يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ (آل عمران: من الآية 110).
فالأمة الإسلامية وُصفت بالخيرية لعظم الدور الذي تقوم به؛ وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى خير البشرية، على أساس من الإيمان بالله، والاحتكام إلى شريعته، وأخرجت للناس وهي من الناس، أفرادها ليسوا ملائكةً، ولكنهم بشر لا ينفكون عن بشريتهم، يتنازعهم داعي الله وداعي النفس وداعي الشيطان، لم يُعصموا من الخطأ، عدا الأنبياء والرسل لحكمة يعلمها الله ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لأَنزَلَ مَلائِكَةً﴾ (المؤمنون: من الآية 24) تسير أمورها وتدور أحداثها في إطار الدمج والمزج بين الخيرية والبشرية في كل أمورها، بما في ذلك دورها الدعوي؛ فلخيريتها تدعو كلها إلى الله على بصيرة مستنة بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهادية بهديه، ولبشريتها يعتري بعض أفرادها فتور أو اندفاع وعجلة أو إفراط أو تفريط، وهو ما زال على وقور الإيمان في القلب، وصدق العمل بالجوارح؛ ولكن على غير الأولى زمانًا أو مكانًا أو حالاً، فتحوطهم الكثرة بالود والعناية، حتى يذهب الفتور، ويهدأ الاندفاع والعجلة، ويعدل الإفراط والتفريط، ولخيرية الأمة يعود الكل إلى العمل بهدي الرسول وسنته، وهكذا أمة لا تجتمع على ضلالة وجماعة تنفي خبثها.
وجماعتنا كجماعة من المسلمين، تدور أحوالها كذلك في إطار الخيرية والبشرية، ولبشريتها تتعرض للشدائد والأحداث، وستظل على ذلك، وكم في الشدائد من فوائد.. "عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير؛ وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له".
وسنعرض لبعض هذه الدروس والفوائد ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ (108)﴾ (يوسف).
بصيرة تدفعنا لاستثمار المناسبات وجني ثمارها، والتفاعل مع الأحداث وحسن توظيفها، والتعامل الذكي مع الأزمات وتقليل آثارها، ونجمل بعض هذه الفوائد والثمرات فيما يلي:
1- الاطمئنان على ارتباط أفراد الصف بدعوتهم، فكل ما أُثير من خلاف في وجهات النظر في الأحداث الأخيرة لم يؤثر على حركة الأفراد في مهامهم الدعوية، بل زاد انتظامهم وحرصهم خوفًا منهم على دعوتهم، رغم تأخر متابعة قيادتهم لهم؛ لانشغالها بالتوفيق بين وجهات النظر، فالخلاف في الرأي ليس جديدًا على الجماعة في كل مستوياتها، ولكن ما جدَّ هو تناول وسائل الإعلام جلسات تداول الرأي قبل الوصول إلى الرأي الأوْلى، والاتفاق على العمل به؛ فالإخوان يختلفون في الرأي، ولكنهم يجتمعون في العمل بما اتُّفق عليه.
2- أننا كجماعة لها وجود وانتشار في المجتمع، أصبحنا محل اهتمام العامة والخاصة، وأصبحت كل أمورنا تشغل الجميع شعوبًا وحكوماتٍ سياسيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا قبل الأمور الأمنية، وخارجيًّا قبل داخليًّا وحتى ما كنا نحسبه شيئًا لا يخص غيرنا من لوائح وهياكل؛ بل وأفراد هذه الهياكل وسيرتهم الذاتية، وسماتهم الشخصية قبل تنظيماتنا، وهيئاتنا ومفاهيمنا وتصوراتنا قبل أنشطتنا وفعالياتنا، وذلك لا بد أن يوضع ذلك في اعتبارنا، ويصبح توضيحه من أولى اهتماماتنا، وفي ذلك يقول الإمام البنا: "لا بد من هذا التجديد لتجدد عقول الناس، وتغير طرق البحث والتفكير والاستنباط، ولم يعد يكفي في الجواب عن تحديد المطلوب كلام مرتجل، أو خطابة تثير المشاعر، أو عبارات تؤثر في العواطف؛ بل صار واجبًا على أهل الدعوة أن يصورها للناس تصويرًا منطقيًّا دقيقًا واضحًا، مبنيًّا على أدق قواعد البحث العلمي، وأن يرسموا أمام الناس الطرق العملية المنتجة التي أعدوها لتحقيق ما يريدون، ولتذليل ما سيصادقون من عقبات لا بد من وجودها في الطريق".
هذه الدرجة من الانتشار تدعونا إلى التجديد وإيثار الناحية العملية على الدعاية والإعلام، وتوجب علينا وقفةً للتعرف على عقبات الطريق، ومعالجة السلبيات، وتنمية المهارات، ورفع الكفاءات.
3- الرجوع في كل الأمور إلى أصحاب التخصص، وإنْ كانوا خارج جهة إصدار القرار، وقبول جهة إصدار القرار ما يشير به أهل التخصص، وفي ذلك يقول الإمام: "أيها الإخوان المسلمون ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول، وأنيروا أشعة العقول بلهب العواطف، وألزموا الخيال صدق الحقيقة والواقع، واكتشفوا الحقائق في أضواء الخيال الزاهية البراقة، ولا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة، ولا تصادموا نواميس الكون؛ فإنها غلابة، ولكن غالبوها واستخدموها، وحوِّلوا تيارها، واستعينوا ببعضها على بعض، وترقبوا ساعة النصر وما هي منكم ببعيد".
4- أن الانتشار في المجتمع بعد طول غياب أوضح أن التطبيق الواقعي لبعض المفاهيم قد يحتاج إلى مراجعة وتحديد لأبعاد هذه المفاهيم، وذلك مثل مقولة الإمام: "كم منا وليس فينا، وكم فينا وليس منا"، فظهرت بعض وجهات نظر تدعو إلى أن يتولى مكان مرشد الجماعة أفراد غير عاملين بالجماعة، وفي ذلك إفراط في المفاهيم، وإحراج لأفراد لم يقبلوا برغبتهم الانخراط في صفوف هذه الجماعة والالتزام بلوائحها، وإن كانوا يدعون بدعوتهم، وهي الإسلام، وهو ليس حكرًا عليها، وهي تعتبرهم من أعلام الدعوة ومن مستشاري الجماعة في كثير من مواقفها وتوجهاتها، وكذلك مثل تولي المرأة أو غير المسلم للولاية العظمى لأمة أو دولة جُلُّها أو أغلبيتها من المسلمين؛ فوجب تأكيد الجودة والإتقان في تعامل الأفراد مع الحاضر وما به من مستجدات، والاستعداد للمستقبل وما به من فرص وتحديات مع الاحتفاظ بأصالة الماضي، وما يحمله من مبادئ وخبرات.
5- الاطمئنان على الالتزام بالشورى والمؤسسية فقهًا وممارسةً وضوابط، والإقرار بنتائجها وإن خالفت رأي أعلى موقع بالجماعة، وكذلك تفعيل جهات بالجماعة وبنود لائحية، لم تُفعَّل منذ فترة ليست بالقصيرة لأسباب لها وجهاتها، وما زالت قائمةً، وفي ذلك استمرار للدعوة رغم التضييق.
6- أن الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا؛ فطوبى للغرباء، فاذكروا جيدًا أنكم الغرباء الذين يصلحون عند فساد الناس، إننا ندعو بدعوة الله، وهي أسمى الدعوات، وننادي بفكرة الإسلام وهي أقوم الفكر، ونقدِّم للناس شريعة القرآن وهي أعدل الشرائع، ﴿صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138)﴾ (البقرة)، وأن العالم كله في حاجة إلى هذه الدعوة، وكل ما فيه يمهِّد لها ويهيئ سبيلها (رسالة بين الأمس واليوم).
7- الاطمئنان بما لا يدع مجالاً للشك أو التشكيك إلى رجاحة رأي أفراد مجلس الشورى بالجماعة، وأنه يستعصي على التوجيه أو التأثير من خارج الجماعة أو حتى من داخلها، بل والقدرة على التمييز بين من يصلح لعضوية مكتب الإرشاد، ومن يصلح لتولي مكانة المرشد العام للجماعة.
8- اعتذار البعض عن الترشيح لعضوية مكتب الإرشاد، أو تولي مكانة المرشد والإصرار على ذلك؛ يؤكد بالواقع الحقيقي أن أفراد الصف يعتبرون أن اختيار الجماعة لهم؛ سواء بالانتخاب أو بالتعيين إنما هو تكليف وليس تشريفًا.
9- يجوز للإمام ألا يستجيب للمأمومين فيما يتعلق بالإمامة، متى صح لديه ما أقدم عليه ووصل ذلك عنده إلى درجة اليقين، وقد أصرَّ الأستاذ المرشد على رفض التجديد لتوليه مكانة المرشد، وقد رجاه جُلُّ إن لم يكن كل أفراد الجماعة أن يستمر لفترة ثانية، أو أقل من فترة؛ بسبب ما تمر به الجماعة من ظروف داخلية، وما يواجهها من تحديات خارجية، وقد لاقى فضيلته من العتب الكثير واللوم الشديد، بل ما هو أكثر من ذلك؛ حيث رأى كثير من الإخوان أنه من باب السمع والطاعة لجماعته، وتقديرًا لإلحاح إخوانه عليه؛ كان على فضيلته أن يقبل التجديد، إلا أنه أراد أن يثبت بالتجربة والواقع أن استمرار الجماعة في القيام بدورها رغم الشدائد والتضييق، لا يتوقف على أشخاص، ولو كان المرشد نفسه، إنما يتوقف على وجود صف رباني قدوة مؤثر في المجتمع، تتجلى في أفراده صفات أصحاب الرسالة، وتنبثق عنه قيادته، ويلتف حولها، وتقل فيه الخلافات، وتنعدم الانشقاقات، ويلتزم بالشورى والمؤسسية، ويحافظ على مبادئ دعوته، ويحترم أعراف جماعته.
10- ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى﴾ (آل عمران: من الآية 111)، التأكد من استعصاء الجماعة على محاولات شق الصف، أو بث الفرقة والانقسام داخل الجماعة، وإن كان في ذلك من الأذى الكثير للأفراد الذين يُراهن عليهم في شق الصف؛ بسبب ما يُوجَّه إليهم من تهويل وترغيب وتلفيق وضغط أدبي وإحراج، وفي النهاية التشويه لهم ما داموا على دعوتهم محافظين، وبجماعتهم مستمسكين، وعلى محاولات الاحتواء من شياطين الإنس والجن مستعصين، وكما أن المرء يُبتلى على قدر دينه؛ فإن الفرد في الجماعة تشتد الهجمة عليه على قدر مكانته، ويحاسب من جماعته على الفتيل والقطمير، ولن تنتهي الشدائد والمحاولات، ولا بد بعد كل شدة من تضميد الجراح، وتسكين الآلام، والحفاظ على أي جزء من نسيج الجماعة ما دامت تدبُّ فيه الحياة.
11- دليلٌ وبرهانٌ وتأكيدٌ أن التربية هي صمام الأمان للجماعة والفرد، وأن معظم الأمراض التي تظهر في العمل الإسلامي ترجع إلى اختلال التربية من حيث التصور أو الممارسة أو اختلالهما معًا؛ فالفرد الذي تربَّى على صفات الفرد المسلم العشرة، وأصبح إنسانًا مسلمًا صالحًا، ثم تربَّى على الأركان العشرة، وعمل للإسلام على بصيرة في جماعة، ثم تزوَّد بما ينمي مهارته، ويرفع كفاءته في التفاعل مع الأحداث، والقيام بأعباء المرحلة والتوجهات، أصبح ذلك الفرد مؤمنًا في الشدائد ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)﴾ (الأنعام)، والشدائد لا تزيد جماعتهم إلا تماسكًا، ولا تزيد أفرادهم إلا صقلاً ونقاءً وصفاءً، ونادرًا ما ينحدر الفرد إلى أقل من كونه فردًا مسلمًا صالحًا لمجتمعه ووطنه وإنسانيته.
12- أن عظم الدور المنوط بالأمة يستلزم تميزًا وتمايزًا، وإلى الحق تحيزًا، وفي ذلك يقول الإمام: "إن تكوين الأمم وتربية الشعوب وتحقيق الآمال ومناصرة المبادئ تحتاج من الأمة التي تحاول هذا، أو من الفئة التي تدعو عليه على الأقل؛ إلى قوة نفسية عظيمة، تتمثل في عدة أمور إرادة قوية، لا يتطرق إليها ضعف أو وهن، ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا غدر وتضحية عزيزة، لا يحول دونها طمع ولا بخل، ومعرفة بالمبدأ، وإيمان به، وتقدير له تعصم من الخطأ فيه، والانحراف عنه، والمساومة عليه، والخديعة بغيره".. وكل الشدائد والأحداث تُجلى بالحقيقة، والواقع ما ترسخ في أذهاننا، ووقر في وجداننا.
- سمات من يتنزل عليهم النصر ويتحقق بهم التمكين لشرع الله في الأرض:
1- أناس خلصت نفوسهم من حظ نفوسهم؛ حتى لو كان هذا الحظ هو تمني النصر والغلبة لهذا الدين، ولم يكن لديهم اعتزاز بجنس أو قوم أو وطن أو عشيرة أو أسرة أو مشيخة أو قبيلة.
2- فئة مجردة عن كل غرض مبرأة من كل هوى، أو نزعة شخصية، لا تبتغي جاهًا وشرفًا أو سمعةً وحسن أحدوثة، ولا يخطر ببالها أن تسمو بنفسها وعشيرتها، أو أن تستبد بالأمر أو تتبوأ منصبًا ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ (النساء من الآية 76).
3- فئة خاضت معركة الجهاد الأكبر مع نفسها، مع الشيطان، مع هواها وشهواتها، مع مطامعها ورغباتها، مع مصالحها ومصالح عشيرتها وقومها، مع كل شارة غير شارة الإسلام، مع كل دافع إلا دافع العبودية لله وتحقيق سلطان الله في الأرض.
4- فئة تخرج للجهاد في سبيل الله لتحرير الإنسان من كل عبودية لغير الله، تستذل إنسانيته وكرامته، تخرج لحماية حرمات الناس وكرماتهم وحرياتهم؛ لا للاستعلاء على الناس، والتبطر بنعمة القوة التي أعطاها الله لها، باستخدامها في غير ما أراد الله.
5- فئة تخرج متجردة من حظ نفسها في المعركة جملةً، فلا يكون لها من النصر والغلبة إلا تحقيق طاعة الله في تلبية أمره بالجهاد، وفي إقامة منهجه في الحياة، وفي إعلاء كلمته في الأرض، وفي التماس فضله بعد ذلك ورضاه.
6- فئة حسبها أن تبذل ما في طوقها، فلا تستبقي منه بقية، وأن تغالب الهزة الأولى في مواجهة الخطر الواقعي "إنما الصبر عند الصدمة الأولى"، وأن تمضي في طاعة أمر الله واثقة بنصره.
أيها الأحباب.. إذا وضح لمن يسلك طريق الدعوة أن هدفه هو التمكين لدين الله في الأرض، فلا يستكثر الجهود المبذولة والتضحيات، ولا يستبطئ الزمن، ولا يداخله يأس إذا طال الوقت دون أن يرتفع بناء الدولة المنشودة وتحقيق الأستاذية الموعودة، وفي ذلك يقول الإمام: "إن طريقكم هذا مرسومة خطواته موضوعة حدوده، ولست مخالفًا هذه الحدود التي اقتنعت كل الاقتناع بأنها أسلم طريق للوصول؛ أجل، قد تكون طويلة، ولكن ليس هناك غيرها، وإنما تظهر الرجولة بالصبر والمثابرة والجد والعمل الدائب".