في دراسة أجراها ستيفن كوني حول الأحداث التي تحدث لنا، وردة الفعل تجاهها، وبعد طول بحث واستقصاء توصل إلى نظرية مهمة، مفادها أن 10% فقط من حياتنا تتشكل من خلال ما يحدث لنا من الغير، ومما لا يد لنا فيه، بينما 90% من حياتنا يتم تحديدها من خلال ردود أفعالنا، وهذا يعني أننا في الواقع ليس لدينا القدرة على السيطرة على الـ10% مما يحدث لنا، فنحن لا نستطيع منع السيارة من التعطل، أو التيار الكهربائي من الانقطاع، أو من "رخامة" سائق الميكروباص الذي قطع عليك الطريق فجأة، أو مرض طفلك المفاجئ.
أنت لا تستطيع المنع أو التحكم في عدم وجود موظف مرتشٍ، أو مختلس، أو تاجر محتكر، أو مسئول مستغل لوظيفته في ابتزاز الناس، أو ظالم مستبد يأكل حقوق الناس متترسًا بموقعه وسلطانه، وكل هذا في الحقيقة لا يمثل أكثر من 10% فقط لما يحدث لنا، بينما الـ90% الباقية مما يحدث لنا ناتج من ردود أفعالنا تجاه هذه الأحداث، تجاه الـ10%, وما أروع مثال المصطفى صلى الله عليه وسلم: "مثل القائم على حدود الله، والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا أرادوا الماء مروا على من في أعلاها، فقالوا: أو أننا خرقنا في نصيبنا خرقًا فنشرب دون أن نؤذي من فوقنا، فلو تركوهم وما أرادوا هلكوا، وهلكوا جميعًا، ولو أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا", لم يكن بيد شعب مصر أن يمنع وجود فرعون ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنْ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الدخان: من الآية 31)، لكن كان بأيديهم ألا يصنعوه فرعونًا متجبرًا يستعبدهم ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ (الزخرف: من الآية 54)، "قالوا يا فرعون اتفرعنت ليه؟ قال ما لقيتش حد يردني".
لقد ضربت اليابان في منتصف القرن الماضي بقنبلتين نوويتين قتلتا الملايين، وأبادتا مدينتين كاملتين من الوجود، ودفعتا اليابان إلى الاستسلام العسكري لأمريكا، ودمرتا اقتصاد البلد، لكن ردة فعل اليابانيين تجاه الحدث الرهيب كانت أقوى، فعادت اليابان إلى مجدها، وعالجت الآثار خلال ثماني سنوات فقط، بينما قاتل الأفغان السوفيت 14 سنة أبلوا فيها بلاءً حسنًا، وهزموهم، وانتصروا عليهم، لكن ردة فعلهم تجاه هذا النصر كانت سيئة؛ حيث مزقتهم الاختلافات حتى أدخلت البلاد في تمزق واقتتال، ثم احتلال لم تسلم منه إلى اليوم، وكذلك معظم بلداننا العربية، والإسلامية دفعت من دمها ثمنًا لتحررها من الاحتلال حتى كتب لها التحرر من الاحتلال الغاشم، لكن ردة فعلها تجاه هذا التحرر هي من أدخلت البلاد إلى مرحلة أخرى من الاحتلال (الاحتلال بالوكالة).
ألا فليعلم الناس أن إرادتهم هي الفاعلة، وأنه لن يكون لهم إلا حيثما أرادوا، وفعلوا، ونفذوا هذه الإرادة؛ لأن إرادة الله مرهونة بإرادة العبد، وإرادة الشعوب "كما تكونوا يولى عليكم"، "يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عارٍ إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم..........."، نعم إنها ردة الفعل منا تجاه ما يحدث لنا فلا يقول قائل: (سعد زغلول قال مفيش فايدة..)، إن حكومتنا الرشيدة ما فعلت بنا ما فعلت، وتفعل كل يوم إلا حينما أمنت نفسها من ردة فعلنا، وهي دائمًا وأبدًا تسعى إلى ذلك، تسعى إلى تفتيت التجمعات، والتفريق بين الجموع، والضغط على الناس من خلال سياسة ممنهجة في الغلاء، والفساد، والبطالة، والاعتقال، والتعذيب للبعض حتى يخاف الناس، وينشغل كل واحد بنفسه، عندها تضمن الحكومة سلبية الشعب، وعدم القدرة على ردة الفعل.
وهكذا يستمر المسلسل في حلقاته طوال فترة الحكم حتى إذا انتهت وبدأ غيره في الحكم أعاد سيناريو المسلسل من جديد بممثلين جدد، ومخرج جديد؛ لكن الهدف واحد، والنتيجة واحدة ضريبة يدفعها الشعب جيلاً بعد جيل، لا خلاص منها إلا إذا أدرك الجميع أن التغيير بأيدينا إذا أردنا، وأن ما يحدث لنا نحن مسئولون عن 90% منه؛ فتدبروا أمركم يحسن خلاصكم، فما حك جلدك مثل ظفرك، أو كما قال الشاعر:
يا شعب لا تشكو الشقاء ولا تطل فيه نواحك
لو لم تكن بيديك مجروحًا لضمدنا جراحك
أنت انتقيت ولاة أمرك وارتضيت بهم صلاحك
لكنهم ألقوا على خسيس دنياهم وشاحك
أيسيل صدرك من جراحتهم وتعطيهم سلاحك
لهفي عليك.. أهكذا تطوى على الذل جناحك؟
﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11)، ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (العنكبوت: من الآية 69)، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ (يوسف: من الآية 21).