التميز هو التفوق الإيجابي في الحياة الشخصية، والعملية بما يجعل الإنسان متقدمًا، ومتطورًا عن غيره من الناس، وكلنا يسعى للتميز، والطريق إلى التميز ليس مستحيلاً أو صعبًا، بل الطريق إلى التميز سهل، وفي متناول الجميع، ولكنه يحتاج إلى بعض العزيمة القوية والصبر، وأنا اليوم أدعو كلَّ المسلمين للتميز، والتقدم؛ وذلك عن طريق التربية الذاتية.

 

فما هي التربية الذاتية؟

هي تربية الفرد لنفسه من خلال أعمال، ووسائل يحددها لنفسه لكي يرتقي بنفسه، ويتحول من شخص يعتمد على غيره في تربية نفسه إلى شخص راقٍ، ومتطور، ويقوم هو بتربية نفسه بنفسه؛ وذلك بأن يقوم الفرد بمعرفة، وتحديد عيوبه، وسلبياته تحديدًا دقيقًا، ويقوم بتحويل هذه العيوب إلى صفات حميدة، وتحويل السلبيات إلى إيجابيات؛ حتى يستطيع العيش في أمن، واستقرار، وقرب من الله عز وجل.

 

وحتى لا يكون ممن قال عنهم ابن القيم رحمه الله: "فلا يزال في حضيض طبعه محبوسًا، وقد سأم نفسه مع الأغنام راعيًا مع الهمل، استطاب لُقيمات الراحة والبطالة، واستلان فراش العجز والكسل".

 

لماذا التربية الذاتية؟

1- المسئولية الفردية: إن الله خلق الإنسان في هذه الحياة الدنيا فردًا، وهو مسئولٌ عن نفسه مسئوليةً كاملةً سواء كان إنسانًا ضعيفًا، أو قويًّا، مؤمنًا، أو كافرًا؛ لأن الله عزَّ وجلَّ خلق الإنسان، وخلق له العقل؛ ليفكر به ويميز به بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، وعلى أساسه يختار أفعاله، وسلوكياته، وتصرفاته؛ وذلك كما جاء في قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38)﴾ (المدثر)، وعليه يكون كلُّ إنسان راعيًا لنفسه، ومسئولاً عنها؛ وذلك كما جاء في الحديث الشريف: "كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته".

 

2- الحساب الفردي: على قدر عمل الإنسان في الدنيا يكون الحساب والجزاء، وكما كانت هناك فردية في المسئولية فهناك فردية في الحساب، وسيحاسب كلُّ فرد على عمله سواء كان كبيرًا أم صغيرًا؛ وذلك كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95)﴾ (مريم)، وقال أيضًا: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ (48)﴾ (البقرة).

 

3- تجنب أخطاء الآخرين: كلُّنا بشر، وكلُّنا عندنا جوانب إيجابية، وجوانب سلبية، كما أن هناك جوانب القصور التي توجد في كل فرد فينا، وذلك لأننا بشر، ولسنا ملائكة، لذلك يجب على كل فرد أن ينتبه إلى هذه الحقيقة؛ حتى لا يكون الفرد مجرد ظل للمربي الذي يربيه؛ لأنه لو فعل ذلك فإنه سيحمل سلبيات من يربيه، بالإضافة إلى سلبياته هو، لذلك فعلى كل فرد أن يعتني بتربية نفسه؛ حتى يتجنب سلبيات المربين له، ويكفيه سلبياته هو.

 

وسائل التربية الذاتية:

1- الطموح (تحديد الأهداف): قليل من الناس من يخطط لحياته في الدنيا، ويضع لها أهدافًا، ويسعى لتحقيقها، فلماذا لا يخطط الإنسان لحياته، ويضع لها أهدافًا ووسائل، ويسعى لتحقيقها؟ لماذا لا يكون الفرد عنده همة عالية في حياته، ويسعى للتميز؟ يقول ابن القيم رحمه الله: "النفوس الشريفة لا ترضى من الأشياء إلا بأعلاها، وأفضلها وأحمدها عاقبة، والنفوس الدنيئة تحوم حول الدناءات، وتقع عليها كما يقع الذباب على الأقذار".

 

لماذا نرضى بالدونية في حياتنا؟ لماذا لا نتطلع إلى معالي الأمور؟ فإن الله يحب معالي الأمور، ويكره سفاسفها كما جاء في الأثر، ويجب أن تعلم عزيزي القارئ أننا لن نشعر بلذة الحياة، وجمالها، ولن نصل إلى ما نطمح إليه إلا إذا كانت لدينا نفوسٌ صافية حية بقربها من الله عزَّ وجلَّ، ونفس طموحة تتطلع دائمًا إلى العلا، والرقي، والتمكين في الأرض؛ وذلك كما قال الإمام حسن البنا رحمه الله: "نفوس حية قوية فتية، وقلوب جديدة خفاقة، ومشاعر غيورة متأججة، وأرواح طموحة متطلعة متوثبة، تتخيل مثلاً عليًّا، وأهدافًا ساميةً؛ لتسمو نحوها، وتتطلع إليها ثم تصل".

 

إن وضع الأهداف، وتحديد الأولويات مع تنظيم الوقت له من الأثر العظيم على تربية الإنسان الإيمانية، وهناك العديد من الآيات القرآنية التي تحثُّنا على الطموح، وتحديد الأهداف منها قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25)﴾ (البقرة)، فإن الله عزَّ وجلَّ في هذه الآية يحثُّنا على أن يكون هدفنا في الحياة هو الوصول إلى الجنة؛ لننال نعيمها، ورزقها، والخلود فيها، وقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ(133)﴾ (آل عمران)، وفي هذه الآية، فإن الله عزَّ وجلَّ يعلمنا أن يكون لنا أهداف صغيرة توصلنا إلى الهدف الأكبر (الجنة)، وهو أن نصل إلى درجة المتقين، وجاء عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّة مِائَة دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللهُ لِلمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ، بَينَ الدَّرَجَتَينِ كَمَا بَينَ السَّمَاءِ وَالأرضِ، فَإِذَا سَأَلْتُم الله فَاسَأُلوُه الْفِردَوسَ، فَهُوَ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَهُوَ أَعْلَى الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ الْعَرش، وَمِنهُ تُفَجَّرُ أنْهَار الْجَنَّة" (رواه البخاري)، هكذا حثَّنا الله عزَّ وجلَّ ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ لنكون من أصحاب الهمم العالية، ونكون طموحين، ولنا أهداف نسعى لتحقيقها.

 

2- القرآن الكريم: إن القرآن الكريم من أهم وسائل التربية الذاتية؛ لأنه ليس فقط كتاب دين، أو كتاب فقه، أو منهج، أو تلاوة، إنما هو كتاب جامع معجز، جمع كلَّ صنوف العلم، وكلَّ أشكال الحكمة، وكلَّ دروب الأخلاق والمُثل العليا، وكذلك كل تصانيف الأدب، وكما قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الأنعام: من الآية 38) عن علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ستكون فتن، قلت: وما المخرج منها؟ قال: كتاب الله، فيه نبأ ما كان قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذا سمعته حتى قالوا: إنا سمعنا قرآنًا عجبًا يهدي إلى الرشد. من قال به صدق، ومن عمل به أُجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم" (رواه الترمذي).

 

فالقرآن الكريم أنزله الله عزَّ وجلَّ ليكون شريعةً ومنهج حياة، فقد نزل ليعالج كلَّ مشاكل الحياة النفسية، والروحية، والاقتصادية، والسياسية، والعلمية، وسائر نواحي الحياة؛ لذلك ربَّى النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة الكرام رضوان الله عليهم على القرآن الكريم، فكان له من الأثر العظيم على نفوسهم، وأرواحهم، وحياتهم، فكانوا خير فئة من البشر الذين ترجموا القرآن من القراءة، والتلاوة إلى العمل، والمعاملات، فكان ذلك سببًا في نشر الإسلام في الأرض، وليس كما يقولون إن الإسلام انتشر بحد السيف، فقد انتشر الإسلام بالمعاملات الحسنة، والتربية الصحيحة التي تربى الصحابة عليها؛ لذلك على كلِّ من يطمح إلى تربية نفسه تربية صحيحة فليرجع إلى القرآن ليربي نفسه عليه.

 

قال كعب الأحبار: "عليكم بالقرآن, فإنه فهم للعقل, ونور الحكمة, وأحدث الكتب عهدًا بالرحمن, ولعظيم ما فيه من البركات كان تلاوته واستماعه من أعظم القربات, والاشتغال بتعلمه وتعليمه من أسمى الطاعات, وكان لأهله أعلى الدرجات وأوفى الكرامات"، وقد حدد العلماء العديد من الفوائد التي يحصلها الفرد من خلال قرأته للقرآن منها:

تدعو له الملائكة الكرام بالرحمة والمغفرة، يعد من أهل الله، وخاصته المتضرعين إليه، يجد في نفسه قبسًا من النبوة غير أنه لا يوحى إليه، يمتلئ قلبه بالخشوع، ونفسه بالصفاء، يرتفع درجات في الدنيا أيضًا، إذ يرفع الله به أقوامًا، ويخفض به آخرين ممن أعرضوا عنه وهجروه، يضيء الله تعالى قلبه، ويقيه ظلمات يوم القيامة، لا يحزنه الفزع الأكبر؛ لأنه في حماية الله؛ ولأن القرآن يشفع له.

 

3- الصبر وعدم اليأس: إن الإنسان الذي له نفس طموحة متطلعة إلى العلا، والرقي لا بد له أن تكون لديه عزيمة قوية، وهمة عالية تساعده في الوصول إلى ما يريد، وما يطمح إليه لذلك لا بد من الصبر، وعدم اليأس. يقول ابن القيم رحمه الله: (قد أجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يدرك بالنعيم، وأن من آثر الراحة فاتته الراحة، وأن بحسب ركوب الأهوال، واحتمال المشاق تكون الفرحة واللذة، فلا فرحة لمن لا هم له، ولا لذة لمن لا صبر له، ولا نعيم لمن لا شقاء له، ولا راحة لمن لا تعب له بل إذا تعب العبد قليلاً استراح طويلاً، إنما تخلق اللذة، والراحة، والنعيم في دار السلام، وأما في هذه الدار فكلا)، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (10)﴾ (الزمر)، فالصبر من شيم الأفذاذ الذين يلقون المكاره برحابة صدر وبقوة إرادة.

 

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "ألا إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا قطع الرأس بار الجسد"، ثم رفع صوته فقال: "إنه لا إيمان لمن لا صبر له"، وقال: "الصبر مطية لا تكبو".

 

واقرأ معي عزيزي القارئ هذه القصيدة للدكتور عبد المحسن الأحمد لتزيد همتك ويعلو طموحك:

سألوني قالوا كيفما هذا الثبات                وحَولَنا فتنٌ تهزُ الراسيات

أليس يغريكِ زمانُ الشهوات             أليس تشتهى نفُسكِ هذى الحياة

فأجبتُهم والقلبُ يملؤه اعتزاز            لا تشتهى نفسي لذائد ناقصات

لما اشتهيتم اشتهيتُ مثلُكم                   لكن أهدافي ستبقى خالدات

أريد قصرًا لا يهدده زوال                   أريد عيشًا ليسَ يقطعهُ ممات

أريد زوجًا مثل يوسفَ في الجمال           وأريدُ أنهارًا بقصري جاريات

فعقُولنا إن لم تبلغنا الجنان                    فحياتُنا ليست حياةً بل ممات

 

4- التزود بالعلم النافع: من أهم الأعمال التي تجعل الإنسان متميزًا في الدنيا، وفي الآخرة هو التزود بالعلم النافع؛ لأنه أسهل طريق للوصول إلى الله عزَّ وجلَّ، وإلى الجنة، كما قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿يَرْفَعْ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة: من الآية11)، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة" (رواه البخاري)، للعلم فوائد عظيمة، وجليلة أهمها القرب من الله عزَّ وجلَّ، وخشيته والوصول إلى محبته سبحانه وتعالى، وذلك كما قال معاذ رضي الله عنه: "تعلموا العلم؛ فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، وهو الأنيس في الوحدة، والصاحب في الخلوة". وللعلم فوائد أخرى منها أن الإنسان تعلو قيمته، وتعظم مكانته، ويزيد قدره، وينمو عقله، وتتسع مداركه، وهو السبيل الوحيد للإبداع، وتكوين المبدعين والمخترعين، والأدباء، والمفكرين في المجتمع، وتعويد اللسان، وتدريبه على الكلام، والبعد عن اللغو الزائف، وتنميه العقل، وتصفيه الخاطر من كل وساوس الشيطان، والاستفادة من تجارب الناس، وحكمة الحكماء، واستنباط العلماء زيادة الإيمان؛ وخاصة في قراءة كتب أهل الإسلام، وسير السلف الصالح، وعلى رأسهم سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، وراحة الذهن من التشتت، والقلب من التشرذم، بالعلم تتقدم الأمم، وترتقي وتزدهر، وليس المقصود بالعلم هو العلم الشرعي فقط، ولكن يجب على المسلم أن يعرف كل العلوم الدينية، والدنيوية النافعة له ولدينه ولأمته؛ حتى يستطيع الاستفادة التامة. قال الشافعي: "من تعلم القرآن عظمت قيمته، ومن تكلم في الفقه نما قدره، ومن كتب الحديث قويت حجته، ومن نظر في اللغة رق طبعه، ومن نظر في الحساب جزل رأيه، ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه".

 

5- قيام الليل: إن قيام الليل من أهم الوسائل التي تربي النفس؛ لأن فيه قربًا من الله عز وجل، كما أنه من يقوم الليل يتميز بالإخلاص؛ لأن العبد إذا قام في الثلث الأخير من الليل فإنه يقوم لله عزَّ وجلَّ وحده، ففي هذا الوقت لا يراه أي إنسان فهو قائم؛ ليتقرب من الله عزَّ وجلَّ وحده، ولذلك كان قيام الليل من أولى الفرائض التي فرضها الله عزَّ وجلَّ على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، وذلك في بداية الدعوة كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمْ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً (2) نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلاً (6)﴾ (المزمل)، يقول صاحب الظلال في تفسير هذه الآيات: "وإن قيام الليل والناس نيام، والانقطاع عن غبش الحياة اليومية، وسفاسفها والاتصال باللّه، وتلقي فيضه ونوره، والأنس بالوحدة معه، والخلوة إليه، وترتيل القرآن، والكون ساكن، وكأنما هو يتنزل من الملأ الأعلى، وتتجاوب به أرجاء الوجود في لحظة الترتيل بلا لفظ بشري، ولا عبارة، واستقبال إشعاعاته، وإيحاءاته، وإيقاعاته في الليل الساجي.

 

إن هذا كله هو الزاد لاحتمال القول الثقيل، والعبء الباهظ، والجهد المرير الذي ينتظر الرسول، وينتظر من يدعو بهذه الدعوة في كل جيل! وينير القلب في الطريق الشاق الطويل، ويعصمه من وسوسة الشيطان، ومن التيه في الظلمات الحافة بهذا الطريق المنير.

 

لقد أعد الله عزَّ وجلَّ نبيه صلى الله عليه وسلم وصحابته ليقوموا بأمر عظيم ألا وهو نشر الدين الإسلامي في أرجاء المعمورة، فتلك الفئة التي حملت على عاتقها تلك الرسالة السامية، كان لا بد لها من تربية عظيمة تجعلها تتحمل كل المشاق، والصعاب في سبيل توصيل هذه الرسالة؛ لذلك كان قيام الليل من أوائل الفرائض التي فرضها الله عزَّ وجلَّ في بداية الدعوة الإسلامية.