأطراف الأوروبية وأستراليا؛ بعد ما كشفته التحقيقات الإماراتية في حادثة الاغتيال.

 

فتش عن الخونة

وعن أثر الصمت على اغتيال المبحوح، يبيِّن المحلِّل الإستراتيجي اللواء حسن اللبيدي أن خطورة ذلك تكمن في استمرار الاختراق الصهيوني للأمن العربي، وزيادة جرأته في تنفيذ مخططاته الإجرامية التي باتت قاب قوسين من هدم المسجد الأقصى وتهويد القدس الإسلامية؛ لأن من أمن العقوبة أساء الأدب.

 

وقبل اتهام الموساد يدين اللبيدي عملاء رام الله المتورِّطين في حادثة الاغتيال، ويقول: الموساد عدو لا ريب في ذلك، لكنَّ مشكلتنا الكبرى مع جواسيس الداخل، الذين باعوا الدين والقضية ليتعاونوا مع مجرمي الكيان مقابل كرسي السلطة والدولار.

 

ويعجَب من صمت السلطة الفلسطينية إزاء اغتيال مقاوم فلسطيني كبير، وإهمالها طلب التحقيق الدولي، بما لا يمكن وصفه بغير التواطؤ، على حدِّ تعبيره، ويتابع قائلاً: "ليس غريبًا أن يتمَّ اختراق أية حركة أو جهاز، ولكن ذلك الكم من الاختراقات والعملاء لم نرَه إلا في دوائر السلطة الفلسطينية؛ ما يعدُّ إجرامًا في حق فلسطين كلها.

 

ويطالب اللبيدي أهالي الضفة الغربية بهبَّة شعبية ضد طغيان الكيان وعملاء السلطة؛ للردِّ على ضرب المقاومة، ولتطهير صفوفهم من الخونة الذين يسيئون إلى قضيتهم، ويتساءل:

كيف نطالب حكامنا بإدانة لم تصدر عن محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية؟! وكيف نحاول تجييش التعاطف العربي مع حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إذا كان عباس يعلن مرارًا وتكرارًا تخليه عنه؛ لأنه يهدِّد دولة الكيان.

 

وناشد فصائل المقاومة الحقيقية ردًّا قويًّا على الاعتداءات الصهيونية؛ لتردع استمرارها ولتزيل حاجز الرهبة والخوف الذي زرعه الموساد في نفوس العرب، مطالبًا في الوقت نفسه بوقف المصالحات الشكلية بين فصائل الجهاد وفريق التطبيع، والتي يستبعد إتمامها؛ لأنها تدور بين متناقضين؛ أحدهما يرفع راية المقاومة، والآخر يدعم الاستسلام، وأن توفيق الرايتين خطرٌ على القضية نفسها.

 

إرهاب فلسطيني

 الصورة غير متاحة

عبد القادر ياسين

ويستغرب الكاتب الفلسطيني عبد القادر ياسين من شهادة الوفاة التي ترفعها الأنظمة العربية في مواقف الدفاع عن الحقوق العربية والإسلامية وانتفاضة حكام من "الدرجة الأولى" لإدانة أية عمليات فلسطينية تضرب الكيان ووصفها بـ"الإرهاب الفلسطيني" الذي يهدد عمليات السلام.

 

ولا يعقد ياسين آمالاً سوى على الشعوب العربية المغلوبة حاليًّا على أمرها، وتأسرها قيود الحكام، ويطالب قيادتها الشعبية بمزيد من الجهد؛ للتوعية بالقضية ولانتفاضة ضد الاستبداد العربي؛ ما يمهِّد الطريق أمام نصرة فلسطين والأقصى.

 

ويقول: أنظمتنا الحاكمة أعلنت وفاتها منذ حرب الخليج الثانية 1990م، ويضيف: من غير المنطقي أن ننتظر مناصرتها لحقنا المسلوب إذا كانت أصلاً لا تساوم أعداءنا من اليهود والأمريكان على مصالحهم في بلادنا، ولا تقبل سوى سياسة الانبطاح الكامل لأوامرهم؛ خشيةَ إغضاب سيدهم في البيت الأبيض.

 

الرد الأهلي

 الصورة غير متاحة

 م. أحمد بهاء الدين

ويؤكد المهندس أحمد بهاء الدين شعبان، المعارض المصري وعضو لجنة مقاومة التطبيع، أن عملية الموساد واختراقها الأمن العربي لن تكون الأخيرة، في غياب أي رادع للصهاينة عن إجرامهم الذي طال سابقًا الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، ولم يتقدم خلفه محمود عباس بطلب رسمي للتحقيق الدولي في الحادث الذي أكدت جميع التقارير أنه اغتيالٌ مخطَّط من الموساد لعرفات.

 

ويرى الصمت الرسمي طبيعيًّا من تلك الأنظمة التي تحكم شعوبها بالحديد والنار، وتعلم مدى كراهية الشعوب لها؛ لذا ليس أمامها سوى الركوع لواشنطن لدعم استبدادها وضمان عدم مكرها بهم.

 

وعن دور المنظمات غير الحكومية يقول: حاولنا عدة مرات تحريك طلبات رسمية لإدانة الكيان الصهيوني في عدة مناسبات، كما طلبنا دعمًا رسميًّا للتحقيق بجرائمه المتعددة، منها قضية الأسرى المصريين في حرب 67، إلا أننا في كل مرة نقابل إصرارًا رسميًّا ورفضًا قاطعًا لأي طلب تحقيق في الجرائم الصهيونية؛ ما يُجهض محاولات ملاحقة القتلة ومحاكمتهم؛ لأن محكمة العدل الدولية تطلب رفع الدعاوى من الأنظمة الرسمية التي يفترض أن تمثل شعوبها.

 

ويبرز شعبان أهمية دور المجتمع العربي في فضح إجرام الكيان الصهيوني عالميًّا، والتواصل مع المنظمات الأهلية والمدنية العالمية، خاصةً بالمجتمع الغربي؛ لخلق رأي عام عالمي ضد الصهيونية، يكون رادعًا قويًّا أمام إجرامها وتهديدًا حقيقيًّا بعزلها عن المجتمع الدولي.

 

ويناشد قيادات المجتمع المدني زيادة التوعية، والاهتمام بتعليم اللغات الأجنبية للشباب؛ حتى يستطيع التواصل مع أقرانهم الغربيين، لا سيما أن جيل الشباب الحالي بالغرب لا يحمل عقدة "الهولوكوست" والشعور بالذنب نحو اليهود بسبب محارق النازية؛ ما يجعل الفرصة أكبر لتوجيههم نحو دعم القضية العربية وإنقاذ الشعب الفلسطيني، إذا أحسن شبابنا وسائل التواصل معهم وتعريفهم بالجرائم الصهيونية في حق العرب والمسلمين.

 

وشدَّد على إنشاء هيئة جامعة لكافة الأطياف السياسية والأهلية المناصرة لفلسطين؛ لتقوم بقيادة وتطوير آليات العمل الجماهيري والشعبي، وتمنع التضارب في الأعمال وتوفِّق وجهات النظر للخروج بأقوى الفعاليات، كما تحمل مهمة حماية الأمن القومي والوطني التي تخلَّى عنها النظام والحكام.